التعليم (8)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
لقد مر السودان منذ دهور وخلال قرون وعقود بتجارب تعليمية متنافرة ومتشاكسه ومتباينة، تشكلها طبيعة الاستعمار السائد آنئذ أو لون الدول المستعمرة عندئذ، كالحكم العثماني كنقطة انطلاقة مملة، وانتهاءً بما يسمى بالحكم الثنائي البريطاني-المصري، الذي رحلت ازمانه القميئة، وقُبرت سواد لياليه الكالحة، في صباحنا الاستقلالي الجميل في الأول من يناير 1956م.
وحاولت الحكومات الوطنية، التي استوت على سدة الحكم عشية الاستقلال، تصحيح الأوضاع التعليمية، والباسها لبوساً وطنية، وثياباً سودانية، وعملوا على تبديل المناهج التربوية والتعليمية التي كانت مفروضة في ذاك الزمان الاستعماري الغريب.
واجتهدوا ايما اجتهاد لجعلها تتلاءم مع طبيعة المجتمع السوداني وأن تنسجم مع أنفاسه، صعوداً ونزولاً، وذلك من اجل بناء جيل متعلم، وجيل متفاعل حساً وشعوراً ووجداناً مع ايلام ومعاناة شعبه ومع أشواقه ومع أشجانه، ونابذاً الأفكار الغربية الغريبة عن تربته البريئة الخصيبة، والتي كان من شأنها تمكين الغريب وتكريس حالات الاغتراب والتغريب بين صفوف المتعلمين والطلاب الوطنيين.
وقد نجحت تلك السياسات التعليمية نجاحاً باهراً، ولكنه، أيضاً، كان نجاحاً خجولاً منكسراً، وحققت الي درجة ما، بعض تطلعات وشيء من أمال ومن طموحات الجيل السوداني الجديد وأيضاً شيء من أمانيه، الجيل الذي كان يحدوه الامل والرجاء بمستقبل زاهر وبغد زاهي مشرق، وفي بناء وطن حر مستقل مستقر، ينعم فيه انسانه بخيراته الثرية المتعددة والمتنوعة.
الأتراك والتعليم في السودان
بعد خضوع السودان للحكم العثماني-المصري في 1821م، اهتم الوالي محمد علي باشا اهتماماً عظيماً بالتعليم وبنشره في كافة أركان وزوايا السودان، فقام بأرسال بعض مشايخ الازهر لبناء زوايا تعليم القرآن الكريم والحديث الشريف، وقد تركز جل اهتمام الرجل وهمه العظيم على تعليم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن وتلاوته. ولكننا، قبل أن نواصل في الانسياب السردي، علينا أن نسأل عن المدعو محمد على باشا، من هو؟
يحدثنا آلان مورهيد من خلال قرطاسه (النيل الأزرق)، قائلاً بدون ابطاء ولا تردد، بأنه كان خليفة بونابارت بامتياز. فهو نفسه أعلن بأنه كان وما زال متأثراً غاية التأثر به. وكانت هناك أوجه شبه كثيرة ومتعددة بينهما، بين محمد على ونابليون، فقد كانا في نفس العمر، بالقرب من نهاية عقدهما الثاني، وكلاهما بدأ حياة غامضة ومبهمة وغير واضحة، مثل كثير من الطغاة وكثير من الديكتاتوريين، بعيداً في الأقاليم البعيدة النائية. وكلاهما انقلب الي متمرد شره يرعى مصالحه الذاتية. وأخيراً، فان كلاهما قد أسس امبراطورية عظيمة، وأدارها في يسر وفي سهولة عجيبتين، وكأنهما خلقا لمثل هذا العمل.
والجميع أو الأغلبية تجهل الكثير عن حياة محمد على الأولى، وكل ما هو متداول وكل ما هو معروف عنه هو أنه تركي المنشأ والمنبت، وكان ميلاده في 1769م في ميناء كافالا. وأنه كان من صغار موظفي الحكومة، وأنه اقترن بإحدى بنات عمدة المدينة وخلفا معاً ثلاثة أولاد، هم إبراهيم وطوسون وإسماعيل بالترتيب.
وعندما زار مصر لأول مرة في حياته، أتاها وهو متطوع في الجيش التركي، وكان ذلك في 1799م. وكان هو من بين من نجوا من الموت المحقق، بعد أن لاذ بالفرار متخذاً من البحر ملاذاً آمناً. ووجد زورقاً انجليزياً أو بريطانياً انتشله من بين أنياب المياه الهائجة، وأنقذه من الموت غرقاً.
ويقال، والعهدة على الراوي، بانه غاب في النسيان سنتين كاملتين من العمر، وهما نفس الزمان الذي كان فيه بطله الهمام بونابارت، يقوم بالاعتداء وبغزو الدول الأوربية. وبعدها نسمع عنه مرة أخرى، من حيث لا حيث ودون أي مقدمات، وهو مع فرقة البائية زاحفاً مع انهيار الجيش الفرنسي، ومنذ ذلك التاريخ الأسود الأبيض صارت القاهرة له موطناً وبني له فيها عرشاً، ثم قاعدةً متينة قوية لا تقهر لإمبراطوريته الحديثة.
وكانت خطواتها الأولي، ككل الامبراطوريات، سلسلة من التطورات العنيفة المهووسة غير المنطقية وغير المقبولة، لا في السر ولا في العلن. فبعد أن أستطاع الفرنسيون القضاء على حكم المماليك، لم يرغبوا في الانتظار قليلاً ولو لبرهة من الزمن ليقيموا فيها حكماً أو نوعاً من الحكم في مصر يخلف أو يكون خلفاً لحكم المماليك ويخلق استقراراً ما وأمناً ما وأماناً ولو الي حين.
وكذلك لم يحاول الانجليز شيئاً من هذا القبيل اطلاقاً، وبعد أن غادروا البلاد المصرية في 1803م، أصبحت مصر تحت عباءة تركيا اسمياً لا رسمياً، ولم يكن لأحد أن يقرر شيء جلى وواضح بخصوصها، وصار هناك فراغاً كبيراً من خلفهم. ولكن الشيء المؤكد والشيء الوحيد هو أن الفئات المتباغضة المتنازعة من بقايا الأتراك ومن مخلفات المماليك الذين احتفظوا بأرواحهم حية، تسابقت وتدافعت نحو ملء ذلك الفراغ.
ولم يكن في الأفق أي بارقة أمل لأي تسوية سلمية بينهما. فالمماليك مُصرين على استعادة ما خسروه للفرنسيين، بينما كان للأتراك رأياً آخر فهم كانت لهم محاولاتهم المتكررة في الماضي القريب وذاك البعيد للإطاحة بالمماليك، وهذه هي فرصتهم الذهبية أتتهم طائعة مختارة في طبق من ذهب، وآخ يا ذهب.
واستمر النزاع والقتال وطالت واستطالت المذابح الوحشية بين الطرفين. وكان الأتراك يمسكون بخناق المدن بقوة، بينما سيطر المماليك على مصر العليا وعلى الأرياف. وبما أن ختام الحروب الأهلية يتوج دائماً بميلاد دكتاتوريات وحشية حيوانية لا ترحم، فالكل كان في انتظار ساعة الميلاد.
وكان الفاصل الوحيد بين ختام الحرب والتتويج هو عامل الزمن، وبعد مروره وانقضاءه سيظهر الديكتاتور الأكثر حنكة والأشد قسوة والأكثر ظلاماً وظلماً من غيره، ليتولى زمام الأمور، ولو لم يكن هناك محمد على موجوداً لكان هناك محمد على حضوراً، وقد أتى ظهوره بصورة غامضة وبصورة مشوشة مضطربة لم يتوقعها جنس انسان ولا جنس جان. وأخيراً برز نجماً من بين ضحايا المجازر، ونجح في رسم لمحة من الوضوح على الموقف وعلى الواقع، ونجح في أن يضع مصر على الدرب الذي ظلت تتحسس خطواته منذ زمان وزمان، وتسلكه بوجه عام حتى لحظتنا الماثلة.
وبعد خروج الانجليز ومغادرتهم مصر، بدأ محمد على يلعب على كل الحبال بدهاء وبمكر يحسد عليه، فأصبح صديق الكل، وصار حبيب كل الأطراف. وعندما أحس بقوته وبتمكنه، وشعر بأن الوقت قد أزف لكي يعلن خطته. وبعد أن ضمن تأييد المشايخ له (كالعادة يا سادة)، قام في 1805م بمحاصرة القلعة وقبض على الوالي التركي وأسره ونصب نفسه والياً، وأرسل بعدها للقسطنطينية ببرقية، قائلاً فيها بأنه تسلم زمام الأمور بصفة مؤقتة الي حين، في سبيل الحفاظ على الأمن والأمان وعلى القانون والنظام. وبعد عام من ذلك التاريخ، وبعد أن فشلت محاولات الباب العالي في إيجاد بديل مناسب، تم تعيين محمد على والياً على مصر وصار محمد على هو محمد على باشا.
لقد كان الفرنسيون هم الذين خلقوا الظروف الملائمة لبروز محمد علي، وكان الانجليز هم الذين أمنوا مستقبله. ففي مارس سنة 1805م تحالفت تركيا مع فرنسا، فعمل الانكليز على إنزال جيش آخر في مصر كجزء من خطة عامة ضد نابليون بونابارت. وكان الهدف وراء ذلك هو مساعدة المماليك ضد محمد علي، ولكنه كان تفكيراً سطحياً ساذجاً، ويمكن أن يوصف بأنه كان عملاً سخيفاً وتفكيراً أسخف. فالخمسة آلاف جندي الذين تم ارسالهم في هذه الحملة كانوا من غير البريطانيين، وكانت قيادتهم أفشل من الفشل.
عطفاً على ذلك فان المماليك لم يكونوا هم نفس أولئك الرجال البواسل الورعين كما تخيلهم البريطانيون. لقد قطع عنهم الأتراك امداداتهم ومددهم من الرقيق الأبيض الذي كان يأتيهم من جورجيا، فصاروا شعبا آيلا الى التلاشي، وكان شغلهم الشاغل هو كفاحهم اليائس البائس من اجل البقاء ومصارعة الفناء، ويحملون في نفوسهم كل الاحتقار والغل لكل الاجانب دون فرز ولا تمييز.
وعليه فكان لا بد مما ليس منه بد، وهو أن تقاتل القوة البريطانية اضطرارياً، بالرغم من هزالها، منفردة بالقرب من سواحل الإسكندرية المترامية. فلم يجد العجز الي قوة محمد علي سبيلاً، فنجح في حصرها وحصارها عند الشاطئ بعد معركتين عنيفتين قويتين، خسر الانجليز فيهما ما عدده الألف من رجالهم توزعوا بين قتيل وبين أسير، وأُجبر كل من كان يستطيع السير راجلاً من الاسرى ان يحملوا رؤوس زملائهم القتلى حتى القاهرة.
وهناك بدأت أجراس سوق النخاسة تدق وتصدح، معلنةً عن بيع الاسرى في المزاد العلني كعبيد رقيق، بينما تم طرح رؤوس القتلى في شكل صفين من الشواخص بميدان الأزبكية، وكان أن بلغ عددها اربعمائة وخمسين رأساً. وفي الاسكندرية قام البريطانيون بدفع الفدية عمن أمكنهم فداءه، ثم اقلعوا راجعين، يجرون وراءهم أذيال الخيبة والهزيمة.
لقد كان نصراً مؤزراً واستثنائياً لمحمد على من جميع الأوجه ومن كل الوجوه، أظهر به مبلغ قوته للأتراك من جهة، وجمع به حوله المصريين من الجهة الاخرى، ولم يعد له منازع في كل البلاد غير المماليك الذين يقبعون في مصر العليا.
وبعد سنة 1807م، كان في استطاعته أن يقول في شيء من الثقة المتطرفة بان الدلتا على الأقل قد اصبحت تحت سيطرته وفي قبضته. وبغريزته الدكتاتورية التي فُطر عليها، لم يتردد ولم يتوان لحظة واحدة في ان يجعل من الدلتا ضيعة خاصة له حصرياً، فمنع التملك الخاص، ثم زاد الضرائب ورفعها، وجند وجيش جيشاً ضخماً عن طريق القرعة، وعاد المصريون مرة اخرى – بعد حقبة من الزمان عاشوها في المعارك وفي الحروب الأهلية وفي مصاحبة الموت، عادوا ثانيةً الى حياة الهدوء والدعة وشيء من الطمأنينة والنعومة تحت حكم الشرق الاستبدادي الدكتاتوري.
ولزاماً علينا أن نذكر أن محمد علي لم يكن في نيته وفي عزمه أن يقف عند هذا الحد مكتوف الأيدي متفرجاً. ولكنه عمل على تدريب أبناءه على شئون الحرب، وكانت كل الأبواب مفتوحة أمامه على مصراعيها، أبواب كل من الجزيرة العربية والسودان وسوريا واليونان، وحتى تركيا نفسها لم تسلم من أن تكون من ضمن مطامعه. ولكنه كان مشغولاً بتسوية حساباً أخيراً في مصر قبل ان يبدأ في مغامراته الأخرى وهو مطمئن البال ومرتاح الخاطر.
وقام في اول مارس 1811م بدعوة المماليك إلى احتفال بالقلعة. وكان أن لبي الدعوة منهم حوالي الخمسمائة رجل، ووصلوا معاً في الموعد المضروب. وكان هناك طريق ضيق جداً يؤدي من القلعة الى المدينة، وبعد أن استمتع الجميع بالحفل وانتشوا، طلب محمد على من المماليك أن يسيروا راكبين في شكل موكب على هذا الطريق الضيق. وكان في مقدمة الموكب جماعة من حرس محمد علي وكذلك جماعة في مؤخرته. وما ان توسطوا الطريق الا واغلقت الابواب في كلا الطرفين، وتمت المذبحة واستباح رجال محمد على دماء المدعوين.
ويقول غربال.. ((ان هذه السنين تظهر لنا محمد علي كأسوأ ما يكون الطاغية فتكاً وقسوةً وجشعاً … وكانت كلمته نهائية لا رجوع بعدها)). وكتب لين Lane يقول.. (كان أحيانا يأمر بإعدام أي فرد من رعاياه دون محاكمة ولو صورية، ودون أن يوضح له الأسباب، واشارة أفقية واحدة من يده كانت كافية لضرب عنق ضحيته).
لقد بلغ محمد علي في هذا الزمن عمره الأربعين. ويصوره معاصروه ويصفوه بأنه كان “صغير الجرم، ضارباً الى السمرة، له لحية ذهبية اللون يبدو عليه النشاط وسرعة الحركة، أكثر مما تبدو عليه المهابة. ويقال انه كان في حياته الخاصة بسيطاً ووديعاً وسهلاً. وكانت عقدته في السلطة وليس في الثراء، ومع ذلك فقد كان يميل بطبعه لجمع التحف، وبذلك وضع تقليداً لذريته من بعده، استمر معهم حتى تنازل آخرهم عن العرش في أوائل النصف الثاني من هذا القرن (القرن التاسع عشر)”.
فعلى اي المبادئ يكون المغامر مصلحاً ويصبح السفاح رجلاً محترماً؟ حقيقة اننا لا نشعر بالأمن والاطمئنان الا إذا اضطهدنا غيرنا وعذبنا الآخرين! ولم ينقلب هذا الظلم الى رعاية وذلك الاضطهاد إلى حماية!! لقد تناول محمد علي باشا بنفسه شيئاً من هذا القبيل في تجاذبه لأطراف الحديث مع أحد الزوار الاوروبيين – وكان ذلك في زمن يعتبر جداً متأخر، عن قصة سيطرته واستيلائه على الحكم فقال.. (أنا لا انظر بعين الغبطة لتلك المرحلة من حياتي. وماذا يستفيد العالم من الحديث عن تلك السلسلة الطويلة من المعارك والتعاسة والمكر وسفك الدماء؟ الشيء الذي اكرهتني عليه الظروف اكراهاً. ان تاريخ حياتي لن يبدأ الا إذا اتى الوقت الذي أجد فيه نفسي طليقاً من كل العوائق لأتمكن من ايقاظ هذا الشعب من سباته الأبدي).
اذن فالأدلة كثيرة تلك التي تقطع بأن محمد على باشا لم يأت الي عرش السلطة صدفةً، بل لأنه كان أعلى شأناً، وتفوق على معاصريه شموخاً وباعاً، وكانت صفاته تصرح بأنه قادر على التحكم في الظروف وفي الملابسات، وله من الفراسة ما يكفيه ليعرف معرفة تامة بالرجال وبمعادن الرجال. وكل صفاته وامكانياته ومهاراته كانت تكوينية فيه وغير مكتسبة.
وبزيارة عام 1837م لبيت الوجود، بلغ عدد الكتاتيب ما يقارب الرقم (31)، وكانت تقع مسئولية تحفيظ القرآن وشرح وتفسير الأحاديث النبوية على عاتق شخص واحد لكل زاوية، وكان هؤلاء الأشخاص وأولئك النفر يتقاضون أجورهم ورواتبهم من مصر. وقد سار ولاة محمد علي وخلفاءه من بعده على نفس النهج الذي كان متبعاً في حياته.
فكان أن زادت نسبة المتعلمين في عهد الوالي اسماعيل باشا (1822- 1863م)، وكان أن انصب جل اهتمامه وتركيزه على قبائل جنوب السودان. وكانت خطاه تسير في اتجاه التوسع في التعليم الديني داخل المساجد والتكايا والزوايا. ولتحقيق هدفه هذا أو غاياته تلك المنشودة، عمل على تشييد كم محترم وكمية مقدرة من المساجد والتي قامت بدور (ديني-تعليمي).
أما في زمان وأيام الخديوي عباس (1848-1854م)، والذي اشتهر بكراهيته الشديدة للتعليم وللتعلم، وعمل على عدم تبني السياسة التعليمية بإيجابية، وأهملها اهمالاً تاماً، سوا كان ذلك في مصر أو في السودان على السواء، ولذلك أصاب السودان مرض الكساد الإداري والتعليمي في سنوات عباس الجاهلة، حتى سنحت فرصة ابتعاث الأستاذ رفاعة رافع الطهطاوي من مصر، ومعه تم إنشاء مدرسة ابتدائية في الخرطوم كان هو ناظرها، وكان ذلك في 1853م.
وكان أن ازدادت أعداد المتعلمين في عهد سعيد باشا (1830-1895م)، وذلك بعد أن سمح لإعداد مقدرة من السودانيين بالسفر والدخول الى الازهر الشريف والالتحاق به ونيل شهاداته ودرجاته العليا العالية، كما ساهم سعيد باشا في بناء المساجد وفي تشييد الجوامع، لتصبح مقراً للعبادة ومكاناً للدرس ودوراً للتحصيل العلمي الموجه.
ويعود الينا آلان مورهيد مرة ثانية، ليحكي في كتابه الرائع،النيل الأزرق، عن الأوضاع التي سادت بعد مقتل إسماعيل باشا أو حرقه أشد حرقة في شندي بواسطة الملك أو المك نمر، وما حصل بعدها من انتقام دفترداري، هذا الدفتردار، الذي كان يعبث فساداً في غرب البلاد، ويعيش خراباً في الأبيض المدينة الواقعة في كردفان جغرافياً وانتماءً، بأنه بعد هذه الحادثة تعاقب على السودان عدداً وعدداً من الحكام الأتراك، مُرسلين أو مُوفدين من القاهرة، وبالرغم من أنهم كانوا الأسوأ بين كل المستعمرين على الاطلاق، ولكنهم نجحوا، بصورة أو بأخرى، في أن يبسطوا سلطانهم على أركانه المترامية وعلى أرجاءه المتباينة، واستطاعوا أن يفرضوا قوتهم وسطوتهم وسيطرتهم بالقسوة وبالشدة وبالبطش المبالغ في مقداره والمتنوع في أنواعه.
ولكنهم، ويا للخيبة، لم يحاولوا أي محاولة ولو بسيطة، أن يعلموا فرداً أو أحداً الا بقدر حاجتهم الي تعليمه، ولم يلتفتوا أدنى التفاته للأثار القديمة ولا للتاريخ العتيق التليد الا بالقدر الذي يجعلهم يستفيدون منها كمخازن لمواد البناء، بالإضافة الي أنهم لم يستكشفوا أو يكتشفوا الا بغرض الدمار وبغرض الخراب والتخريب، ولم يكن لهم ولحكمهم الا هدف واحد وحيد، وهو سلب وابتزاز كل ما تقتنيه البلاد من مال ومن ماشية ومن طاقة بشرية.
وكانوا يتفننون في طرق التعذيب وفي وسائله، من الجلد بالسوط والنسف بالمدافع الي التعذيب بالخوازيق، في عقاب وتأديب كل من يشق لهم عصى طاعتهم. وكان مقياس أو المقياس الذي به يقيسون به نجاح الحاكم التركي منهم وفيهم هو الكمية التي يجمعها من الرقيق، وما يرسله من سرايا لتأديب المتمردين، عجبي!
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم