زهير عثمان
الثنائيات القاتلة… أم أوهام التحليل؟
قراءة نقدية في خطاب إعادة بناء الدولة السودانية
بقلم: زهير عثمان
في خضم السعي المحموم لفهم مأزق الدولة السودانية، تبرز بين الحين والآخر مقاربات فكرية تحاول تقديم “مفاتيح تفسير كبرى” للأزمة
و من بين هذه المقاربات، يطرح د. أيمن بشرى في مقاله “الثنائيات القاتلة” تصوراً يرى أن جوهر المشكلة السودانية يكمن في إدارة ثنائيات بنيوية: المركز والهامش، المدني والعسكري، الدين والدولة
وهي مقاربة تقدم جهداً فكرياً معتبراً، وتمتلك قدرة على تبسيط التعقيد تبدو مغرية للوهلة الأولى
غير أن هذا التبسيط ذاته هو مكمن الإشكال. فهذه المقاربة، رغم عمقها الظاهري، تظل أسيرة إطار نظري يفترض أن الأزمات يمكن حلها عبر إعادة ترتيب المفاهيم داخل النصوص. بينما تشير التجربة السودانية بوضوح إلى أن النصوص، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة ما لم تستند إلى واقع سياسي واقتصادي متماسك. ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً هنا هو: هل المشكلة حقاً في “الثنائيات” كإطار للصراع، أم في البنية الاقتصادية-السياسية التي تنتج هذه الثنائيات وتستثمر فيها؟
أولاً- حين يُختزل الواقع في ثنائيات
المشكلة الأساسية في الطرح الذي يقدمه د. أيمن أنه يفترض أن الواقع السوداني يمكن تفكيكه إلى أقطاب متقابلة، ثم إعادة تركيبه عبر معادلة دستورية متوازنة
و لكن الواقع الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في دولة مثل السودان، لا يعمل وفق منطق “إما/أو”، بل وفق شبكة معقدة من التداخلات والتحالفات المتغيرة
الهويات في السودان ليست ثابتة ولا متقابلة بشكل صارم، بل متداخلة ومتحركة. فعن أي “ثنائية مركز وأقاليم” نتحدث حين نجد أن نخباً من الأقاليم تتحالف مع نخب المركز على حساب فئات شعبية في المنطقتين معاً؟ وأي “ثنائية مدني وعسكري” نعني عندما تتداخل المصالح الاقتصادية للضباط مع رأس المال الخاص المدني، فتخلق كتلة اجتماعية-اقتصادية يصعب تفكيكها بمعادلة دستورية بحتة؟
السلطة في السودان ليست مركزاً واحداً يمكن ضبطه بصياغة دستورية ذكية، بل هي علاقات متشعبة تتوزع بين فاعلين متعددين، وتتخذ من الخطابات الهوياتية غطاءً لمصالح مادية عميقة
لذلك فإن اختزال الأزمة في “ثنائيات” يعيد إنتاج نفس المنطق الذي ساهم في صناعتها، دون الوصول إلى جذورها الحقيقية
ثانياً وهم الحل الدستوري
ينطلق المقال من افتراض ضمني مفاده أن تصميمًا دستوريًا ذكيًا يمكنه تحويل الصراع إلى توازن وهذا طرح كلاسيكي في الفكر السياسي الليبرالي، لكنه يغفل حقيقة جوهرية الدساتير لا تصنع الدول، بل تعكس موازين القوى داخلها. وقد أثبتت التجربة السودانية ذلك بوضوح
فمنذ الاستقلال، تعاقبت على السودان دساتير متعددة دستور 1956 المؤقت، دستور 1964، دستور 1973، دستور 1985، دستور 1998، دستور 2005، والوثيقة الدستورية 2019. ومع كل دستور جديد، كان الأمل معقوداً على أن تحل النصوص إشكاليات الحكم، لكن الانقلابات تعاقبت أيضاً. ما يشير إلى أن المشكلة أعمق من مجرد “هندسة قانونية” تحتاج إلى ضبط
لقد تم تعطيل الدساتير السودانية الواحد تلو الآخر، ليس بسبب عيوب في صياغتها فقط، بل لأن موازين القوى الفعلية كانت دائماً خارج إطارها. ففي 1958، سلم رئيس الوزراء نفسه السلطة للعسكر
وفي 1968، تم تجاهل حكم المحكمة الدستورية بحل الحزب الشيوعي. وفي كل مرة، كانت إرادة القوى المسيطرة هي التي تحسم، وليس النصوص
لذلك فإن الرهان على دستور جديد كحل للأزمة يشبه من يعيد ترتيب كراسي سطح سفينة تغرق، دون أن يسأل عن الثقب في قاعها
ثالثاً الغائب الأكبر… الاقتصاد السياسي
رغم عمق التحليل النفسي والثقافي في مقال د. أيمن، إلا أنه يتجاهل أحد أهم مفاتيح الفهم: من يملك الموارد؟ ومن يسيطر على الاقتصاد؟ إن الصراع في السودان ليس فقط صراع هويات، بل هو في جوهره صراع على السلطة والثروة. والذهب، الأرض، الموانئ، والمساعدات الدولية هي المحددات الفعلية للصراع، بينما تأتي الخطابات الهوياتية في كثير من الأحيان كأدوات تعبئة وتغطية لمصالح مادية
دعونا ننظر عن كثب إلى الحرب الدائرة حالياً تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة (2024) وتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش تشير إلى أن الذهب السوداني يُهرب بكميات كبيرة إلى الإمارات عبر قنوات مرتبطة بقوات الدعم السريع. في المقابل، يتلقى الجيش دعماً لوجستياً من مصر وتركيا والسعودية، في سباق على النفوذ في البحر الأحمر وموارده. هل هذه حرب من أجل “الهوية” أم من أجل مناجم الذهب وموانئ التصدير؟
وإذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء، فسنجد أن اتفاقية ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب قبل الانفصال، والنزاع على منطقة أبيي الغنية بالنفط، والحروب في دارفور التي ارتبطت بالصراع على الأرض والمرعى، كلها تثبت أن البعد المادي كان حاضربقوة، حتى عندما تلبس بخطاب عرقي أو هوياتي
إن تجاهل هذا البعد الاقتصادي يجعل التحليل أقرب إلى التأمل الفكري منه إلى التشخيص الواقعي فبدون فهم كيفية عمل رأس المال، وكيف تتدفق الثروة، وكيف تتشكل التحالفات حول الموارد، سنظل ندور في فلك تفسيرات سطحية لا تمس جوهر الأزمة
رابعاً شبكات المصالح بديلاً عن الثنائيات
إذا كان نقد الثنائيات يستحق البديل، فإن اقتراح منهج يقوم على تحليل “شبكات المصالح” و”التحالفات المتغيرة” قد يكون أكثر قدرة على فهم التعقيد السوداني
فالفاعلون في السودان لا يتحركون وفق هويات ثابتة، بل يشكلون تحالفات مؤقتة تخدم مصالحهم المرحلية
خذوا مثلاً تحالف بعض نخب الهامش مع النظام السابق في التسعينيات، مقابل منحهم حصصاً في السلطة والثروة. أو تحالف بعض القوى المدنية مع العسكر في فترات انتقالية، على أمل اقتسام النفوذ. أو حتى تحالف أحزاب دينية مع العلمانيين في لحظات معينة لمواجهة عدو مشترك. هذه التحالفات لا تفسرها ثنائيات جامدة، بل منطق المصالح المتغيرة.
ربما يكون النموذج الأقرب للفهم هو نظرية “الاختيار العقلاني” لكن مع وضعها في سياقها الاجتماعي: الفاعلون يبحثون عن تعظيم مكاسبهم، لكن ضمن إطار تحكمه علاقات القوة وتاريخ طويل من تراكم المصالح
وهنا يصبح تحليل من يملك ماذا، ومن يتحكم في أي مورد، هو المدخل الحقيقي لفهم السياسة السودانية
خامساً إشكالية “الجدلية بلا تاريخ”
استدعاء الجدل الهيغلي كأداة لفهم التناقضات يبدو لافتاً في المقال الأصلي، لكنه في هذا السياق أقرب إلى الاستخدام الزخرفي منه إلى التوظيف المنهجي. فالتناقضات في السودان لا تتحرك نحو “تركيب أعلى” كما يفترض المنطق الجدلي، بل كثيراً ما تنتهي إلى تفكك وانهيار
نحن هنا لا نعيش لحظة “تطور جدلي” يتجاوز التناقضات، بل أزمة دولة تتآكل من الداخل، ويعيد كل صراع إنتاجها بشكل موسع وأكثر عنفاً
يمكن القول إن ما يحدث في السودان هو “جدل مقلوب” أو “إعادة إنتاج الأزمة”. ففي كل مرة يفشل فيها “التركيب” (أي تسوية سياسية ما)، لا يتم تجاوز التناقضات، بل تزداد الأزمة تعقيداً وعنفاً. من انفصال الجنوب إلى حروب دارفور إلى الحرب الحالية، نرى أن الصراعات لا تنتج حلاً، بل تنتج صراعات جديدة أكثر شراسة
هذا “الانسداد التاريخي” يحتاج إلى أدوات تحليل مختلفة عن الجدل الهيغلي المتفائل. يحتاج إلى فهم آليات إعادة إنتاج الأزمة، وكيف أن نفس المصالح التي تغذي الصراع تستفيد من استمراره، وبالتالي تعمل على تعطيل أي تسوية حقيقية
سادساً معضلة المدني والعسكري… توازن أم اختلال؟
يطرح د. أيمن فكرة “المسؤولية المشتركة” بين المدنيين والعسكريين في إنتاج الأزمة وهي فكرة تبدو منصفة، لكنها قد تكون مضللة بل وخطيرة في سياق معين. ذلك أن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة متكافئة
فالمؤسسة العسكرية، بحكم امتلاكها لأدوات العنف والسلاح والتنظيم، ليست مجرد فاعل سياسي، بل هي الفاعل الأكثر قدرة على فرض إرادته وحسم الصراعات لصالحه
إن وضع العسكري والمدني في كفة واحدة يتجاهل اختلال ميزان القوة الجوهري. ومن الطبيعي أن يتم استخدام خطاب “المسؤولية المشتركة” لتخفيف الضغط على العسكر وتوزيعه على قوى مدنية أضعف بكثير. هناك فرق بين المسؤولية القانونية والأخلاقية الواضحة للعسكر كمنفذي انقلابات، والمسؤولية السياسية للقوى المدنية عن فشلها في بناء تحالفات واسعة أو مواجهة إرث الدولة العميق.
الحديث عن مسؤولية مشتركة في الوقت الحالي، بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 والحرب المدمرة التي تلت ذلك، قد يُقرأ كشكل من “تسوية الأطراف” على حساب الضحايا وملايين النازحين والقتلى
هذا لا يعني تبرئة القوى المدنية من أخطائها، لكنه يعني ضرورة التمييز بين مسؤولية الفاعل القوي ومسؤولية الفاعل الضعيف، وبين من يملك القدرة على تدمير الدولة ومن يملك فقط أحلاماً في إصلاحها
سابعاً حياد الدولة… المفهوم الملتبس
يدعو المقال إلى بناء دولة “محايدة” تجاه الهويات، وهذا طرح وجيه نظرياً، لكنه يصطدم بواقع أن الحياد الكامل للدولة هو أقرب إلى المثال منه إلى التطبيق. فكل دولة، بحكم نشأتها وتاريخها، تعكس توازنات ثقافية واجتماعية واقتصادية معينة. ولا وجود لدولة محايدة بالمعنى المطلق
والأكثر من ذلك، في حالة السودان، فإن الحديث عن “الحياد” قد يخفي استمرار أنماط من الهيمنة غير المعلنة، بدلاً من معالجتها. فالدولة السودانية لم تكن محايدة يوماً؛ لقد كانت، منذ نشأتها في لحظة الاستعمار، أداة في يد تحالف اجتماعي محدد (النخبة المتمركزة في وادي النيل ذات المشروع الثقافي العربي-الإسلامي) لإدارة المجتمع واستغلال موارده
المطلوب إذن ليس حياداً مستحيلاً، بل إعادة تعريف الدولة بحيث تكون معبرة عن كل مكونات المجتمع بشكل عادل، وهذا يقتضي تغييراً جذرياً في علاقات القوة، وليس مجرد صياغة دستورية جديدة
إنه يقتضي إعادة توزيع الثروة والسلطة، وكسر الاحتكارات، وبناء مؤسسات تمثل الجميع. وهذا مشروع سياسي طويل، وليس وصفة قانونية جاهزة
سؤال لم يُطرح
ربما السؤال الأهم الذي لم يتوقف عنده المقال هو: هل المشكلة في كيفية إدارة الدولة… أم في شكل الدولة نفسها؟ فالدولة السودانية، كما تشكلت تاريخياً، هي نتاج لحظة استعمارية رسمت الحدود وفرضت نموذج الحكم المركزي المستبد، ودعمت نخباً معينة على حساب أخرى
ومع تراكم الأزمات والحروب والانفصال، بات من المشروع التساؤل هل يمكن إصلاح هذا النموذج من الداخل، أم أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير؟
ربما نكون بحاجة إلى نقاش جذري حول طبيعة الدولة في السودان هل هي دولة لكل المواطنين، أم دولة لفئة على حساب فئات؟ هل هي دولة ديمقراطية توزع الثروة، أم دولة طفيلية يستفيد منها محيط ضيق حول السلطة؟ وهل يمكن لهذه الدولة، بصيغتها الحالية، أن تتحول إلى أداة للعدالة والتنمية، أم أنها تحتاج إلى تفكيك وبناء جديد من القاعدة إلى القمة؟
بينما ننشغل بإدارة “الثنائيات” والبحث عن “الصيغة الدستورية السحرية”، قد يكون الأجدر بنا أن نسأل من صمم قواعد هذه اللعبة أصلاً؟ ومن يستفيد من استمرارها؟ ومن لديه مصلحة حقيقية في إنهاء الأزمة؟
هناك فقط… يبدأ النقاش الحقيقي.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم