التأثير النّفسي للمجتمع السّوداني أثناء وبعد الحرب

محمود الدّقم
الله وحده يعلم متى تنتهي هذه الحرب اللّعينة لكن من المؤكّد وبلا شك أنّها خلّفت أضرار نفسية واجتماعية عميقة قل أن تندثر بسهولة حتما ستظل عالقة في قاع ذاكرة السّودانيين النازحين واللاجئين والذين لم يغادروا منازلهم ومناطقهم التأثير سوف يمتد لسنوات طويلة جدا وربما لعقود وأجيال وضحايا تعرّضوا لأبشع أنواع التّعذيب النّفسي حيال ما شاهدوا من ويلات وانتهاكات يشيب لها الوجدان ومما يزيد الطين بلّة هو الشّح في الكادر النّفسي من أطباء نفسيين وخبراء في مجال التّعامل مع الوضع من الناحية النّفسية فمنهم من هاجر ومنهم من يكافح من أجل توفير لقمة العيش والأمان لنفسه وأهل بيته

ولقد طفحت السوشيال ميديا مؤخرا وللآن بكثير من الفيديوهات والأمثلة التي تقف شاهدة على غدر هذه الحرب ومن هذه المشاهد المؤسفة حقا مادة فيديو نشرت قبل فترة عن إعلامي ذكر أنه في منطقة الحدود بين السّودان وتشاد رصد عشرات من المرضى المقيّدين على جذوع الأشجار والأسرّة حيث أنهم يعانون من اضطرابات ما بعد الصّدمة أو يعانون إشكالات نفسية معقّدة وفي ظل عدم توفر الأدوية والخبراء النّفسيين لجأ ذوو هؤلاء الضحايا لربطهم بهذه الكيفية على جذوع الأشجار في بيئة صحية ونفسية صفر، أما في المدن الكبيرة فأصبحنا نقرأ ونسمع عن أشخاص ضحايا هذه الحرب أصيبوا بأمراض نفسية قاموا بتهشيم رأس أقرب المقرّبين إليهم كما حدث مؤخرا في إحدى القرى حيث قام شاب عشريني يعاني من اضطرابات الحرب وأصيب بأمراض عقلية تفاقم وضعه في ظل عدم وجود الدواء فقام بتهشيم رأس أبيه الخمسيني حتى الموت وشخص آخر قتل زوجته وقبلها قتل طفلته بالرغم من أن الجيران قالوا إن الرجل يعاني من مرض نفسي ينبغي عزله فورا حالات كثيرة صحيح فردية من هنا ومن هناك لكنها في مجملها تشكّل ظاهرة اجتماعية خطيرة وتعتبر إحدى إفرازات الحرب وصدمات الحرب النّفسية التأثير النّفسي

يزي القارئ يتمثل أيضا في كم الكراهية بين المكوّنات الاجتماعية والقبلية على غرار ما حدث في رواندا إبان الحرب حيث أصبح الجار يكره جاره الذي نشأ معه قرابة الربع قرن لكن بعد اندلاع الحرب واتجاهها أن تكون قبلية عرقية عنصرية بحتة نشأت أطنان من الكراهية بين مكوّنات المجتمع المشتبكة عسكريا وبلغ الانتقام حد القتل حيث قامت كتائب تابعة للإسلاميين بذبح العشرات الأبرياء العام الماضي في الجزيرة خصوصا الكنابي وتركت هذه الجرائم والمجازر تأثيرا نفسيا فظيعا في قاع مجتمعات الكنابي والمجتمعات السّودانية المحبّة للسّلام

الأمر تعدّى الحدود إلى دول الجوار حيث ساهمت الحرب المنسية في السّودان لتفكّك بعض الأسر السّودانية المحدودة الدخل دول الجوار من قصص مؤلمة لا نود نبشها هنا لكن بشكل عام كل هذه القصص والمآسي تدل على اهتزاز الثقة بالنفس عند الإنسان السّوداني الذي عانى ويعاني من الحرب الأهلية البائسة التي تدور في البلاد صحيح الآن الوضع إلى حد ما مستقر في العاصمة لكن التأثير النّفسي ما زال ماثلا ينتظر خبراء سودانيين في مجال الصحة العقلية كي يتعامل معه بمهنية واحترافية عالية وحتى يبدأ هؤلاء الخبراء في عملهم فإنهم يحتاجون إلى إمكانيات مادية ولوجستية تتمثل في مشافي ومصحات وتأهيل كوادر صحية نفسية تفهم وتعرف بيئة العمل وهذا برأيي لن يحدث إلا في ظل سلام شامل على ضوئه يبدأ تأسيس سودان جديد

mo2ahd@gmail.com

عن محمود الدقم

شاهد أيضاً

هل بدأت الجاليات السودانية بأمريكا وأوروبا بدفع ثمن فاتورة بل بس؟

محمود الدقمmo2ahd@gmail.com اصدر الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرا امرا تنفيديا يقضي بعدم دخول مواطني أكثر من …