التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

ليس من قبيل المبالغة القول إن الريف السوداني ظل لعقود طويلة خارج الحسابات الحقيقية للتمويل التنموي،
رغم أنه الخزان الأكبر للإنتاج الزراعي والحيواني،
ورغم أن غالبية السكان ارتبط معاشهم به ارتباطًا مباشرًا.

ومع تعقّد الأزمات الاقتصادية، ثم اندلاع الحرب وما ترتب عليها من تدمير للبنية التحتية وتعطيل لسلاسل الإنتاج،
عاد سؤال التمويل الأصغر إلى الواجهة لا بوصفه أداة اجتماعية هامشية،
بل كرافعة حقيقية للتنمية وإعادة بناء الاقتصاد من القاعدة إلى القمة.

التمويل الأصغر في جوهره ليس صدقة مقنّعة،
ولا سياسة إغاثية مؤقتة،
بل هو فلسفة اقتصادية تقوم على تمكين صغار المنتجين من الوصول إلى رأس المال
بشروط تتناسب مع طبيعة نشاطهم، ودورات إنتاجهم، ومستوى المخاطر التي يتحملونها.

وهو، حين يُحسن تصميمه، يتحول من مجرد تمويل محدود القيمة إلى أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد الريفي، وبناء طبقة منتجة مستقرة،
وربط الريف بالمصارف وبالأسواق.

في السودان، عُرف التمويل الأصغر منذ سنوات، وارتبط في أغلب الأحيان بالمصارف الإسلامية عبر صيغ المرابحة والسلم،
إلا أن التطبيق العملي ظل أسيرًا لمقاربات مصرفية تقليدية لم تُراعِ خصوصية الريف ولا هشاشة المنتج الصغير.

فبدل أن يكون التمويل الأصغر جسرًا إلى الإنتاج،
أصبح في بعض الحالات عبئًا إضافيًا بسبب قِصر فترات السداد،
وضعف المتابعة الفنية، وارتفاع الكلفة الفعلية للتمويل،
سواء سُمّيت فائدة أم ربحًا.

الريف السوداني، إذا أردنا مقاربة التمويل الأصغر فيه بجدية،
لا يحتاج إلى نسخ نماذج جاهزة، بل إلى إعادة فهم طبيعة النشاط الاقتصادي فيه. فالمزارع الصغير لا يعمل بدورة شهرية، والراعي لا يحقق دخله بشكل منتظم،
والمرأة الريفية المنتجة تحتاج إلى تمويل مرتبط بالمواسم والأسواق لا بالجداول المصرفية الصماء.

من هنا، فإن إعادة إحياء التمويل الأصغر بعد الحرب تستدعي

أولًا
إعادة النظر في فلسفة التمويل نفسها قبل أدواته.
المجالات التي يمكن أن ينصب عليها اهتمام التمويل الأصغر في الريف السوداني عديدة، لكن الأهم هو التركيز على الأنشطة ذات الأثر السريع والدوران النقدي المعقول.
الزراعة المطرية، على سبيل المثال،
تحتاج إلى تمويل صغير لكنه في توقيت صحيح، لشراء التقاوي أو تجهيز الأرض،
مع ربط السداد بالإنتاج لا بالتقويم الزمني.

تصنيع الغذاء الريفي، من طحن وحفظ وتجفيف،
يمثل مجالًا واسعًا لتمويل مجموعات نسوية أو جمعيات تعاونية،
وهو أقل مخاطرة وأكثر ارتباطًا بالسوق المحلي.

كذلك فإن مشروعات الثروة الحيوانية الصغيرة، مثل تسمين العجول أو إنتاج الألبان، أثبتت في تجارب عديدة قدرتها على توليد دخل مستقر إذا ما صُممت فترات التمويل بما يتناسب مع دورة الإنتاج الفعلية.

غير أن الحديث عن التمويل الأصغر لا يكتمل دون التوقف عند العقبات القانونية والتنظيمية التي تعيق توسعه وتحوله إلى أداة تنموية حقيقية.
فالإطار القانوني في السودان، وإن أشار إلى التمويل الأصغر، إلا أنه لم يوفّر بعد الحماية الكافية للمصارف ولا للمنتجين. ضعف نظم الضمانات البديلة، والاعتماد المفرط على الضمانات العينية، وغياب التشريعات التي تعترف بالضمان الجماعي أو بالتأمين التعاوني، كلها عوامل تحد من قدرة المصارف على التوسع في هذا النوع من التمويل. كما أن غياب التنسيق بين الجهات الرقابية والمصارف والسلطات المحلية يجعل كثيرًا من المبادرات تموت في مهدها.

قضية مبالغ التمويل ومدته وسعره تظل من أكثر القضايا حساسية في التمويل الأصغر. فالمبالغ الصغيرة جدًا قد لا تُحدث الأثر المطلوب،
والمبالغ الكبيرة قد تخرج التمويل عن طبيعته.
التجربة أثبتت أن المشكلة ليست في الرقم بقدر ما هي في ملاءمته للنشاط.

أما مدة التمويل، فهي في الريف عامل حاسم، إذ لا يعقل أن يُطالَب منتج زراعي بالسداد قبل الحصاد،
ولا راعٍ قبل اكتمال دورة التسمين.

وبالنسبة لسعر التمويل، فإن الجدل بين الفائدة والربح لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الاقتصادية، وهي أن الكلفة المرتفعة، مهما كان اسمها، تُضعف الجدوى وتزيد من احتمالات التعثر.

عند مقارنة التجربة السودانية بتجارب إفريقية أخرى، تتضح الفجوة لا في الموارد بل في المنهج.

في بنغلاديش،
ورغم أنها ليست إفريقية، شكّل التمويل الأصغر حجر الزاوية في تمكين الريف، عبر مؤسسات متخصصة لا تتعامل بعقلية المصارف التجارية.

في كينيا،
لعب التمويل الأصغر دورًا مهمًا في دعم صغار المزارعين وربطهم بسلاسل القيمة الزراعية.

وفي رواندا،
ساهمت مؤسسات التمويل الأصغر في إعادة بناء الاقتصاد الريفي بعد الحرب، من خلال التركيز على التمويل المصحوب بالتدريب والمتابعة.

هذه النماذج تُظهر أن التمويل الأصغر لا ينجح حين يكون مجرد منتج مصرفي، بل حين يكون جزءًا من رؤية تنموية شاملة، تتكامل فيها القوانين، والمؤسسات، والتمويل، والمعرفة. والسودان، وهو يقف على أعتاب مرحلة ما بعد الحرب، أحوج ما يكون إلى هذا الفهم المتكامل، لا إلى حلول جزئية أو شعارات براقة.

إن إعادة الاعتبار للتمويل الأصغر في الريف السوداني ضرورة اقتصادية واجتماعية.
فهو القادر، إذا أُحسن توظيفه، على تثبيت الناس في أرضهم، وتقليل النزوح، وبناء اقتصاد حقيقي يبدأ من القرى لا من المكاتب.

ومن هنا، فإن الحديث عن التنمية بعد الحرب يجب أن يمر، بالضرورة، عبر بوابة التمويل الأصغر، لا كأداة هامشية، بل كرافعة مركزية لإعادة بناء السودان من جذوره.

عبد العظيم الريح مدثر
مؤسس منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقع

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

العدالة الاقتصادية: هل تعني المساواة أم تكافؤ الفرص؟

منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقعفي ختام مقالنا السابق حول الفقر،طرحنا سؤالًا مكملًا …