التضليل لن يحجب حقيقة انقسام الشعب السوداني

رشا عوض
اكذوبة ان الشعب السوداني كله غاضب على القوى المدنية لدرجة مهاجمة قياداتها ومناصريها في الشوارع هي محاولة تضليلية سمجة ومغالطة فجة للواقع للاسباب التالية:
اولا: الشعب السوداني كبير ومتنوع ومنقسم سياسيا انقسامات افقية ورأسية عميقة جدا، وقد عمقت الحرب هذه الانقسامات الى اقصى درجة ، وبالتالي فإن من العته والغوغائية ان يأتي شخص ويقول بمنتهى السبهللية كل الشعب السوداني يؤيد فلان، او يعارض علان، او يحب او يكره فلتكان.
هناك مواطنين سودانيين كيزان ينظرون الى الحرب كجسر للعودة الى السلطة، فردوسهم المفقود
هناك مواطنين سودانيين يؤيدون الجيش وينظرون اليه حاميا لهم وللدولة التي عرفوها واعتادوا عليها وبعضهم يقاتلون في صفوفه
هناك مواطنين سودانيين يؤيدون الد.عم السريع وينظرون اليه حاميا لهم واداة لرد اعتبارهم في دولة همشتهم وبعضهم يقاتلون في صفوفه
هناك مواطنين سودانيين ضد الجيش وضد الدعم السريع وضد الحرب من حيث هي، ويرون ان طريق السلام هو طريق الحياة الامنة الكريمة ، ويرون ان وسيلة حل المشاكل السياسية يجب ان تكون سلمية لحفظ دماء الناس وممتلكاتهم والحفاظ على الدولة من الانهيار ، وهؤلاء هم انصار التيار المدني الديمقراطي العريض،وهم ليسوا بالضرورة منظمين في احزاب او تحالفات ولكنهم تيار موجود في المجتمع وكاره للحرب بكل اطرافها وعلى رأسهم الكيزان الذين خرجت الكتلة الحرجة في كل مدن السودان وحتى قراه وقالت لنظامهم تسقط بس! ورغم ان هذا معيار موضوعي لقياس رفض الشعب السوداني للكيزان ، ولكننا ايضا اذا تحرينا الدقة ومسؤولية الكلمة فلن نقع في التعميم الغوغائي ونقول كل الشعب السوداني ضد الكيزان ، ببساطة لان هناك سودانيين كيزان بكل اسف، والاسف ليس لمجرد انهم كيزان، بل لانهم مجموعة فاشية ساعية لاحتكار الوطن والوطنية وتسعى لاستئصال خصومها بالعنف ، وعندما رفضت الكتلة الشعبية الحرجة تسلطهم واسقطتهم بثورة شعبية انقلبوا على الثورة واشعلوا حربا مدمرة للقضاء عليها، وهم اكبر عقبة في طريق السلام لان شرطهم للسلام هو احتكارهم للسلطة بقوة السلاح.
ثانيا : يجب ان نتفق على تعريف منضبط لعبارة الشعب السوداني: هل هو كل المواطنين الذين يسكنون الرقعة الجغرافية التي اسمها السودان؟ ام هو سكان الشمال والوسط فقط؟ وفي الشمال والوسط نفسه من ينطبق عليه وصف الشعب السوداني؟ هل الكيزان فقط ام كل المواطنين ؟ وماذا عن شرق السودان؟ ماذا عن الملايين التي تقطن كردفان الكبرى ودارفور الكبرى؟ وماذا عن النيل الازرق؟ ام ان وصف الشعب السوداني تمت سرقته رسميا بواسطة التيار الامنوعسكركيزاني الذي هو وحده لا شريك له من حقه ان يتحدث حصريا بوصفه الشعب السوداني هكذا معرفا بالف ولام التعريف؟
ثالثا: القوى المدنية الساعية للسلام والديمقراطية لم تقل مطلقا ان كل الشعب يؤيدها ، وانها الممثل الوحيد للشعب، لانها قوى سياسية عاقلة وعقلانية، وليست فاشية او غوغائية وعبيطة، فهي تعلم ان اي شعب محترم لا بد ان يكون متنوعا ومتعددا سياسيا! وإزاء هذه التعددية والانقسامات العميقة فإن المفاضلة بين القوى السياسية لا تكون على اساس من يمثل الشعب السوداني ومن لا يمثله؟ ومن هو الاكثر شعبية؟ فهذه معايير لا تتوفر ادوات قياسها الان بشكل موضوعي ، بل ان الاساس الموضوعي للمفاضلة في ظرفنا الراهن هو ” منهج التعامل مع واقع التنوع والتعددية والانقسامات العميقة” المشار اليها اعلاه ، من الذي يتبنى منهج ادارة الاختلافات سلميا وديمقراطيا ومن الذي يتبنى منهج ادارة الاختلافات بالسلاح واخضاع المختلفين معه بالقوة ؟ وتأسيسا على ذلك فإنني كمواطنة سودانية أرجح كفة القوى المدنية الديمقراطية ” سياسيا واخلاقيا” وهناك اعداد معتبرة من المواطنين يؤيدون هذا الخيار ويرجحون كفة القوى المدنية الديمقراطية لأنها تعترف بتنوع الشعب وبتعدديته السياسية وبانقساماته الموروثة التي تعمقت بفعل الحرب، وتتبنى منهج ادارة هذا الواقع سلميا في اطار دولة مدنية ديمقراطية ، تحتكر العنف بواسطة جيش مهني وقومي واحد لا يدخل ميدان الصراع السياسي بالمدفع والدبابة، في مقابل التيارات العسكركيزانية الفاشية التي تنكر التنوع! وتحتقر التعددية! وتغالط واقع الانقسام العميق الشاخص امامنا! وتتبنى منهج اخضاع المختلفين بالسلاح وتسعى لاقامة نظام عسكري يفرض سلطته بالقوة ويسرق لسان الشعب ويبارك به القمع والتسلط على الشعب!!
قبل سؤال الاكثرية والاقلية يجب ان نسأل عن مدى توفر بيئة سياسية حرة يجاهر فيها الناس بآرائهم ، وعن الرؤية والمنهج ، ولكن الفاشية العسكركيزانية تتهرب كعادتها من هذا السؤال وتثير الغبار بسؤال عجيب وهو باي حق تدعي صمود تمثيل كل الشعب السوداني، هذا سؤال احتيالي وتضليلي! لأن كل قيادات صمود حاليا وعلى رأسهم الدكتور عبد الله حمدوك يقولون بوضوح لا لبس فيه: نحن لا ندعي اننا نمثل كل الشعب السوداني، ونسعى لتوسيع مظلتنا السياسية لتكون اكبر تمثيلا للشعب، ولكننا نمثل جزء مهما من الشعب السوداني ، وطبعا هذه حقيقة غير قابلة للمغالطة! صمود لها مؤيدون وتعبر عن تيار حقيقي فاعل ومؤثر بدليل انشغال السلطة العسكركيزانية بها من اكبر رأس الى اصغر ذبابة الكترونية! ومحور الخطاب السياسي والاعلامي للعصابة العسكركيزانية هو الهجوم على القوى المدنية هجوما هستيريا لا يتوقف ! ولكنني لم ارصد مطلقا اي حديث لقيادي في صمود يزعم فيه تمثيل كل الشعب السوداني! في حين ان سدنة النظام الذي اسقطته ثورة شعبية وسدنة المؤسسة العسكرية التي حكمت البلاد لاكثر من نصف قرن وفشلت فشلا ذريعا وخرجت ضدها الكتلة الحرجة من الشعب واسقطتها في ثلاث ثورات ، هؤلاء هم من يدعون بلا خجل ان كل الشعب معهم ! في حين ان الشعب تحت وطأة سلاحهم ومعتقلاتهم مكبل وليست لديه حرية اختيار اصلا حتى يختار من يمثله او يجاهر برأيه!!
ان الهجوم على صمود تحت لافتات : من فوضكم للحديث باسم الشعب السوداني وانتم لا تمثلون الشعب وكل الشعب ضدكم الى ان تبلغ الصفاقة منتهاها بالقول ان الشعب سيقتلكم في الشوارع لو عدتم الى البلاد ، كل هذا الهجوم هو سرقة للسان الشعب! بهدف التمهيد لجريمة جارية التنفيذ الآن وسيجري تنفيذ الجزء الاكبر منها مستقبلا ! وهي جريمة التصفية والاعتداءات على عناصر القوى المدنية بهدف استئصال الرأي الاخر واحتلال الساحة السياسية بوسائل البلطجة الخسيسة التي تتخفى خلف الشعب ! الكيزان لأنهم جبناء ودون مستوى “البلطجي الشجاع” الذي يقول هأنذا وساقتلكم واضربكم ولا ابالي ! لذلك فانهم يتخفون خلف الشعب ويزعمون ان الشعب بسبب ويلات الحرب التي اشعلوها هم غاضب من القوى المدنية التي لا تحمل في يدها عكازا ولا عصا ولا تمتلك سلطة على جندي واحد وتسعى للسلام ! ويراها تستحق الضرب والطرد من الوطن! ولكن الشعب المكتوي بنيران الحرب راض تمام الرضا عن القوى العسكركيزانية التي اشعلت الحرب واحالت حياة الناس الى جحيم!!
رابعا: ابلغ صورة للانحطاط والتفاهة التي انحدرت اليها الدولة السودانية تبرز عندما يتحدث مسؤول في اعلى هرم السلطة او سياسي او متصوحف بمنطق الغوغائية والتطبيع مع العنف ضد المختلف ويضفي عليه المشروعية الوطنية! في حين ان واجب المسؤول السياسي والصحفي الحقيقي ان يحذر من العنف، وان يدافع عن ضحاياه حتى لو اختلف معهم وان يساهم في توعية عامة الناس بأن الاختلاف السياسي لا يجب ان يدار بالعنف، وان الدولة بمؤسساتها العدلية والشرطية هي الجهة التي تعاقب الخارج عن القانون ، ولكن في زمن انهيار الدولة والقانون والاخلاق يصبح التطبيع مع البلطجة هو قمة الوطنية! ويتنافس المتصوحفون في التفاخر بالغوغائية لدرجة ان تحرض احدى المتصوحفات من شاشات التلفزيون على عدم خسارة الرصاص فيمن تصفهم بالمتعاونين مع المليشيا !وتطالب بذببحهم بالسكاكين وتقطيعهم بالسواطير!! ولدرجة ان يتمشدق كل متصوحف بان اصحاب الرأي السياسي المخالف للعصابة الحاكمة سيضربون ويقتلون في الشوارع! وحتى رأس سلطة الامر الواقع السيد عبد الفتاح البرهان يقول لخصومه السياسيين لن تعودوا الى البلاد! ونسي سيادة الفريق ان هناك بلاغات مفتوحة ومحاكمات قضائية منعقدة ضد الذين حكم عليهم هو بالطرد من البلاد سارقا لسان الشعب! فهل سيادته لا يحترم القضاء ! واذا كانت الاحكام النهائية تصدر على الهواء مباشرة بالمايكرفون السياسي للجنرالات فما معنى البلاغات والمحاكم؟ هل هي عبث و”تمومة جرتق”؟! وبعد كل ذلك كيف يحدثنا المتصوحفون لاعقو البوت العسكري والمثقفون النافعون للسلطة الفاشية عن مؤسسات الدولة ونظامية الدولة؟ اين هي المؤسسية والنظامية في ظل هذه الغوغائية والفوضى؟
خامسا: لو سلمنا جدلا ان القوى المدنية الديمقراطية داخل صمود وخارجها اقلية لا ترى بالعين المجردة وليست لها قواعد شعبية فهل هذا مبرر لانتزاع حقوق المواطنة من قادتها ومناصريها وطردهم من البلاد؟ هل هذا مبرر للتحريض على العنف العشوائي ضدها؟ حسب المنطق الديمقراطي اقلية اليوم تحتفظ بكامل حقوقها في المواطنة و العمل السياسي من اجل ان تكون اغلبية الغد ، وميزة النظام الديمقراطي انه يحفظ حقوق الاقلية قبل الاغلبية، ولكن بطبيعة الحال هناك سنين ضوئية تفصل غوغاء الفاشية العسكركيزانية ليس فقط عن المنطق الديمقراطي بل حتى عن الاعراف التقليدية للسودانيين المحترمين.
سادسا: يجب ان تكف الاجهزة الكيزانية عن انفاق المال على المشاهد البهلوانية المصنوعة بواسطة “امنجية السفارات” لترسيخ اكذوبة الغضب الشعبي من القوى المدنية مثل تسليط بعض العواطلية لترديد هتافات الاجهزة الامنية: بي كم بي كم قحاتة باعوا الدم في وجه القيادات المدنية، فهذه الالاعيب مكشوفة ولا تخدع من لديه الحد الادنى من القدرة على التمييز ، كذلك انكشفت اللجان الالكترونية التي تمتلك ملايين الحسابات المولدة بالذكاء الاصطناعي والمبرمجة على غزو الاسافير لصناعة انطباع زائف بان الرأي العام معادي للقوى المدنية وموالي للكيزان والعسكر ! فبدلا من اهدار مال الشعب السوداني في هذه الاساليب القذرة ، الاجدر ان يحاول التيار العسكركيزاني امتلاك شجاعة القبول بخيار السلام واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي وصولا الى الانتخابات الحرة النزيهة التي هي معيار موضوعي لقياس ما يريده الشعب السوداني بالفعل! ولكنهم اشعلوا الحرب لمصادرة حرية الشعب وسرقة لسانه تحت تهديد السلاح!

عن رشا عوض

رشا عوض

شاهد أيضاً

سيأتي يوم لمحاكمة الخونة والعملاء الحقيقيين!

رشا عوضفكرة ما تجو السودان الشعب ما عايزكم فكرة تلخص حالة من العبط والغوغائية اللزجة، …