الجنائية وشبح العدالة الدولية .. بقلم: محجوب الباشا

أخيراً سحب الإدعاء في المحكمة الجنائية الدولية التهم الموجهة للرئيس الكيني اوهورو كينياتا لعجزه عن توفير الأدلة الكافية لإدانة المتهم ، وقد قوبل القرار بالكثير من الترحيب والسعادة بين مؤيدي الرئيس كينياتا في العاصمة الكينية ودعا بعضهم لإسقاط التهم ضد نائب الرئيس ويليام روتو والصحفي جوشوا سانغ اللذين لا زالت قضيتاهما معروضتان أمام المحكمة. من جانبه عبر رائيلا أودنقا زعيم المعارضة والمنافس اللدود للرئيس كينياتا في تصريحات صحفية عن سعادته لقرار المحكمة ، غير أنه أعرب في نفس الوقت عن أمله في أن يتفرغ الرئيس كينياتا منذ الآن فصاعداً لممارسة مهامه الرئاسية في مواجهة المشاكل المعقدة التي تعيشها البلاد وعلى رأسها استشراء الإرهاب الذي حصد الكثير من الأرواح. 
كان من الطبيعي أن تعرب المدعية العامة للمحكمة عن أسفها للقرار مؤكدة أن اليوم الذي أعلنت فيه قرارها “يوم أسود” من أيام العدالة الدولية. وقد ألقت المدعية العامة باللائمة على الصحافة الكينية التي قادت حملة منظمة لإحباط مهمتها ، وعلى عدم تعاون الحكومة الكينية التي رفضت تسليم الوثائق الخاصة بالمحادثات التلفونية للرئيس كينياتا عند وقوع الأزمة في عام 2007 وحساباته بالبنك والتي يعتقد الاتهام بأنها تحوي الكثير من الأدلة التي تخدم قضيته. كما أشارت المدعية العامة لانسحاب العديد من شهود الاتهام المحوريين بعد الضغوط التي تعرضوا لها من جانب الرئيس كينياتا وأنصاره ، ورفض الكثيرين من الإدلاء بشهاداتهم خوفاً من الانتقام. غير أن الإدعاء ترك الباب موارباً عندما أكد أن القرار لا يعني أن الرئيس كينياتا برئ من التهم الموجهة له ، وأن القضية سينظر فيها لاحقاً في حال توفر أدلة جديدة. لا شك أن قرار الإدعاء بسحب القضية ، ولو بصورة مؤقته ، يعتبر انتصاراً للرئيس كينياتا ونجاحاً للاستراتيجية التي اتبعها. غير أن هناك عدداً من الأمور التي يثيرها القرار الذي يمثل البادرة الأولى من نوعها في تاريخ المحكمة. سبق للمحكمة بالطبع أن برأت في عام 2012 المواطن الكونغولي ماثيو تشوي أحد زعماء الحركات المتمردة من تهمة ارتكاب جرائم حرب ، غير أنها عجزت حتى الآن عن اعتقال أربعة من المطلوبين للمثول أمامها.
سعت الحكومة الكينية كما هو معلوم عبر وسائل عدة لوقف محاكمة الرئيس كينياتا ، فقد كانت وراء القرار الذي أصدره الاتحاد الأفريقي في مايو 2013 بعدم مثول أي رئيس أفريقي أمام المحكمة خلال توليه للحكم ، وهو الأمر الذي لم يلتزم به الرئيس كينياتا نفسه. وقد وقفت الحكومة الكينية بقوة خلف الاتهامات التي وجهت للمحكمة بأنها عنصرية وأنها تستهدف الأفريقيين دون غيرهم ، كما أنها مارست الضغوط على أهم شهود الاتهام الذين انسحبوا تباعاً كما كان تعاونها مع المحكمة مشكوك فيه كما أشرنا أعلاه. ولم تكتف الحكومة الكينية بإحباط جهود المدعي العام ، بل ذهبت لأبعد من ذلك حيث أعلن بعض نواب الحزب الحاكم بالبرلمان الكيني أنهم سيطالبون في اجتماع قادم للبرلمانيين من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية بتعويضات للرئيس كينياتا على ما تكلفته التحقيقات من وقت ومال.
مرة أخرى تؤكد قضية الرئيس كينياتا أن هناك العديد من الطرق التي يمكن للجناة أن يتفادوا بها الوقوف أمام المحكمة الجنائية الدولية. من جانبها أشارت صحيفة “ستار” الكينية إلى ان الحكومة كانت في غنى عن كل ذلك لو أن القضاء الكيني كان يملك من الصلاحيات ما يتيح له محاكمة “القطط السمان”. وطالبت الصحيفة في مقال افتتاحي بالعمل على تلافي هذا النقص حتى لا تتعرض الدولة مرة أخرى لما تعرضت له خلال محاكمة الرئيس كينياتا. من جانب آخر ، فإن الكثير من الآراء تشير إلى أن تبرئة الرئيس كينياتا لا تحقق العدالة الملطوبة لأكثر من ألف قتيل فقدوا أرواحهم في الأحداث التي أعقبت انتخابات عام 2007 في كينيا و600 ألف تشردوا ولا زالت مظالمهم تسجل ضد مجهول ، ومئات العائلات التي فقدت أبناءها وبناتها ومصادر رزقها. ولا شك أن المحكمة الجنائية الدولية بعجزها عن محاكمة الرئيس كينياتا تؤكد بصورة لا لبس فيها أن العدالة الدولية لا تزال مطلباً بعيد المنال، خاصة وأن العدالة الجنائية لا تمثل إلا جانباً واحداً فقط من جوانب العدالة الدولية المفقودة. ومما لا شك فيه كذلك أن المواطن المغلوب على أمره سيظل يطارد هذا الشبح لوقت قد يطول. 
mahjoub.basha@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً