البنادق تختار برلمانها

تتكاثف الهمسات حين تضيق السياسة، ثم لا تلبث أن تخرج إلى الضوء بوصفها «تسريبات». هذا ما حدث قبل أيام، حين انتقلت أحاديث المجالس من التداول الخافت إلى العلن، حاملة رواية كاملة عن إعادة تشكيل السلطة: حلّ المجلس السيادي، تبنّي نظام رئاسي، تشكيل مجلس تشريعي من ثلاثمائة عضو بأسماء جاهزة، بالتوازي مع حديث عن تغييرات عميقة في قيادة الجيش وهيئة أركانه.
مشهد واحد، تتقاطع فيه السياسة مع السلاح، في لحظة حرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
الانتباه لا يتجه فقط إلى مضمون ما سُرّب، بل إلى توقيته. حرب مشتعلة، دولة مثقلة بالانهيار، مجتمع يتآكل تحت النزوح والفقد، ثم يُفتح فجأة ملف إعادة هندسة الحكم.
في أدبيات السياسة، لا تُعاد صياغة الدولة في ذروة صراع وجودي إلا حين تشعر السلطة بأن الأرض تهتز تحت أقدامها، أو بأن الزمن لم يعد في صالحها.
الحرب التي رُفعت رايتها باسم «استعادة الدولة» تحولت، مع طول أمدها، إلى عبء أخلاقي وسياسي. الموارد تنفد، والضغط الإقليمي والدولي يتزايد، والبحث عن غطاء جديد للشرعية يصبح مسألة بقاء.
هنا تبرز فكرة النظام الرئاسي، ويُستدعى مجلس تشريعي مُعيَّن. شرعية تُصنع من أعلى، عبر الأمر الواقع، لا عبر توافق ولا اقتراع. تسريب قائمة بثلاثمائة اسم قبل أي إعلان دستوري يثير شبهة ثقيلة: مؤسسة وُلدت لتزيين الواجهة، لا لحسم الأسئلة الكبرى.
في بلد تحترق أطرافه وتتشظى مدنه، يبدو الحديث عن برلمان بهذا الحجم أقرب إلى مفارقة جارحة. أي تمثيل يُرجى، وأي مساءلة تُنتظر، حين تُوزَّع المقاعد مسبقاً وتُضبط الولاءات سلفاً؟
مجلس يُراد له أن يبارك، لا أن يراقب، أن يصفّق، لا أن يُشرّع، نسخة مكررة من مؤسسات فقدت معناها قبل أن تؤدي وظيفتها… (كامل إدريس؛ هل تسمعنا؟)
الأخطر يختبئ في التسريب المتعلق بالجيش. المؤسسة التي تحولت، منذ الانقلاب واندلاع الحرب، إلى الفاعل السياسي الأول. حديث عن تغيير شامل في هيئة الأركان، بعد أشهر قليلة من تغييرات سابقة أبقت على رئيسها، يفتح باب التأويل واسعاً. محاولة لتحصين الموقع؟ تحميل مسؤولية إخفاقات ميدانية؟ أم ترتيب البيت العسكري ليتماهى مع شكل سلطة يجري رسمه؟
حين تتسارع إعادة تدوير القيادات العسكرية، لا تكون الإشارة اطمئناناً، بل قلقاً. صراع مكتوم يُدار في الغرف المغلقة، كلفته تُدفع من دم الناس ومن رصيد الدولة.
اللافت أن الانقسام لم يعد بين خصوم الحرب وأنصارها، بل داخل معسكر الداعمين أنفسهم. فريق يحذّر من تكرار مسار البشير، حين قادت هندسة السلطة من الداخل إلى العزلة ثم السقوط. وفريق يرى في هذه الخطوات مخرجاً ضرورياً من فوضى مفتوحة. انقسام يكشف حقيقة قاسية: الحرب التي وحّدتهم في بدايتها لم تعد كافية لضمان التماسك. الخلاف انتقل من سؤال العدو إلى سؤال الدولة، ومن يملك حق تقرير مصيرها.
البلاد تقف عند مفترق حاد. سلطة تُعاد صياغتها في الظل، بمؤسسات مُعيَّنة وجيش مُسيَّس، أو محاولة محفوفة بالمخاطر لترتيب الحكم من فوق، في غياب أي توافق وطني. ما يغيب تماماً عن كل هذه الروايات هو الشعب، حضوره محصور في دور المتفرج الصامت. لا حديث عن سلام، ولا عدالة، ولا انتقال، فقط صراع على من يحكم وكيف. التاريخ السوداني، القريب والبعيد، قاسٍ في دروسه: كل سلطة تستند إلى السلاح وحده، وتُبنى بعيداً عن الناس، تسقط حين يتبدل ميزان القوة.
ويبقى السؤال معلقاً: هل تُقرأ هذه الدروس بوعي، أم تُلعب الأوراق الأخيرة على حافة الانهيار التام؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميع

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميعفي مواجهة خطاب يشرعن اغتيال خالد سلكنزار عثمان السمندل لغةُ …