(هذا المقال رداً على مقال البروفيسور مكي مدني الشبلي المنشور في هذه الصحيفة).. ارجو ان يجد النشر عندكم.
بقلم: د. محمد عثمان جاءو
dr.jao.albawadi@gmail.com
عند قراءة مقال بروفيسور مكي مدني الشبلي المعنون “تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ ؟ في خطل مصطلح ‘تأسيس’ السودان وإشكالية محو التاريخ في خطاب السلاح”، يتضح أن هناك خلطاً جوهرياً بين التأسيس بوصفه إعادة بناء النظام السياسي وإعادة تعريف الدولة، وبين الادعاء بمحو التاريخ والتراكم الحضاري الطويل للسودان. ومن هذا المنطلق، يصبح ضرورياً التوقف عند الحقائق التاريخية والسياسية التي شكلت الدولة السودانية الحديثة، لفهم جذور أزماتها الراهنة، ولفصل خطاب النضال المدني والسياسي عن خطاب القوة المسلّحة، وتوضيح أن أي محاولة لتأسيس نظام سياسي جديد ليست محواً للتاريخ، بل استمرار لمسار طويل من “الإبْتِنَاء” الحضاري والسياسي.
فمن حيث المبدأ، لا يتناقض، استخدام مصطلح “حكومة التأسيس” مع حقيقة وجود الدولة السودانية وتاريخها، متى ما كان المقصود بالتأسيس هو تأسيس النظام السياسي والعقد الدستوري على أسس جديدة داخل دولة قائمة، لا إنشاء كيان جديد من العدم. فالدول، في الفكر السياسي والتاريخي، لا تُلغى لمجرد فشل أنظمتها أو انهيار شرعياتها، وإنما تُعاد صياغة نظم حكمها عندما تعجز عن تمثيل مجتمعاتها أو إدارة تنوعها أو تحقيق الحد الأدنى من العدالة بين مكوّناتها.
الإشكال الحقيقي لا يكمن في المصطلح ذاته، بل في سوء توظيفه أو تحميله دلالات لم يُنشأ من أجلها، حين يُفهم – أو يُراد له أن يُفهم – بوصفه دعوة لمحو التاريخ أو القفز فوق الجغرافيا، أو إنكار التراكم السياسي للسودان. هذا الفهم هو ما يجعل الخطاب تحريضياً وغير مقبول، لا مفهوم التأسيس في ذاته. أما إذا فُهم التأسيس بوصفه إعادة تعريف للعقد السياسي داخل دولة قائمة، فهو لا يناقض التاريخ، بل يتعامل مع فشل حاضرها.
وعليه، فإن المقصود بالتأسيس هنا ليس إزالة الدولة ولا إنكار وجودها، بل إعادة تعريف أسس الحكم والتمثيل داخل السودان بوصفه كياناً قائماً، له تاريخ وحدود معروفة. وأي قراءة تخلط بين “تأسيس الدولة” و”تأسيس نظام الحكم” إنما يقود الى خلط جوهري في المفاهيم، لا يستقيم مع اساسيات الفكر السياسي والدستوري.
أما الزعم بأن “خطاب التأسيس” يفتقر إلى المشروعية لأنه يصدر عن كيان حديث التكوين، فهو تبسيط مخلّ لمسار تاريخي طويل، واختزال غير دقيق لصراع ممتد منذ بدايات تشكُل الدولة الوطنية نفسها. فخطاب إعادة تأسيس الدولة لم ينشأ مع الحرب الراهنة، ولا هو نتاج ظرف سياسي آني، بل هو خطاب تراكمي، نتج عن صراع التناقضات بين المركز والهامش، ثم بدأ يتشكّل بعد الاستقلال بوقت مبكر، حين تبيّن لقطاعات واسعة من أبناء الهامش أن الدولة الموروثة عن الاستعمار لم يجري صياغتها على أسس عادلة، وأن نخبة محدودة احتكرت السلطة والثروة، والخدمات، ومفاصل الخدمة المدنية والقرار، والتمكُن من الاستحواذ على القيمة المضافة لمنتجات الهامش.
منذ ذلك الحين، لم يكن الصراع في السودان صراعاً على السلطة، كما بدى، فحسب، بل صراعاً على طبيعة الدولة ذاتها: هل هي دولة مركزية مغلقة تُدار لصالح قلة (دولة أوليغارشيا)، أم دولة تعترف بتعدّدها وتعمل على توزيع السلطة والموارد على أسس عادلة ؟ ومن هذا السياق نشأت حركات التحرر في الهامش، بدءاً بجنوب السودان، الذين خاضوا حرباً طويلة انتهت بالانفصال عام 2011، لا لأنهم أرادوا تفكيك الدولة، بل لأنهم فشلوا في إيصال صوتهم لإصلاحها من الداخل. وبالتوازي، ظهرت حركات مقاومة سياسية ومسلحة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، حملت السؤال نفسه: مَن يملك الدولة؟ ولصالح مَن تُدار؟
وبناءً على ذلك، فإن الحديث عن تغيير بنية الدولة أو إعادة تأسيس نظامها السياسي ليس وليد اليوم، ولا نتاج تحالف حديث التكوين، بل هو ذروة لمسار طويل من النضالات، العنيفة والناعمة، التي ظلت تُواجَه بالقمع أو بالحلول التضليلية بدل المعالجة الجذرية. الجديد اليوم ليس الفكرة، بل وصول الأزمة إلى نقطة لم يعد معها الترقيع ممكناً.
ومن الخطأ ربط مشروعية “خطاب التأسيس” بعمر التنظيمات التي ترفعه؛ فالمشروعية لا تُستمد من حداثة التنظيمات، بل من عمق المظالم التاريخية التي تعبّر عنها، ومن فشل الدولة القائمة في تقديم عقد سياسي عادل. والخلاف الحقيقي ليس حول “من يحق له التأسيس”، بل حول ما إذا كان السودان سيواصل إدارة أزماته بعقلية المركز القديم، أم سيملك الشجاعة لإعادة تعريف دولته ونظامه على أسس أكثر عدلاً وشمولاً.
وعند النظر في تاريخ السودان الطويل، يتبيّن بوضوح أن الأرض التي تُعرف اليوم باسم السودان لم تكن، عبر أغلب تاريخها، دولة واحدة موحّدة بالمعنى السياسي الحديث، وإنما كانت فضاءً لتعدّد الممالك والسلطنات والكيانات الإقليمية المستقلة. ففي شمال البلاد قامت مملكة كرمة، ثم نبتة ومروي، وهي ممالك نوبية قوية، لكن نفوذها كان محصوراً في وادي النيل. وبعد سقوط مروي في القرن الرابع الميلادي، لم ينشأ كيان جامع، بل دخلت المنطقة مرحلة تعددية جديدة.
وفي العصور الوسطى، برزت الممالك النوبية المسيحية: نوباتيا، والمقرة، وعلوة، وهي كيانات إقليمية مستقلة تركزت في الشمال والوسط النيلي، بينما بقيت أقاليم واسعة كدارفور وكردفان وشرق السودان خارج سلطانها. ومع التحول الإسلامي، لم تقم دولة سودانية جامعة، بل نشأت سلطَنات متزامنة: سلطنة الفونج منذ 1504م في الوسط والشرق، وسلطنة دارفور في الغرب حتى 1916م، إلى جانب ممالك محلية مثل تقلي في كردفان. لم تكن هذه الكيانات توابع لبعضها، بل دولاً مستقلة بحدود وعلاقات سياسية واضحة.
التحوّل الجذري حدث مع الغزو التركي-المصري عام 1821م، حين جُمعت معظم الأقاليم السودانية، ولأول مرة، تحت سلطة مركزية واحدة تُدار من الخرطوم. ورغم الطابع الاستعماري لهذا التوحيد، فإنه شكّل البداية الفعلية لقيام السودان ككيان سياسي موحّد. ثم جاءت الدولة المهدية (1885–1898م)، تلتها مرحلة الحكم الثنائي (1898–1956م) التي رسّخت الحدود الحالية وبنت مؤسسات الدولة الحديثة. وفي الأول من يناير 1956م اكتمل الشكل القانوني والسيادي للسودان كدولة مستقلة.
أما جنوب السودان، فلم يشهد قيام ممالك أو سلطنات مركزية واسعة، لا لغياب التاريخ أو التنظيم الاجتماعي، بل لاختلاف شروط تشكّل الدولة نفسها. فقد حدّت البيئة الطبيعية – من مستنقعات وغابات كثيفة – من نشوء مراكز إدارية مستقرة، كما أن الاقتصاد المعيشي محدود الفائض لم يوفّر قاعدة لسلطة مركزية دائمة. وإلى جانب ذلك، قامت النُظم الاجتماعية على تركيبة أفقية وقيادات مجتمعية، لا على سلطة هرمية ذات قاعدة عريضة، باستثناء تجربة الشلك ذات الطابع الملكي المحدود. وهذه الطرق الإدارية في الجنوب هي اختلاف نمط ومسار تاريخي، لا نقصاً في القيمة أو العمق الحضاري.
وعليه، يمكن القول بدقة إن السودان كدولة موحّدة لم يبدأ فعلياً قبل 1821م، واكتمل شكله الحديث في 1956م. وهذه ليست مسألة أكاديمية، بل مفتاح لفهم أزمات الحاضر؛ فالدولة السودانية الحديثة نشأت قبل أن يكتمل اندماج مكوناتها اجتماعياً وثقافياً، وورثت حدوداً ومركزية لم يسمح لها النخب الحاكمة ان تُراجع وتطور، فظل التوتر قائماً بين المركز والهامش.
ويمكن الان ان نخلص إلى أن السودان ليس كياناً طارئاً بلا تاريخ، لكنه أيضاً ليس دولة موحّدة ضاربة في القدم. هو كيان حديث نسبياً، قام فوق تراكم طويل من الممالك المتعددة والمتفرقة، ولم ينجح بعد في تحويل هذا التنوع التاريخي إلى مشروع دولة عادلة ومستقرة.
وبناءً على مسبق، فإن إدعاء الكاتب بأن مصطلح “التأسيس” غير محايد، يقوم على قراءة أحادية ومبسطة للمصطلح، ولا تقف على أرضية ثابتة، وتتجاهل التاريخ الطويل لتطور الدولة السودانية وظروف الصراع بين المركز والهامش، وفشل النظم السابقة في تحقيق تمثيل متوازن للمجتمع. فالتأسيس هنا ليس شعاراً فارغاً أو محاولة للقطيعة مع تاريخ الدولة، بل هو جهد لإعادة تعريف العقد السياسي على أسس أكثر عدلاً وشمولية داخل دولة قائمة، وقطيعة مع نظام ظالم، وتجسيد لممارسة سياسية مشروعة ومستمرة تهدف إلى إصلاح الاختلالات الهيكلية التي صاحبت قيام الدولة السودانية الحديثة، وإعادة التوازن بين المركز والأقاليم وبين المؤسسات والمجتمع المدني، مع الحفاظ على التاريخ واستثمار التراكم الحضاري بدل أن يكون ذريعة للاتهامات أو التشكيك في النوايا، بل هو محاولة أخيرة لإنقاذ الدولة من تآكلها المستمر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم