الثورة والإصلاح الديني (٣) .. بقلم: د. قاسم نسيم حماد حربة
إنما الذي أريد أنْ أقوله إن دعاوى التغريب التي بدأت تطفر في الساحة في الآونة الأخيرة، عقب نجاح الثورة، وأقصد بها الدعوة لإقامة مذاهب الغرب ورؤيته في قضايا لها في الدين آراء راسخة دون الاكتراث لطبيعة المجتمع السوداني وثقافته، ودون التحسب لردة فعله إذ ربما ظن أن الأمر استقصاد لدينه وما شرع بل إنه فهم ذلك، فيؤدي بنا ذلك إلى معارك ومزالق، نحن في غنىً عنها، وستفرغ الثورة من مضامينها وستجعل الثوار ينفضون عن لحمة الثورة وحمايتها وحراسة أهدافها، ويتفرقون، لأن الإسلام دين له طاقة جبارة وقوة وثبات في قلوب معتنقيه لا تجدي معه محاولة خارجة عنه لزحزحة أحكامه، ولا يزلزله علم مُدعٍ، ولا برهان مفترٍ، فهو عقيدة محلها النفوس، ومعلوم أن كتاب “الخالدون مائة أعظمهم محمد” لمايكل هارت لم يقدم فيه مؤلفه النبي الكريم لإيمانه بدعوته إنما لقوة أثر دعوته في معتنقيها بصورة أشبه بالإعجاز، إذ استطاع بحفنة من بدو الجزيرة العربية لم تتطرق إليهم حضارة، ولم يلتحفهم علم، بل كانوا يشكون المسغبة، ويقتلون الولد خشية الاملاق، استطاعبهم أن يفتح العالم في فترة وجيزة ويحطم أقوى الإمبراطوريات مما أدهش الناس، لذا فإن للإسلام طاقة قد تسوق معتنقيه إلى المناجذة إن رأوا ثمة استهدافا لدينهم، فالأمر إذن ليس بالهين كما قد يتصوره حاملو كبره، مجرد خطبة أو هتاف يردده بعضهم خلف أحدهم، فيأخذه الزهو فيشطح ويمرح، لكننا بعد كل هذا بحاجة إلى إصلاح للدين، وعصرنة لأحكامه وفقهه، ليستوعب الزمن، ولينزال عنه ما التاثه من تشويه، ويبعده عن المتاجرة السياسية، والانحياز الثقافي، فالدين أطهر من ذلك، فما السبيل، السبيل إلى ذلك يأتي عن طريق الإصلاح من داخله، وهدم كثير من الموروث الذي علق به وهو ليس بأصل فيه، فكل معتلق بمقتضى العصر هو بصمة عصره وليس بدين، وكل معتلق بثقافة هو شأن ثقافي لأقوام اعتلق بالدين وليس بدين، فالدين لا ثقافة له وإلا فهو منحاز لثقافة قوم على حساب آخرين وهذا يبطل عالميته، ويحصر جغرافيته، وقد بدأ الإصلاح الديني في أوربا بقومية الكنيسة في البلدان الأوربية فنشأت في كل بلد كنيسة وطنية منعتقة عن البلدان الأخرى، وقد يؤمن بالإصلاح نفرٌ ويرفضه نفر، وهذا شأن طبيعي فتدور المناظرة بين المصلحين والمتزمتين، وهكذا يحدث الجدل، فإن كانت حجج المصلحين أقوى استقام لها الأمر وتوطَّأت لهم الأرض ولو بعد حين، والفرصة الآن مؤاتية، والأسئلة ملحة تتطلب الإجابة.
لا توجد تعليقات
