أواب عزام البوشي
يبدو أن البرهان عاد من موسكو محمّلاً بخيبة أمل جديدة، بعد أن راهن على الدعم الروسي لإنقاذ سلطته من أزماتها المتلاحقة، في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ مراحل الانهيار الاقتصادي والإنساني في تاريخه الحديث.
وبحسب مصادر، فإن البرهان أجّل اجتماعاً مهماً مع رئيس الوزراء كامل إدريس لمناقشة الأوضاع الاقتصادية، انتظاراً لما ستسفر عنه زيارته إلى موسكو، أملاً في الحصول على دعم مالي وسياسي وعسكري يمكّنه من تجاوز أزماته المتراكمة.
لكن الرهان الروسي لم يكن كما أراد البرهان. فموسكو، التي تدرك حجم المأزق الذي يواجهه، لم تمنحه الدعم الذي كان يطمح إليه، ووضعت أمامه شروطاً معقدة وكثيرة للحصول على أي مساندة، الأمر الذي جعل الزيارة تنتهي بخيبة أمل كبيرة.
لقد ذهب البرهان إلى روسيا وهو يبحث عن طوق نجاة، لكنه عاد في موقف أكثر ضعفاً، بعدما اصطدم بحسابات روسية لا تتوافق مع تطلعاته السياسية والعسكرية. فموسكو تعرف جيداً أن البرهان يأتي إليها من موقع الحاجة، لا من موقع القوة، وأن سلطته باتت محاصرة بالأزمات الداخلية والضغوط الخارجية.
ويبدو أن البرهان كان يعتقد أن تقديم التنازلات الاستراتيجية لروسيا، بما في ذلك منحها موقعاً على البحر الأحمر، وفتح المجال أمامها للحصول على مناطق للذهب والتعدين، سيكون كافياً لضمان وقوف موسكو إلى جانبه سياسياً وعسكرياً، وتأمين الدعم الذي يحتاج إليه للبقاء في السلطة.
لكن حسابات البرهان اصطدمت بحسابات روسية مختلفة؛ فموسكو لا تتعامل مع الملفات الاستراتيجية بهذه البساطة، ولا تمنح دعمها مقابل وعود وتنازلات دون ضمانات ومصالح واضحة. كما أن روسيا تدرك طبيعة البرهان السياسية، وتعرف أنه شخصية مراوغة، وأن ملف القواعد البحرية والتفاهمات الاستراتيجية ظل عرضة للتأجيل والتراجع والمناورات السياسية طوال السنوات الماضية.
ولعل البرهان لم يدرك أن موسكو، التي تعرف جيداً سجل المراوغة والتردد في ملف القاعدة البحرية، لن تمنحه ما يريد لمجرد أنه جاء إليها في لحظة ضعف. فقد كان يتوقع أن تكون التنازلات المتعلقة بالبحر الأحمر والذهب والتعدين مفتاحاً للحصول على الدعم، لكنه اكتشف أن روسيا لديها شروطها وحساباتها الخاصة، وأنها ليست مستعدة لمنحه كل ما يطلبه دون مقابل وضمانات.
وفي المقابل، يعيش السودانيون واقعاً كارثياً، حيث تتفاقم أزمة الوقود، وتتسع رقعة المجاعة، وتنقطع الكهرباء عن المدن والمناطق المختلفة، وتنهار الخدمات الأساسية، بينما يعجز البرهان عن تقديم حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بفعل الحرب التي أدخل البلاد في نفق مظلم.
إن تأجيل الاجتماع الاقتصادي، وفق هذه القراءة، يكشف حجم التخبط وغياب الرؤية لدى سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، التي باتت تنتظر الدعم الخارجي بدلاً من معالجة جذور الأزمة السودانية.
والأكثر خطورة أن البرهان وحلفاءه من الكيزان لا يزالون، بحسب هذا الموقف السياسي، يضعون استمرار السلطة والحرب فوق مصالح الشعب السوداني، في وقت كان يفترض أن تكون الأولوية القصوى هي وقف الحرب، وإنقاذ الاقتصاد، وإعادة الخدمات، وحماية المواطنين من الجوع والانهيار.
