التغيير يبدأ بالانتقال من الحلقوم إلي العقل

زين العابدين صالح عبد الرحمن
أن الفارق الكبير بين النخب السياسية و حتى المثقفة تتبين عند البحث عن مخارج للوطن من أزماته، هناك الذين يحاولون استغلال الأزمة من أجل تصفية حسابات سياسية، و هناك الذين يحاولون الاستفادة من الأزمة لمصالح ضيقة، إذا كانت شخصية أو حزبية، و يحاولون البحث عنها داخل السودان أو خارجه، و هناك من ينهض و يكرس كل طاقته للبحث عن إيجاد طرق للخروج من الأزمة.. فالعقل السياسي الباحث عن حلول للأزمة يبدأ مشوار بحثه من المؤسسة التي هو عضوا فيها. و يسأل نفسه إذا كانت مؤسسته السياسية قادرة بالفعل أن تؤدي دورها لإنجاز الشعارات التي ترفعها، أم أن الشعارات نفسها تتناقض مع الأهداف المبطنة، و بذلك تكون كل الجهود قاصرة لتحقيق الهدف..
عندما تسمع حديث القيادات في الحزب الشيوعي عن دعوتهم لإسقاط حكومة حمدوك في الفترة الانتقالية، و كان أخرها حديث أمال الزين إلي ” الطريق 18 ” أن الحزب الشيوعي أصر على إسقاط حكومة حمدوك لأن القوى المدنية لم تكن حاكمة.. كان الحاكمون الفعليون هم العساكر.. لذلك خرجنا من التحالف و طالبنا بإسقاط حكومة حمدوك… القوى الأخرى لا تتطرق إلي الدعوة الصريحة من قبل الحزب الشيوعي لإسقاط الحكومة، و لكنهم يرجعون سقوط الفترة الانتقالية إلي الإسلاميين..! إذا، نظرنا للمسألة نظرة موضوعية، نجد أن تبرير الحزب الشيوعي بأنه نادى باسقاط الحكومة بسبب سيطرة العسكر و اللجنة الأمنية الحاكمة، و ضرب المثل بالهيئة العليا للسلام التي لم تكن مضمنة في الوثيقة الدستورية.. كلها تبريرات.. الحزب الشيوعي أراد اسقاط حكومة حمدوك لأنه شعر لا يستطيع السيطرة على الحكومة، و لا يستطيع التأثير في القرارات التي تخرج من مكتب حمدوك لماذا؟ هذه الأسباب كنت أشرت إليها في مقال بعنوان ” الديمقراطيون الجدد في السودان و مآلات التغيير” نشر في عدد من الصحف يوم 7 سبتمبر 2019م موجود في قوقل”..
الديمقراطيون الجدد الذين أشرت إليهم في المقال هم ” مجموعة المزرعة” و هؤلاء هم؛ الشيوعيون الذين كان قد طردهم الحزب الشيوعي من الحزب، و هي مجموعة ” الدكتور الشفيع خضر و حاتم قطان و غيرهم” كان الحزب الشيوعي يعتقد أن هؤلاء سوف يديرون بطريق غير مباشر معركتهم مع الحزب الشيوعي، و أنهم أشد تأثير على حمدوك، و أيضا هم الذين يختارون القيادات للوظائف العليا في مؤسسات الدولة.. و خاف الحزب الشيوعي أن ينقل هؤلاء معركتهم مع الحزب من الدولة إلي داخل الحزب مرة أخرى.. خاصة أنهم بداءوا يختارون كوادر حزبية لبعض الوظائف بعيدا عن استشارة و موافقة الحزب.. و المسألة الغريبة الأخرى؛ بعد ما سقطت الحكومة من قبل المكون العسكري في 25 أكتوبر 2021م حمل الشيوعيين سقوطها إلي الإسلاميين، و هي كانت رغبة الحزب..
نجد أن قوى الحرية و التغيير المركزي، بعد خروج الحزب الشيوعي من التحالف، و تجميد حزب الأمة نشاطه داخل التحالف، و أيضا فقدها للشارع عندما خرجت قياداتها في التظاهرات، قوبلت برفض شديد من الشارع، لذلك فقدت أدواتها النضالية، و أصبحت حائرة لذلك قبلت بأول دعوة جاءتها من مساعدة وزير الخارجية الأمريكي ” مولي في” للجلوس مع العسكر، و التشاور لحل المشكلة بينهم و العسكر، و بالفعل قد قبلول الدعوة، و جلسوا مع العسكر في منزل السفير السعودي.. جلوسهم مع العسكر ضرب الشعارات التي كان يرفعها الشارع المؤيد لهم ” لا تفاوض و لا مشاركة و لا مساومة” و لكي يخففوا الضغط عليهم، ذهبوا في اتجاه تحميل الحركة الإسلامية مسؤولية سقوط حكومتهم. و يبرروا أن سعيهم من ذلك كان بهدف إعادة سلطتهم مرة أخرى.. و هنا يقف العقل السياسي، و يلجأ إلي التبرير بديلا عن نقد الذات، و البحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلي تعثر الفترة الانتقالية..
بعد حل حمدوك لحكومته الأولى؛ ذهبت قيادات من قوى الحرية و التغيير مطالبة حزب الأمة بالمشاركة في حكومة حمدوك الثانية، وقدم حزب الأمة شروطه لفك تجميد نشاطه في التحالف، بأن يأخذ 66% من التشكيل الوزاري، و أيضا من مقاعد المجلس التشريعي.. و لم يكن هناك خيارا أخر عند التحالف غير القبول.. فالقوى التي كانت موجودة في التحالف كانت قاعدتها الاجتماعية ضعيفة و لا تقوى على الصراع في عدة جبهات. و رغم ذلك أن المكون العسكري لم يسلمها السلطة. و جاءت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي ” مولي في” بفكرة الاتفاق الإطاري كمخرج من الأزمة.. و لكنها أيضا فشلت و قادت إلي الحرب، بعد ما قسمت المكون العسكري.. و بدأت قيادت ” قحت” تحمل الإسلاميين مسؤولية فشل “الإتفاق الإطاري” و إشعال الحرب.. حتى إذا سلمنا أن الإسلاميين هم وراء ذلك، و عندهم القدرة على إفشال الاتفاق الإطاري و حرمانكم من السلطة، ماذا سوف تفعلوا معهم و هم قادرين على افشال مشاريكم؟ هذا السؤال الذي عجزت القيادات الإجابة عنه.. هل فقط تقديم شكوى لأمريكا و أوروبا كما تفعل ” صمود” الآن، أن يصنفوا حركة إرهابية…!
أن الضعف و التراجع السياسي الذي أصاب القوى السياسية بدأ منذ انقلاب مايو 1969م، و عندما قررت أكبر ثلاث أحزاب سياسية أن تجعل البندقية وسيلة لعودة الديمقراطية و تكوين ” الجبهة الوطنية” حيث أوكلت العمل السياسي إلي النقابات العمالية و الحركة الطلابية، من خلال ثورة شعبان 1973م، التي شكلت أكبر تحدي لنظام مايو، و بعد فشلها انتظر الكل قدوم الحركة المسلحة التي أيضا فشلت في 1976م ، و ضعف العمل السياسي، و ضعفت الأحزاب و بدأ العمل السياسي ينشط من خلال ” التجمع النقابي” حتى النشاط الطلابي بدأ التراجع بعد توقيع مسودة المصالحة الوطنية بين الرئيس نميري و الصادق المهدي ممثل الجبهة الوطنية في مدينة بورتسودان 1977م.. و دخول الأخوان و حزب الأمة في الاتحاد الاشتراكي.. هذه المسيرة أضعفت حتى العمل الطلابي الذي سيطر عليه تنظيم الطلاب المستقلين، و الذين كانوا كارهين للرايات الحزبية.. أن الضعف السياسي للمؤسسات الحزبية هو الذي جعل الساحة تمتليء بالشعارات التي لا تعرف القيادات كيف تنزيلها على الأرض، و عجزت الأحزاب السياسية أن تقدم أفكارا سياسيا تساعدها على التفكير المنطقي، و الخروج من شرنقة البحث فقط عن السلطة.. أن النخب السياسية و المثقفين أمام تحدي حقيقي كيفية تفعيل النشاط العقلي، و إنتاج أفكارا تساعد على التغيير، بدلا من شعارات تسهم في تزيف الوعي و خاصة للأجيال الجديدة.. نسأل الله حسن البصيرة..

zainsalih@hotmail.com

عن زين العابدين صالح عبد الرحمن

زين العابدين صالح عبد الرحمن

شاهد أيضاً

تسارع الزيارات لوقف الحروب في المنطقة

زين العابدين صالح عبد الرحمنهل إسرائيل تريد أن تدخل حرب السودان بصورة مباشرة بدلا من …