نزار عثمان السمندل
كمن ينقّب في العدم، تفتش سلطة الأمر الواقع في السودان عن شرعية لا تعثر عليها؛ تستعير صوت البنادق حيناً، وتستدعي حِيَلاً مستهلكة حيناً آخر.
الجيش المختطف، والمتماهي في المليشيات وحركات الكفاح، يحاول كتابة سيرة جديدة بحبرٍ قديم، بوضع ياسر العطا على رأس هيئة الأركان. خطوة مشدودة إلى طموح قائد يريد تثبيت قبضته، بينما تفتح الباب لخصم يولد داخل الدائرة نفسها.
وفي دنيا العساكر؛ المسرح لا يحتمل شريكين طويلا، والرُتب حين تتكاثر حول مركز واحد لا تنتج استقراراً، بقدر ما تسرّع لحظة الانقضاض. وياسر بالذات شهيته مفتوحة للانقلاب.
لحظة التعيين نفسها ليست بريئة. تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً سحب الغطاء الذي احتمى به رأس السلطة الانقلابية طويلا. الحاضنة التي منحت السند تحولت إلى عبء سياسي وأمني، فبدت مكشوفة تبحث عن توازن جديد من داخل المؤسسة العسكرية، لا خارجها. محاولة الابتعاد عن عبء الأيديولوجيا تُدار بأدوات غارقة فيها حتى العظم، مما ولّد مفارقة لا يمكن إخفاؤها.
ما يجري يتجاوز إعادة ترتيب مواقع. هناك سعي لإعادة إنتاج السلطة في صيغة أكثر تركيزاً، وإحكام السيطرة لإبعاد المدنيين إلى الأبد، وتغليف الخطوة بواجهات مدنية تستعير شعارات الثورة. الفكرة التي تتردد في أروقة السياسة تقول إن الطريق يُمهَّد نحو نظام رئاسي يتركز في يد واحدة، لكن الطريق نفسه مليء بتصدعات داخل بيت العساكر، حيث لا ينعقد إجماع على هذا المسار.
شخصية رئيس الأركان الجديد تضيف درجة أخرى من القلق. طموحه المعلن، وصلاته الوثيقة مع شبكات إسلامية داخل الجيش وخارجه، وقدرته على التحرك وسط كتائب قاتلت إلى جانب القوات المسلحة خلال الحرب، كلها عناصر تمنحه أدوات تأثير تتجاوز موقعه الرسمي. الوصول إلى منصبه الحالي في هذه اللحظة الحساسة، يختصر المسافة بين النفوذ والقرار، ويجعل الانقلاب احتمالاً قريباً من الواقع.
داخل الجيش، لا تُحسم الولاءات بالرُتب وحدها. الأيديولوجيا، القبيلة، وتجارب الحرب، كلها تصنع مراكز قوة موازية. لذلك تبدو أي محاولة لإعادة هندسة القيادة أقرب إلى مقامرة مفتوحة. تعزيز موقع العطا يمنحه مفاتيح وحدات مؤثرة، ويمنح الذين أتوا به شعوراً بأن لحظة الحسم اقتربت، في ظل خطاب متشدد تجاه أي عودة محتملة للحكم المدني.
التقارير الدولية لا تقول شيئاً مختلفاً. التحذير من تغلغل التيار الإسلامي داخل بنية الجيش يتكرر، مع تأكيد أن أي تسوية ستظل قابلة للانهيار ما لم يُفك هذا الارتباط، وأن الحرب الجارية لم تُنتج واقعاً جديداً بقدر ما كشفت عمق البنية القديمة.
الوقائع الميدانية تعزز هذا القلق. حضور مجموعات مسلحة ذات خلفية أيديولوجية إلى جانب الجيش، ومحاولات دمجها داخل المؤسسة، يفتحان الباب أمام إعادة إنتاج التجربة نفسها التي قادت البلاد إلى أزماتها المتلاحقة. الحديث عن إصلاحات يفقد معناه حين تتقدم الولاءات على المهنية، وحين تتحول المؤسسة العسكرية إلى حاضنة لصراع سياسي لا إلى ضامن للاستقرار.
احتفاء الإسلاميين بتعيين العطا بالتعيين يكشف جانباً من المعادلة، ويشير إلى رهان قديم يتجدد في العودة إلى السلطة عبر بوابة الجيش، غير أن التجربة تقول إن هذا التيار لا يتردد في الانقلاب على أقرب حلفائه، ما يجعل أي تحالف معه هشاً وقابلاً للانقلاب في أي لحظة.
في النهاية، تقف البلاد أمام عتبة معادلة قاسية؛ قائد يحاول تكريس حكمه عبر إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية، ومراكز قوة تنمو داخلها بصخبٍ مفضوح. النتيجة ليست غامضة. انقلاب جديد يلوح، يعيد تدوير الأزمة، ويؤكد ما صار أقرب إلى اليقين؛ أن الجيش في السودان لم يكن يوماً مؤسسة تحمي الدولة، بل لاعب سياسي يعيد تشكيلها على صورته، تاركاً شعبها عالقاً في دائرة لا تنتهي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم