بقلم الريح عبد القادر
حظي الزعيم العسكري البوركيني إبراهيم تراوري بشعبية جارفة في بلده وعلى امتداد إفريقيا.
بيد أن الاحتفاء بتراوري، إن كان بسبب خصاله الشخصية أو بعض سياساته، لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: هل النظام الذي أتى به قادر على إنتاج الاستقرار السياسي في بوركينا فاسو، وبالتالي هل من الممكن استنساخه عبر أفريقيا؟
ليست المشكلة في أن يكون الحاكم صالحا أو مخلصا، وإنما في أن يكون النظام نفسه صالحا للاستمرار.
فالنظام الذي يقوم على الانقلاب يظل يعاني من معضلة الشرعية. ولأنه لم يصل إلى السلطة عبر آلية متفق عليها، فإنه لا يملك ضمانا مؤسسيا للبقاء. ولذلك يصبح هاجسه الأول هو حماية نفسه من انقلاب مضاد أو تمرد أو اضطراب داخلي.
ومن هنا ينشأ ميل طبيعي إلى توسيع الأجهزة الأمنية، والصرف عليها على حساب الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة والتمية، وإعطاء الأولوية للإنفاق على تثبيت الحكم قبل الاستثمار في بناء الدولة، والتضييق على الحريات. فلا يعود الأمن وسيلة لحماية المجتمع، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى الوسيلة الأهم لحماية النظام نفسه، حتى يتبوأ المقام الأول في سلم أولويات الدولة.
وقد يحقق قائد انقلابي، كما تسنى لتراوري، بعض النجاحات الاقتصادية أو الأمنية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الإعجاب به هو: هل أنشأ مؤسسات تستطيع أن تستمر بعد رحيله، أم أن الدولة كلها أصبحت رهينة لبقائه؟
هل من الحكمة أن نرهن حاضر أمة ومستقبلها بحياة شخص واحد؟
ينبغي ألا يتحدد بقاء الدولة بقدرة الحاكم على البقاء، وإنما ينبغي إنشاء نظام قادر على نقل السلطة بسلام، مهما تغير الأشخاص. فإذا كان استقرار الدولة يتوقف على بقاء قائد واحد، فإنها تظل، مهما بدت قوية، في وضع هش، لأن مصيرها معلق بمصير فرد، لا بقوة مؤسساتها.
ولذلك فإن استلهام تجربة تراوري، أو أي قائد آخر، ينبغي أن يكون انتقائيا ومحدودا؛ فنستلهم ما فيها من استقلالية وإرادة وطنية، لكن دون أن نتغافل عن أن الانقلاب، بوصفه وسيلة للوصول إلى الحكم، يظل يحمل في داخله بذور عدم الاستقرار، ويغري بتحويل موارد الدولة وحرياتها إلى أدوات لضمان بقاء السلطة.
وفي هذا السياق، يؤثر عن البروفسور المرحوم الطيب زين العابدين كلامة كتبها في ذم الانقلابات العسكرية ينبغي أن يحفظها جميع السودانيين من لدن مدارس الأساس. يقول البروفيسور الراحل:
“في ما يتعلق بالانقلاب نفسه، أنا شخصيا، كان واضحا بالنسبة لي، أن الانقلاب لا يقدم نموذجا لحكم إسلامي على الإطلاق، مهما كانت شعاراته، ومهما كان صدق المجموعة التي قامت به، بسبب أن الانقلاب العسكري له ديناميكية ذاتية، وأهم هدف لأي انقلاب عسكري، في أي مكان في الدنيا، أن يؤمن نفسه بالسلطة بأي ثمن، وبأي وسيلة؛ وهذه الوسيلة يمكن أن تكون سجن الآخرين، أو فصلهم عن العمل، ويمكن أن تكون التعذيب أو النفي من الأرض، وهذا يتعارض مع الإسلام ومبادئ الحركة الإسلامية، ولا تستطيع أن تقف في وجه ديناميكية الانقلاب مهما حرصت”. انتهى الاقتباس.
لم يصادفني قول موجز في بيان سوءات الانقلابات العسكرية مثل هذه المقولة المضيئة. فهناك ملايين من المثقفين السودانيين لا يزال موقفهم من الانقلابات مذبذباً. وكثيراً ما يصعقك أحدهم وهو يتحسر على عهد عبود أو عهد النميري. وكثيرا ما يُمني بعض الغافلين أنفسهم بـ”عسكري كارب قاشو” يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. لجميع هؤلاء، ولغيرهم، تظل مقولة البرفسور الطيب زين العابدين تطلّ من علٍ إطلالة بدر العلم في ليلِ جهلٍ حالك السواد.
وفي السودان، على وجه الخصوص، نعيش تناقضا واضحا حين نرفض أي دور للعسكر في السودان، بينما نصفق في الوقت نفسه لتراوري في بوركينا فاسو.
فإن كان المعيار هو رفض الانقلابات من حيث المبدأ، فينبغي أن يطبق على الجميع. وإن كان المعيار هو النتائج والإنجازات، فينبغي أيضًا أن يطبق على الجميع.
أما تغيير المعيار بحسب البلد، أو بحسب الهوى السياسي، فهذا هو عدم الاتساق في أوضح صوره.
-بقلم الريح عبد القادر-
elrayahabdelgadir@gmail.com
