سالت الشات جي بي تي “ماهي خيارات اسرائيل بعد ان فشل مشروعها في غزة وحالة الاستعصاء في لبنان ومواصلة اليمن في إسنادها لغزة وخروج ايران وهي أقوى في مسالة المفاوضات ورفعها السقف بإخضاع البرنامج النووي الاسرائيلي للتفتيش الدولي وعدم رغبة الأمريكان في خوض حروب للدفاع عن اسرائيل”. بعدها دخلنا في تفاصيل متعلقة بهذا الموضوع ومن كل هذه المناقشات خرجت بهذا المقال.
منذ نشأة المشروع الصهيوني، وقيام إسرائيل على أنقاض النكبة الفلسطينية عام 1948، شكّلت الدولة العبرية تجسيدًا لما يمكن وصفه بـ”الاستثناء التاريخي المدعوم”، إذ حظيت برعاية غير مشروطة من القوى الغربية، ونُظر إلى وجودها باعتباره امتدادًا للضمير الغربي المتألم من المحرقة. ولعقود، ظلت إسرائيل تمارس عنفها الاستعماري وتتوسع جغرافيًاواقتصاديًا، دون مساءلة حقيقية، في ظل شبكة دعم دبلوماسي وعسكري وإعلامي هائلة.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل بصورة متسارعة، لا فقط بفعل صمود الشعب الفلسطيني، بل نتيجة تحولات بنيوية في المنظومة العالمية نفسها. لم تعد الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في تغطية تكاليف المغامرات الإسرائيلية، فيما يتشكل نظام دولي جديد تقوده الصين وروسيا ومحور الممانعة الإقليمي. وبالتوازي، يتصاعد داخل المجتمعات الغربية خطابٌ جديد يُعيد مساءلة إسرائيل، وينزع عنها غطاء “الاستثناء الأخلاقي”.
في هذا السياق، جاءت الحرب الأخيرة على غزة كحدث كاشف ومفصلي. فبدل أن تؤدي إلى إعادة ترسيخ الردع الإسرائيلي، كما كان مأمولًا في دوائر تل أبيب، كشفت عن هشاشة المنظومة العسكرية، وفقدان السيطرة على المبادرة، وانكشاف الجبهة الداخلية، وصعود قوى جديدة – كاليمن وإيران والمقاومة في لبنان – تفرض معادلة جديدة.
لكن الأهم من ذلك أن هذه الحرب أطلقت نقاشًا داخليًا يهوديًا غير مسبوق حول معنى الدولة، وحدود الصهيونية، ومستقبل “يهودية الدولة”. وهذا النقاش لم يعد حكرًا على الأصوات المعزولة، بل بات يجد صداه حتى في الصحف الإسرائيلية والمراكز الفكرية الغربية، بل وبين قطاعات من اليهود الأميركيين والأوروبيين.
وعليه، فإن هذا المقال لا يدرس فقط الخيارات الاستراتيجية لإسرائيل بعد الفشل العسكري والسياسي في غزة ولبنان، بل يذهب أعمق، إلى تحليل التآكل البنيوي للمشروع الصهيوني، ويتوقف عند الرؤى اليهودية المناهضة للصهيونية، التي طالما وُصفت بالهامشية، لكنها اليوم تتحول تدريجيًا إلى مركز جديد لإعادة تعريف “إسرائيل الممكنة” أو “نهاية إسرائيل كما نعرفها”. هذه ليست لحظة أزمة عابرة، بل لحظة انكشاف بنيوي، تفتح المجال إما لمراجعة جذرية تعيد الحقوق لأصحابها، أو لانفجار إقليمي قد لا تخرج منه إسرائيل ككيان موحّد.
مستقبل إسرائيل بعد الحرب الكبرى : من الانكماش الاستراتيجي إلى مراجعة المشروع الصهيوني مع تضمين رؤى يهودية ناقدة للصهيونية والمؤتمر اليهودي الأول ضدها.
مثّل فشل إسرائيل في حسم حرب غزة، وتعثّرها في جبهة لبنان، واستمرار الدعم الإيراني واليمني للمقاومة، محطة فارقة في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي. زاد من خطورة هذه اللحظة فقدان إسرائيل للمساندة غير المشروطة من الولايات المتحدة، وتحول الرأي العام العالمي تجاهها. هذه التحولات فرضت سؤالًا جوهريًا: هل المشروع الصهيوني في طريقه إلى التفكك؟
السيناريوهات المتاحة أمام إسرائيل هي: اولا: الانكماش الدفاعي مثل تعزيز التحصينات العسكرية على الحدود. تحييد التهديدات دون حروب برية. تبني استراتيجية “الردع بالذكاء” وليس بالاجتياح؛ ثانيا: التموضع السياسي الجديد: قبول العودة للمفاوضات، شكليًا أو فعليًا. تنشيط العلاقات مع بعض الدول الخليجية أو الأفريقية. إطلاق مبادرات مدنية لتحسين صورة إسرائيل دوليًا؛ ثالثا: التصعيد الكبير مثل مواجهة حزب الله أو إيران بضربة عسكرية واسعة. استهداف العمق اليمني أو منشآت نووية في طهران. وهذا الخيار محفوف بالمخاطر لغياب الغطاء الأميركي الكامل.
رابعًا: الخيار البنيوي – مراجعة المشروع الصهيوني نفسه وهو خيار بعيد سياسيًا لكنه بدأ يظهر في نقاشات بعض النخب اليهودية والإسرائيلية. وتبدو تجليات هذا الخيار في القبول بحل الدولة الواحدة (أو صيغة كونفدرالية مع فلسطين) والانسحاب الأحادي من مناطق فلسطينية ولبنانية لإعادة تعريف الحدود وتحول إسرائيل إلى “دولة طبيعية” لا دولة استثناء ديني وسياسي. ونقاط القوة فيها انه يستجيب للتحولات في الرأي العام العالمي ويُخرج إسرائيل من خانة الدولة الاستعمارية. ونقاط الضعف فيه انه
قد يؤدي إلى تفكك الهوية الصهيونية. وسيرفضه التيار الديني القومي وقد يؤدي إلى حرب أهلية داخلية
تصاعدت التقاليد اليهودية المناهضة للصهيونية مثل المؤتمر اليهودي العالمي ضد الصهيونية (2002 – لندن) الذي ضمّ طيفًا واسعًا من اليهود الأرثوذكس واليساريين والمثقفين، وأصدر بيانًا شهيرًا يقول “الصهيونية لا تمثل اليهودية، بل تسلبها أخلاقيتها.”[^1].
و أبرز التيارات والشخصيات المعارضة الأخرى ١) جماعة ناطوري كارتا (Neturei Karta) التي تعارض وجود إسرائيل لأسباب دينية، وتعتبر قيامها تمردًا على إرادة الله.من أبرز ممثليها الحاخام موشيه هيرش، الذي التقى قادة فلسطينيين وانتقد المشروع الصهيوني علنًا[^2]. كما تضم الحاخام يعقوب شابيرو صاحب كتاب “الصهيونية لا تمثل اليهود” ويقول إن “الدولة الصهيونية لم تقم باسم الله، بل باسم العنصرية القومية”[^3]. ونورمان فنكلستين مؤلف كتاب The Holocaust Industry (2000)، الذي يكشف استغلال معاناة اليهود سياسيًا وماليًا. الذي ينتقد السياسات الإسرائيلية في فلسطين بشدة، ويصف الاحتلال بأنه “جريمة ضد الإنسانية”[^4].وإيلان بابيه وهو مؤرخ إسرائيلي، صاحب كتاب The Ethnic Cleansing of Palestine (2006) يرى أن التطهير العرقي كان جزءًا مؤسسًا في قيام الدولة الإسرائيلية[^5]. وميكو بيلد وهو ناشط يهودي أميركي وابن جنرال إسرائيلي دعا إلى تفكيك إسرائيل كدولة استعمارية، وتأسيس دولة واحدة ديمقراطية[^6].
ابرز مظاهر التآكل البنيوي في المشروع الصهيوني هو تفكك المؤسسة السياسية الإسرائيلية بين التيارات الدينية والعلمانية، أزمة الثقة داخل الجيش بعد فشل الردع في غزة ولبنان’ تراجع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل وزيادة “الهجرة العكسية” و صعود الخطاب العالمي الذي يقارن إسرائيل بأنظمة الفصل العنصري[^7].
هذا الوضع انعكس في تغيير سؤال من “دولة يهودية” إلى سؤال الوجود نفسه و بدأ بعض المثقفين والناشطين اليهود يتحدثون عن إسرائيل بوصفها: “دولة احتلال عسكرية متقدمة لا تملك مستقبلًا أخلاقيًا أو ديموغرافيًا مستدامًا” – كما عبر جدعون ليفي[^8] ويعود هذا النقاش إلى جذور مبكرة داخل الفكر اليهودي نفسه، حين رفضت جماعات يهودية كثيرة – من داخل أوروبا وشرق أوروبا – فكرة الدولة القومية، معتبرينها استنساخًا قوميًا لنماذج أوروبا المسيحية.
إسرائيل، بعد فشل عدوانها على غزة واستعصاء لبنان وتصاعد المحور المعادي لها، تعيش لحظة حرجة لم تعرفها منذ 1948. ومع تآكل الردع، وتراجع الدعم الغربي، وتنامي الخطابات النقدية من داخل المجتمع اليهودي نفسه، تصبح مراجعة المشروع الصهيوني مسألة حتمية لا مؤجلة. ما كانت ترفًا فكريًا في الماضي – كالنقاش حول تفكيك الدولة الصهيونية أو تجاوزها – بات اليوم محورًا محوريًا في التفكير الجيوسياسي حول مستقبل الشرق الأوسط.
الهوامش والمراجع:
[^1]: Declaration of the International Jewish Anti-Zionist Network, London, 2002.
[^2]: Neturei Karta official site: https://www.nkusa.org
[^3]: Rabbi Yaakov Shapiro, The Empty Wagon: Zionism’s Journey from Identity Crisis to Identity Theft, 2018.
[^4]: Norman G. Finkelstein, The Holocaust Industry: Reflections on the Exploitation of Jewish Suffering, Verso Books, 2000.
[^5]: Ilan Pappe, The Ethnic Cleansing of Palestine, Oneworld Publications, 2006.
[^6]: Miko Peled, The General’s Son: Journey of an Israeli in Palestine, Just World Books, 2012.
[^7]: Richard Falk and Virginia Tilley, Israeli Practices towards the Palestinian People and the Question of Apartheid, UN ESCWA Report, 2017.
[^8]: Gideon Levy, Haaretz, multiple articles 2020–2024.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم