الجميع على حد سكاكين

بقلم عمر العمر

حرب الخليج الثالثة دخلت شهرَها الثاني . الطرفان يتبادلا قصفَ الشروط تحت القصف .ترامب ونتانياهو ألحقا أضرارًا فادحةً بالبنى الإيرانية . لكن نظام الملالي لم يركع بعد . العملية الجراحيةُ الخاطفة بترت الرأسَ غير أن الجسدَ المترهل لا يزال ينبضُ عسكريًا وسياسيًا . كأنما يصر النظام على ممارسة – الهاريكاري – الانتحاري على الطريقه اليابانية.دول الخليج تتعرض إلى عدوانٍ شرس من الحرس الثوري بينما تظهر مهارات المشي بثبات على حد السكين . فهي قادرة على الصمود والنأي عن الانزلاق إلى المستنقع . حزبُ الله لا يكتفي بتأكيد العند الوجودي .بل يستأنف ارسال كرات النار إلى الاسرائليين . اللبنانيون يواصلون تسديدَ فواتيرَ التدمير والتهجير المفتوحة .الحوثيون يخرجون من كهوفهم بغية اشعال باب المندب فيما يحبس العالمُ أنفاسه داخلَ مضيق هرمز . أسعار الطاقة تحرقٌ بطون الاقتصاد . تغييرُ الشرق الأوسط حلمٌ أميركي -اسرائيلي قديم . ترامب ونتانياهو لم يدركا أنّه ليس بالعنف تتحقق الأحلام . التفاوض لم يكن خيارا في الحسابات الثنائية غير أنه صار محطةً اضطرارية . كلاهما يرقص على حد السكين متأرجحًا بين ما عجزت عنه البندقيةُ وما لن تنجزه الدبلوماسية!

الحرب الخاطئة دخلت معاركَ إملاء الشروط وانتزاعِ التنازلات . الطرفان يمارسان قسرًا المشي على حد السكين . جولات التفاوض تشهد قتالاً شرساً باسلحة الإذلال والأذى والمناورة المتاحة . الحواراتُ داخل الغرف المغلقة تجري بينما يمارس المتقاتلون اطلاق الصواريخ والمسيرات . الجانب الإسرائيلي- الأميركي يستهدف استنفاد مخزون الايرانيين من الصبر و الصواريخ . الحرس الثوري يختبر قدراته على الصمود و استنفار اجنحته بغية زيادة فوهات الضغط على الآخرين . إنها جولات عض الأصابع انتظاراً لمن يصرخ أولًا . في لهيب المعارك تتدنى شعبيةُ ترامب كلّما تصاعدت موجات التظاهر داخل المدن الأميركية . اسرئيل تعايش كوابيسَ لم تراود أجيَالها وسط أدخنة الرعب . أسعار النفط و الغاز لا تحتمل انتظار المجهول . واشنطن تكابد جفوةً وسط حلفائها . ترامب يشكو الاحباط تجاه الناتو .رياحُ استياءٍ تضرب عواصمَ ،ربما شعوبًا، في المنطقة ازاء ما يسمى بالنظام العربي .

هذه ليست الحرب الكبرى الأولى في الشرق الأوسط . العدوان الثلاثي استهدف مصر . اميركا غيّرت بوصلتها فقادت حربين في الخليج . الأولى في عهد بوش الأب ،الثانيةُ إبان ولاية بوش الابن . رغم بروز العراق محورًا ساخنًا في الحربين إلا أن للعرب باعا طولى فيهما .حرب بوش الأب اتخذت- ربما – صبغةً دفاعية إذ استهدفت احتواء سياسات الهيمنة الاستبدادية القُطرية . حرب بوش الابن انتقلت إلى الطابع الهجومي فغايتُها فرضُ الهيمنة الأميركية تحت مظلة مكافحة الإرهاب . الحرب الراهنة مصبوغةٌ بالمغامرات الشخصية إذ يهرب عبرها نتانياهو من معاركه الداخلية .ترامب وقع ضحيةَ طموحاته الذاتيه محاولاً تكريسَ صورة الرئيس الأعظم القادرِ على صنع تاريخٍ عظيم للدولة العظمى ذاتِ الجيش الأقوى . لذلك ارتبكت أهداف الحرب المعلنةُ و ادارةُ مراحلها وفقًا لإحداثياتها ، ليس في سياق استراتيجية مرسومة مسبّقة .هكذا تداعت الغاياتُ من تصفية النظام إلى تغيير سلوكه مرورًا بتجفيف مصانعَ الصواريخ البالستية ومستودعاتها، ثم تدميرِ البنى النووية كلها فإعادة فتح ممر هرمز . عند كوة احتمالات التفاوض تسربت نبرة الحديث عن تأمين السلم الإقليمي.

هكذا وجد ترامب و شريكه الصهيوني نفسيهما يمارسان الرقص على حد السكين ،فمع التوغل في الحرب والزمن لم يلُحْ للحسم بارقٌ . الانتقال إلى الجبهات الدبلوماسية يمثل ضربا من الرقصة الخطِرة .فبناءُ التفاوض على عبر الوسطاء يغري بإملاء الشروط وانتزاع المكاسب مع هدر الزمن أو استثماره . فترامب يحرّك بشبح الحرب البرية . تلك مغامرةٌ ربما تستدعي أميركيًا توابيت مستنقع فيتنام . لا أحدَ يعلنُ عدد ضحاياه بقدر ما يركز على خسائر الآخر . اختلال موازين القوى في ظل الواقع المهترئ لن يفضي إلى إنتاج حلول سلمية دائمة . فالحوار في مثل هذه الظروف يمنح اسكات فوهات النار الأولوية. السلم الإقليميُ يتطلب صوغ استراتيجية تتجاوز الشأن العسكري إلى المحاور الاقتصادية ، السياسية والثقافية . هذه الرؤيا ليست واردةٌ على طاولة التفاوض إذ تدار اللعبة بروح انتصار القوي وهزيمة الضعيف على الجبهات الساخنة .

من هنا تبرز العقباتُ أمام الحلول الدبلوماسية . فالنظام الإيراني المتكابر لن يقبلَ تسويةً من منطلق تصنيفه في موقع الهزيمة رغم ما أصاب الدولة من دمار ماحق . إغلاق مضيق هرمز محاولةٌ حمقاء لإثبات حقيقة جوهريةٍ غيّبتها التقديرات الخاطئة ؛ دورُ الاقتصاد سلاحا في الحرب كما في السلم . في الوقت نفسه فإن ترامب لا يريد فقط انتصارًا على إيران ،بل يود تأكيد تفوقه في أمركة العالم قاطبة كيدًا في حلفائه وخصومه. نفرة الشرق والغرب خوفاً من اتساع زمن الحرب ورقعتها يرجّح اللجوء إلى عسكرة التفاوض أكثر من تسييسه . نتائج هذا التوجه تحدث غالبًا عملية تخديرٍ تُسكّن الأعراض لكنها لن تكون حتمًا جراحةً ناجعة تستأصل المرض .

على مدى ادراك الوسطاء كل هذه المخاوف و العُقد و العقبات تحقق جهودهم قدرا من الغايات لجهة بناء جسور العودة إلى السلام . هذا هدفٌ لن يتبلور مالم يكن لدول المنطقة فيه سهمٌ . الراحل هنري كيسنغر بنى نجاحه الدبلوماسي على الاعتراف بكل الأطراف الحاضرة في المشهد الشاخص . لعله أكثر الساسة المعاصرين انشغالا بشؤون الاقتتال والتفاوض . ربما أغزرهم علمًا في هذا الصدد . في رصيده ٢١ كتابا في شأن الأمن القومي . نجاحاته تنداح من السويس إلى الصين مرواً بفيتنام .الوسطاء يمارسون الرقص على حد السكين . هم لا ينتمون إلى فضاء الحياد التجريدي . فإذا لم تمسَّهم ألسنةُ الحرب تطالهم حتما حمى صراع المصالح . ليت كل الأطراف تستوعب حكمة كيسنغر (لتكن الحربُ الاحتمال الأخير و ليكن الهدفُ منها العودة السريعة إلى السلام ). كلّما ظلت الجبهات مشتعلة تتراكم خسائر البنى العسكريه والمدنية . ذلك عبء لايزيد فقط كلفةَ إعادة البناء ،بل يطيل كذلك أمد الاستشفاء الإيراني والتعافي على الصعيد الإقليمي .

aloomar@gmail.com
نقلاً عن العربي الجديد

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

من يتجرع الدواء المر

بقلم عمر العمرمن الممكن ابتدار الحرب .لكن ليس من اليسير انهاءها .للرهان الاميركي الاسرائيلي على …