التجربة الديموقراطيَّة الأولى في السُّودان (1953-1958م) (4-4): أساس المشكل ومكمن الخلل؟ .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
التجربة الديموقراطيَّة الأولى في السُّودان (1953-1958م):
أحمد إبراهيم أبوشوك
أين يكمن الخلل؟
تؤكد هذه الأحداث المتعاقبة أن المؤسسة الحزبيَّة آنذاك لم يكن لديها إيمان راسخ بالقيم الديمُقراطيَّة، فنواب الختميَّة، مثلاً، انسخلوا عن الحزب الوطني الاتحادي دون الرجوع إلى قواعدهم التي صوَّت لهم تحت مظلة الحزب الحاكم، فكونوا حزب الشعب الديمقراطي، ودخلوا في تحالف مع خصمهم التقليدي، حزب الأمة، من أجل إسقاط حكومة الأزهري. وعندما اختلفت قيادة حزب الأمة في خياراتها الائتلافيَّة بين حزب الشعب الديمُقراطيَّة والحزب الوطني الاتحادي لم تحتكم للهيئة البرلمانيَّة، بل لجأ الأمين العام للحزب إلى القوات المسلحة؛ لتكون بديلاً للنظام الديمقراطي. بهذه الخطوة غير الديمُقراطيَّة دشن حزب الأمة الطريق للقوات المسلحة؛ لتكون مرجعاً لبعض الأحزاب السياسيَّة التي اصدمت بواقع غير ديمقراطي من وجهة نظرها. والشاهد في ذلك طرد نواب الحزب الشيوعي السُّوداني من الجمعيَّة التأسيسيَّة في 16 ديسمبر 1965م، بحجة أنهم فقدوا شرطاً من شروط الأهليَّة، وذلك بانتمائهم إلى حزب يروج للشيوعيَّة والإلحاد، وعدم الاعتقاد في الأديان السماويَّة. ويُعْدُّ هذا الإجراء غير الديمقراطيي من أهم الدوافع التي قادت إلى الانقلاب العسكري الذي حدث في 25 مايو 1969م. وعلى المنوال ذاته جاء انقلاب 30 يونيو 1989م، الذي خططت له الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة ونفذته، عندما تصنَّعت غبن الممارسة الديمُقراطيَّة التي حرمتها من المشاركة في حكومة الوحدة الوطنيَّة المتحدة في مارس 1989م.
لكن المشكلة الأساسيَّة ليست في السيد محمد عثمان الميرغني منفرداً، بل في النُخْبَة الحزبيَّة التي تقبل بمثل هذه المهانة، ولا تنبس ببنت شفة إلا عندما تُطرد من الحزب أو تُهمش، ولذلك نرى أن الانتهازيين من المثقفين السُّودانيين هم الذي أسهموا في خلق الأصنام السياسيَّة التي تُعبد في أروقة الأحزاب في السُّودان. وأصدق مثال لذلك الذين خرجوا عن الحزب الاتحادي الديمقراطي أوحزب الأمة، وشرعوا يقولون في قياداتهم الحزبيَّة لم يقله مالك في الخمر؛ وكذلك قيادات المؤتمر الوطني التي أفلحت في تجريح الترابي بعد المفاصلة بين القصر (الرئيس البشير) والمنشيَّة (الزعيم الترابي)، وفي المقابل طعن نشطاء المؤتمر الشعبي في أهليَّة حزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي كانوا جزءاً منه، واتهموا قياداته بالفساد والظلم. ومن جانب آخر أن عدم تجدد القيادات السياسيَّة للأحزاب أسهم في تشظي البناء الحزبي، بدليل أن عدد الأحزاب المسجلة في السودان بلغ ثلاثة وثمانين حزباً، معظمها منسلخ من كيانات حزبيَّة قديمة،وليست لها خلافات أيديولوجيَّة مع أصولها، لكن انقساماتها مبنيَّة على المواقف الشخصيَّة، وغياب الممارسة الديمُقراطيَّة في أروقة الأحزاب نفسها.
ahmedabushouk62@hotmail.com
لا توجد تعليقات
