التعليم التقني والتقاني في السودان: النشأة، التحديات، والدروس من التجارب العالمية

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان – مقالات من بطون كتب

تمهيد:

يُعَدّ التعليم التقني والتقاني أحد ركائز التنمية الاقتصادية في أي دولة، إذ يمدّ سوق العمل بالمهارات العملية اللازمة لنهضة الصناعة والزراعة والخدمات. وفي السودان، ورغم وجود محاولات مبكرة لإرساء دعائمه، ظل هذا النوع من التعليم يعاني من ضعف الاهتمام الرسمي والمجتمعي، ما انعكس سلبًا على مكانته مقارنة بالتعليم الأكاديمي التقليدي.

النشأة في السودان:

بدأ الاهتمام بالتعليم الفني في السودان منذ الحقبة الاستعمارية عبر المدارس الصناعية والزراعية، وكان الهدف الأساسي إعداد عمال مهرة لتلبية حاجات محدودة. وبعد الاستقلال، أُنشئت معاهد تقنية في الخرطوم ومدني وبورتسودان، إلا أن التطوير بقي محدودًا بسبب ضعف التمويل وعدم وضوح الرؤية الاستراتيجية.

التحديات الراهنة:

  1. النظرة الدونية: ما زال المجتمع السوداني يعتبر التعليم الأكاديمي (الطب، الهندسة، القانون) قمة الهرم التعليمي، بينما يُنظر إلى التعليم التقني على أنه خيار “دون المستوى”
  2. ضعف البنية التحتية: المعاهد تعاني نقصًا في المعدات الحديثة، وغالبًا ما تدرَّس مواد نظرية بعيدة عن التطبيق العملي.
  3. الفجوة مع سوق العمل: المناهج لا تُحدَّث بالسرعة المطلوبة، مما يجعل الخريجين أقل قدرة على المنافسة
  4. غياب الحوافز: ضعف الرواتب والفرص الوظيفية لخريجي هذا القطاع يزيد من عزوف الطلاب عنه.

دروس من ألمانيا: النظام المزدوج كنموذج للنهضة

تُعتبر ألمانيا رائدة في التعليم التقني عبر النظام المزدوج (Dual System)، حيث يجمع الطالب بين الدراسة النظرية في المدارس المهنية والتدريب العملي في الشركات. هذا الدمج جعل من التعليم التقني مسارًا مرموقًا، يوازي الجامعات من حيث المكانة. وفقًا لكتاب Vocational Education and Training in Germany (2017، 310 ص)، فإن أكثر من 50% من الشباب الألمان يختارون هذا المسار، مما ساهم في خفض البطالة ودعم الصناعة الألمانية التي تُعدّ قاطرة الاقتصاد الأوروبي.

كوريا الجنوبية: من الفقر إلى التميز التقني

كوريا الجنوبية في ستينيات القرن الماضي كانت دولة فقيرة، لكنها تبنّت التعليم التقني كخطة استراتيجية للنهوض. ركّزت الدولة على تجهيز المدارس والمعاهد بأحدث المعدات، وربطت المناهج مباشرة بحاجات الصناعات الإلكترونية والسيارات. ويشير كتاب Education and Development in South Korea (يونغ تشول كيم، 2005، 280 ص) إلى أن الاستثمار في التعليم التقني كان أحد أسرار “المعجزة الكورية”، حيث أصبحت البلاد خلال عقود قليلة من أكبر مصدّري التكنولوجيا.

مقارنة ودروس مستفادة للسودان:

الإرادة السياسية: التجربتان الألمانية والكورية برهنتا أن نجاح التعليم التقني لا يقوم فقط على التمويل، بل على وجود رؤية استراتيجية.

الشراكة مع القطاع الخاص: غياب هذه الشراكة في السودان جعل التعليم التقني معزولًا عن احتياجات السوق.

تغيير النظرة الاجتماعية: في ألمانيا وكوريا، يُنظر إلى الفني والتقني باحترام لا يقل عن الأكاديمي.

التأهيل المستمر للمعلمين: بينما في السودان يعاني المدربون من ضعف التدريب على أحدث التقنيات.

خاتمة:

إن مستقبل السودان الاقتصادي يتوقف إلى حد كبير على إعادة الاعتبار للتعليم التقني والتقاني. المطلوب هو تبني نموذج هجين يستفيد من النظام المزدوج الألماني والنهج التنموي الكوري، مع مراعاة خصوصية السودان وموارده. فبدون إصلاح جذري لهذا القطاع، ستبقى الفجوة بين مخرجات التعليم وحاجات التنمية قائمة، ولن يتحقق التحول الصناعي المنشود.

مراجع وإضاءات فكرية:

Bundesinstitut für Berufsbildung, Vocational Education and Training in Germany, 2017, 310p.

Young-Chul Kim, Education and Development in South Korea, 2005, 280p.

UNESCO, Technical and Vocational Education and Training for the Twenty-First Century, 2012, 240p.

World Bank, Skills Development in Sub-Saharan Africa, 2020, 320p.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …