الجسد الذي لا يطلب الغفران: عن التعري كفعل مقاومة

بقلم: إدوارد كورنيليو

في عرض مسرحي أقيم في كمبالا، وقف الفنان السوداني محمد تروس على الخشبة، وخلع ملابسه أمام جمهور من أبناء الجالية السودانية. لم يكن ذلك فعلاً استعراضياً أو لحظة عبثية، بل صرخة جسدية، عارية، في وجه القمع، النفي، والرقابة. أثار هذا الفعل جدلاً واسعاً، انقسمت حوله الآراء بين من رآه انحرافاً عن الذوق العام، ومن قرأه كفعل احتجاجي رمزي، يعرّي السلطة أكثر مما يعرّي الجسد.

ما فعله تروس لا يمكن فصله عن السياق الذي أنتجه. نحن أمام فنان منفي، يحمل على جسده آثار وطن ممزق، وثورة مخنوقة، وذاكرة مثقلة بالقمع. في مثل هذه اللحظات، لا تعود اللغة كافية، ولا تعود الكلمات قادرة على حمل الألم. فينطق الجسد. يتكلم بلحمٍ مكشوف، بظهرٍ بلا درع، بصدرٍ يواجه العالم دون وساطة. الجسد هنا ليس موضوعاً للفرجة، بل أداة مقاومة. ليس جسداً فردياً، بل جسد جماعي، يحمل في عريه كل من جُرّدوا من صوتهم، من أرضهم، من كرامتهم.

في المجتمعات التي تهيمن عليها الرقابة الأخلاقية، يُقرأ التعري غالباً كفضيحة. لكن في سياقات أخرى، يصبح التعري فعلاً سياسياً بامتياز. جسد لا يطلب الشفقة، بل يطالب بالاعتراف. جسد لا يُعرض للبيع، بل يُعرض كوثيقة، كأرشيف حي للعنف، كصرخة لا يمكن إسكاتها. حين يتعرى تروس، لا يفعل ذلك ليصدم، بل ليكسر جدار الصمت. ليقول: “لقد أخذتم كل شيء، حتى ملابسي، لكني ما زلت هنا، واقفاً، شاهداً، ومحتجاً.”

المسرح، في جوهره، ليس مكاناً للترفيه فقط، بل فضاء للصراع. خشبة تُعرض عليها التناقضات، وتُختبر فيها حدود السلطة. حين يُستخدم الجسد في هذا السياق، يصبح أكثر من مجرد أداة تمثيل. يصبح ساحة معركة. وكل حركة، كل صمت، كل تعرٍ، هو موقف. هو إعلان رفض. هو تفكيك للمعايير التي تفرضها السلطة على ما يجب أن يُقال، وما لا يجب أن يُرى.

لكن هذا الفعل، رغم قوته الرمزية، لم يُفهم على نطاق واسع. غياب التأطير داخل العرض، وصدمة الجمهور، جعلا من التعري لحظة ملتبسة. البعض قرأها كاستفزاز، لا كاحتجاج. وهذا يكشف عن فجوة عميقة بين نية الفنان، واستعداد الجمهور لتلقي هذا النوع من الخطاب الجسدي. فالفعل الرمزي، كي يُفهم، يحتاج إلى وعي، إلى سياق، إلى لغة مشتركة. دون ذلك، يتحول إلى صدمة فارغة، أو إلى مادة للتهكم.

ومع ذلك، فإن الجدل الذي أثاره العرض ليس دليلاً على فشله، بل على نجاحه في تحريك المياه الراكدة. في طرح الأسئلة التي نخشى مواجهتها: من يملك الحق في تمثيل الجسد؟ من يحدد حدود المقبول؟ ما العلاقة بين الفن، الأخلاق، والسلطة؟ هذه الأسئلة، وإن لم تُجب، تظل ضرورية. لأنها تفتح الباب أمام نقاش أعمق حول معنى الفن، وحدود التعبير، ووظيفة الجسد في زمن القمع.

لا يمكن تجاهل أن هذا العرض لم يُقدَّم في الخرطوم، بل في المنفى. في مدينة أفريقية أخرى، بعيدة عن الرقابة الرسمية، لكنها ليست بعيدة عن الرقابة المجتمعية. وهذا يضيف طبقة أخرى من التعقيد: فالفعل لا يواجه فقط سلطة الدولة، بل أيضاً سلطة العادات، والتقاليد، والخوف الجماعي من الخروج عن المألوف. في هذا السياق، يصبح الجسد العاري جسداً مهدداً، لا لأنه عارٍ، بل لأنه يرفض أن يُطوّع.

ما فعله تروس ليس جديداً في تاريخ الفن. كثير من الفنانين استخدموا الجسد كأداة صدمة، كوسيلة لكسر الحواجز، كمنصة للبوح. لكن في السياق السوداني، وفي ظل ثورة لم تكتمل، يصبح لهذا الفعل طابع خاص. إنه ليس مجرد تجربة فنية، بل موقف سياسي، أخلاقي، وجودي. جسد يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. جسد يصر على أن يُرى، لا كسلعة، بل ككائن مقاوم.

في النهاية، لا يمكن الحكم على هذا الفعل بمعايير الجمال أو الأخلاق فقط. بل يجب أن يُقرأ في ضوء السياق، النية، والرسالة. وربما الأهم من كل ذلك: في ضوء ما أثاره من أسئلة، وما كشفه من تناقضات. فالفن، حين يكون صادقاً، لا يُرضي الجميع. بل يُربك، يُحرّض، ويُجبرنا على إعادة النظر في أنفسنا، وفي العالم من حولنا.

الجسد الثائر، حين يتعرى، لا يطلب الغفران. بل يعلن، ببساطة، أنه لم يعد يملك ما يخسره. وهذا، في ذاته، فعل مقاومة.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

“الحزن النبيل لا يرحل: مصطفى سيد أحمد بعد ثلاثين عامًا”

بقلم: إدوارد كورنيليو في السابع عشر من يناير من هذا العام، تمر ثلاثون سنة على …