التعليم في السودان (2/5)

التعليم (9)
التعليم في المهدية
ومع اندلاع الثورة المهدية في1881م، والتي تعزى أسبابها الى مظالم وفساد الحكم التركي من جهة، والي شخصية الامام محمد احمد المهدي من جهة ثانية. فقد أستغل هذا الرجل -بدهاء منقطع النظير- ما كان سائداً في المجتمع السوداني من معتقدات، ومن خرافات، وليس قليل من طقوس الشعوذة، فأطلق فكرة المهدي المنتظر في هذا الجو المشحون والملبد بمظاهر التخلف والأساطير والخرافات، ودخل عليهم بالطريقة التي ألفها ويألفها السودانيون، بسبب اجتهاده بالإصلاح والتقوى، وبادعائه الغريب بأنه على تواصل واتصال مباشر بالرسول محمد -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-.
وقد ساعد المهدي كثيراً وكثيراً جداً في نجاح حركته، هو عدم اهتمام الحكومة المصرية بأمره في بداياته ولا بأمرها في وقتها، وكان هناك تقليل منها ومن شأنها من قبلهم، وأيضاً بانشغالها، أي الحكومة المصرية، واهتمامها باندلاع أحداث الثورة العُرابية في 1879م وحتى عام 1882م.
ويري برمنجهام (كما هو مسطور في كتاب الحركة الوطنية في السودان، للبروفيسور محمد عمر بشير) أن السر وراء انتصارات المهدي كان يتمثل في قوة شخصيته وفي قدرته الفائقة على التأثير على السودانيين، الذين يمتازون بأنهم رقيقي الإحساس سريعي الانفعال لكل ما يأتيهم من خارجهم أو من الخارج عن طريق الإيحاء وعن طريق الايعاز. لذلك ظهر لهم هذا الرجل وكأنه الحُلم الذي تحقق بعد انتظار طويل وطويل، وكان هو القائد المنتظر، والذي شكلته ظروف خاصة لنوع متفرد وفريد من الشعور الوطني.
ووراء كل ذلك، كان ايمانه الذي لا يتزحزح واعتقاده القوي الذي لا يحيطه الشك أو الريب، لا من أمامه ولا من خلفه، بأنه الرسالة التي بعثت بها القوة الإلهية، وهي عقيدة تفرض تأثيراً سحرياً لا راد له على الأخرين.
وكان أن قضي هذا التفاني وكل هذا الإخلاص للدعوة المهدية على كل الولاءات الأخرى، التي كانت مهيمنة على النفوس ومسيطرة على العواطف، والتي كانت سائدة في المكان وفي الزمان، من ولاءات قبلية ومن ولاءات دينية. وكانت الجماهير التي خاطبها هذا المهدي مؤلفة ومكونة من الطبقات المضطهدة ومن المستغلين الذين ضاقت بهم سبل الحياة، والذين كانوا منذ آماد، وآماد سحيقة تواقين لظهوره الميمون، وفي انتظار المنقذ البشير على أحر من الجمر.
وكان أن رفض المهدي نظام التعليم المصري، وقام من جانبه بإنشاء مدرسة في الخرطوم لتحفيظ القران الكريم، واعتمد اعتماداً عظيماً على أتباعه في نشر دعوته، وفي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان مبلغيه يجوبون مدن السودان وربوعه من أجل تعليم الناس مبادئ الفكر الصوفي، وحث الناس على أتباع عقيدته -عقيدة المهدي المنتظر- حصرياً وليس غيرها.
وافرزت الثورة المهدية جيلاً من مشوشي الذهن، فكانوا يخلطون ما هو بدعة بما هو خرافة بما هو حقيقي، بسبب الفكر المهدوي الديني المتعصب، المبني على أقصاء الاخرين، وعدم الاعتراف بهم، وعدم الإقرار لهم بحق ولو بحق الحياة تحت ظل خيمة أخرى مختلفة عن خيمته، لذلك أتبعه القلة القليلة من البشر، ممن وجدوا في دعوته ملاذاً للخلاص من واقعهم الأليم وهروباً من عيشتهم المرة المذاق.
وما ذُكر يفسر ويشرح اتفاق الحكومتين المصرية والبريطانية على وضع نهاية لهذه المهدية، وكان ذلك في 1883م، عندما جهزت بريطانيا حملة عسكرية بقيادة الجنرال هكس (Hicks)، الا أن الحملة فشلت بسبب التفاف اعداد كببره حول المهدية والدفاع عنها، يقودهم الانفعال الوطني العاطفي.
وبعد انتقال المهدي الي الرفيق الأعلى في 1885م، تولى عبد الله التعايشي (ود تورشين) زمام المبادرة كخليفة، وسار على نفس النهج وذات المنوال الذي خطه سلفه مهدي الله، بل أن التعايشي كان أكثر تشدداً وأكثر تطرفاً من صاحبه، في كل شيء وفي كل حركة، وخاصة فيما يخص التعليم الإسلامي المهدوي وطرق الدعوة للمهدية. (تاريخ التعليم في السودان 1899– 1964- دراسة تأريخية- م. د. نغم أكرم عبد الله)
وقد كتب ونستون تشرشل في قرطاسه المشهور “حرب النهر” (2002)، عن امبراطورية الدراويش، الفصل الثالث صفحتي (69 و70)، كثير من الكلام وكثير من الأهوال، نقتبس بعضها ونرسمها في السطور التاليات…
((ربما تبادر للأذهان الميزات الكثيرة والعظيمة التي نالها شعب السودان ليتحول من تجمعات قبلية متناحرة الي مجتمع متحد حرر نفسه، ويعيش كأسرة موحدة قوية، تربطها قوانين محددة، ويحكمها نظام واحد للحكم. لكن كان هناك بعض أشكال الحكم المركزي السيء البعيد عن أي اصلاح، حكم رجعي ومكلف وظالم، وهو الحكم العسكري. هذه الثنائية تعتمد لا على حسن الثقة وحسن النوايا، ولكن تعتمد على المحافظة على النظام والطاعة العمياء للأوامر، الخوف المشترك وليست الثقة المشتركة هي التي تحكم علاقات الأعضاء وتطور التعاون.
أثبتت سجلات التاريخ وجود كثير من مثل تلك النظم، سواء في العهود السابقة أو العهود الحديثة، المتحضرة أو الهمجية. بالرغم من التفاوت حسب التعليم والثقافة، الا أنها جميعها لا تستطيع تغيير شخصيتها النمطية، المتمثلة في تجاهل القانون وجعله وسيلة، عدم الاهتمام بمعاناة الناس، تدهور الفضائل الأساسية وانحطاط المثل وجهل تام بأمور الاقتصاد. ان الصفات الشريرة لأي ارث عسكري هي واحدة في كل الأزمان، ونتائج الحكم العسكري هي دائماً سيئة عالمياً وتاريخياً.
ان الدرجات تتفاوت من مكان لآخر حسب الزمان والمكان، ولكن تبقى الحقيقة دائماً، ان السلطة العسكرية غالباً ما تفرز التمركز في عاصمة كبيرة فيها كل شيء، مع اهمال تام لبقية الأقاليم، يصحبه تدهور كامل لأحوال الناس المسالمين، نتيجة للضغط والحاجة، خراب التجارة، وتدهور التعليم وتدني الروح المعنوية، حتى للضبط والربط في الجيش، نتيجة للنفخة الكذابة واستمراء الزهو والاعجاب بالنفس.
ربما لم تسجل كتب التاريخ حكومة عسكرية أسوأ من امبراطورية الدراويش. بعض الحكومات الأخرى كانت تتحلى ببعض الفضائل حتى تعوض عن بعض النواقص، الشعور بالشرف الشخصي يعوض الانخفاض في العدل القومي، النزعة الوطنية تسامح الإخفاقات الاقتصادية، يغطي على بؤس الناس المظهر العسكري المهول، التدني في المثل العليا يعوضه في بعض الأحيان حسن الخلق. كانت فضيلة امبراطورية الدراويش هي الشجاعة، وهي صفة تنال الاعجاب وان لم تكن نادرة. جاءت الثورة المهدية بالحرب، عاشت بالحرب وانتهت بالحرب.)) انتهى.
ويقول عبد الله حسين في كتابه “السودان من التاريخ القديم الي رحلة البعثة المصرية” -الجزء الأول- (2023)، لقد رأيت كثير من الذين تناولوا الثورة المهدية بالنقد والمعالجة من الأجانب ومن المصريين قد تحاملوا عليها كثيراً بصورة تخلو تماماً من الموضوعية، وجردوها من اطارها الزمني المكاني وسياقها الظرفي، وجسَّموا فظائعها، وأنكروا على الثورة قيامها.
وفي رأيي المتواضع أن هؤلاء المؤرخين كلهم قد أخطأوا التوفيق وجانبهم الصواب، وأفسد تفكيرهم ما وقع عليهم من مظالم، أو لأن مثل هذه الثورات كانت قريبة العهد منهم. ومن المعروف أنه في جميع الثورات تحدث فظائع وفظائع شنيعة، وتنتهك حرمات وتهتك عروض، ويحصل خراب ويباب وظلم وحرمان لبعض الأشخاص وأيضاً لبعض الطوائف.
لقد كان قيام المهدية متزامناً مع قيام الثورة العرابية، وقد قامت الثورة العرابية أيضاً ضد ظلم فئة أو فريق من الحكام الأتراك «الجراكسة» للمصريين، وقامت الثورة المهدية لتدفع ظلم هؤلاء الحكام وتمنعه في السودان. فمن هذه الناحية تشبه الثورة المهدية الثورة العرابية والعرابية تشبه المهدية.
وكذلك تشبه الثورة المهدية الثورة الوهابية التي كان لها وما زالت صيت في نجد؛ فكلاً من الثورتين قد التحف ثوب الدين، وهو الرجوع بالإسلام إلى الفطرة وتجريده من الشوائب ومن البدع. ولو قيض الله لهذه المهدية أن تجد رجالاً مؤهلين أكفاء واسعي الأفق وبعيدي النظر، عملوا على توطيد أركان الحكم بعد نجاح الثورة لاستمر السودان مستقلاً.
بل، لأمكن للثورة المهدية أن تصل وتجتاح مصر؛ التي كانت هزيلة مُعسرة ومحتلة بالجيش الإنجليزي، وكانت نجحت في أن تحتضن وتضم مصر إلى السودان، وأن تنجح غزوة ود النجومي لمصر، كما نجح ابن السعود في ضم الحجاز إلى نجد.
وقد حملت الثورة المهدية أوجه شبه عديدة وكثيرة لتلك الأحداث التي حدثت في الجزيرة العربية عقب الرسالة المحمدية والدعوة الإسلامية، من توحيد كلمة القبائل المتنافرة المتنازعة تحت شعار واحد وراية واحدة، ففي الثورة المهدية شعار المهدية، وفي الدعوة الإسلامية الرسالة النبوية.
وعلى هذه الصورة يجب أن نستوعب وأن نفهم الثورة المهدية ونعرف كيف يجب علينا تناولها ومراجعتها، أما التحامل عليها والنيل من قائدها الروحي محمد أحمد، والاكتفاء فقط بتضخيم الفظائع وتعداد المظالم، فليس من الإنصاف التاريخي في شيء. وعليه يجب أن نعالج الثورة المهدية كما نعالج كل الثورات الأخرى كالثورة العرابية والثورات العامة الأخرى.
ويشير البروفيسور محمد عمر بشير (1987)، الي أن معركة أم درمان كانت هي الانهيار الأخير والفعلي لدولة المهدية، وكانت هي المسمار الأخير الذي انغرس في نعشها. وعلى أعقابها قام، السودان الإنجليزي المسمى السودان الإنجليزي-المصري نظرياً لا عملياً، والذي يعتبر مخلوق أسطوري جديد وغريب ظهر في القرن العشرين.
ولم يحطم هذا المستعمر الجديد دولة المهدية فحسب، ولكنه عمل على إزالة وكنس طائفة المهدية وكل الطوائف الأخرى التي شاركتها في ثورتها ومحوهم من كتاب الوجود. وقام في نفس الوقت بتشجيع ومساعدة الطوائف الأخرى التي كانت في عداء مستحكم وتاريخي مع المهدي وضد مهديته، وعلى رأس تلك الطوائف كانت طائفة الختمية بالتأكيد.
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …