talaat1706@gmail.com
جاء في ” آن أوان التغيير” التي صاغها المرحوم الخاتم عدلان بداية تسعينات القرن الماضي فى نقد تجربة الحزب الشيوعي ، ما يلي:
“ان ازمة المشروع الماركسى تتمثل في انه راهن على حصان بدا جامحا ولكنه اصيب بالوهن فى منتصف الطريق . ولعله سيكون من المفيد ان نتذكر ان تعلق ماركس بالبروليتاريا كان فى اساسه تعلقا رومانسيا لفتى لم يتعدى العشرين الا قليلا عندما كان يبحث عن العدالة المطلقة ، فاستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص ، واصبغه على طبقة اثارت شفقته ، واستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة . وقد ظل ماركس فى نضجه وشيخوخته امين امانة مدهشة ، لمشروع كان قد صاغه فى صباه . ان من يقرأ نصوصه حول العمال الفرنسيين ، والعمال المهاجرين الالمان – الذين يشع النبل من اجسادهم – سيدرك بسهولة ما نرمى اليه . ان المطلع على اعمال ماركس لن يجد فى ترشيحه للبروليتاريا لقيادة التاريخ الإنسانية سوى أسباب واهية “.
استنكر الشوعيون تشبيه الخاتم للطبقة العاملة في النص بعاليه بمفهوم المسيح المخلص باعتبار ان ترشيح كارل ماركس للطبقة العاملة لقيادة التاريخ ينهض علي منهج علمي اساسه فلسفة الجدل او الدياكتيك بينما الاديان تقوم علي تصورات مثالية طوباوية. بنفس القدر يحتار كثير من الشيوعيين انفسهم اليوم من موقف حزبهم الذي ظل يدعم الجيش باعنباره مؤسسة وطنية رغم انه كان من اشعل الحرب اللعينة وما يزال يقف ضد كل المبادرات من اجل ايقافها!.
من المفهوم ان فلسفة الجدل التي يقوم عليها ترشيح الطبقة العاملة لقيادة المستقبل، في اساسه منهج جدلي كان قد صاغه الفيلسوف الالماني جورج هيجيل وقد كان ماركس من الهيجليين الشباب قبل ان يتبني المفهوم المادي للتاريخ ويقر بصحة ديالكتيك هيجيل ولكنه وصفه بأنه كان مقلوبا ، وما فعله هو فقط تصحيحه ليقف علي رجليه بعد ان كان يقف علي رأسه عند هيجيل المثالي.
من المفيد ان نتوقف عند هذا الخطا الفلسفي الفادح، لأن هيجيل يعتبر من بين فلاسفة ما بعد الفيلسوف الالماني العظيم ايمانويل كانط او ما بعد الكانطية ، وهم كثر. لكن هيجيل صاحب فيمنولوجيا الروح، كان قد ارتكب خطأ جسيما حينما بنى علي فلسفة كانط بطريقة أدت الى تشويهها تماما وحرفها عن طريق المعرفة الجاد بإعلانه ان العقل reason قادرا على ان يحيط بكل شيء ، مع ان اهم ما جاء في ” نقد العقل الخالص” عند كانط the critique of pure reason والذي يعد فيلسوف التنوير بلا منازع، هو ان للعقل حدود تقف عند دراسة الظواهر وفق شروط طريقة عمل العقل البشري الذي يقوم ” بتركيب” المعرفة، ولا يمكنه معرفة الشئ في ذاته او في جوهره ولكن فقط من خلال خصائصه التي يستطيع العقل البشري ادراكها عن طريق الحواس الخمس.
وبذلك يكون كانط قد أحدث قطيعة كاملة مع المينافيزيقيا بعد الاستعانة بكل من المنهج التجريبى Emperisicim والمنهج العقلاني Rationalism اي كل من فلسفة هيوم وديكارت واخرين من العقلايين وذلك في تركيب جديد للمعرفة يزيل التناقض بينهما. فالسببية causality التي عزاها هيوم ومن قبله الغزالي الي ” العادة” habit، لأننا لانراها امام اعيننا، ولكننا نفهمها ونلاحظها بحدوث السبب ثم النتيجة في توالي زمني بحيث يأتي السبب أولا ثم نتيجته تاليا. أوضح كانط انها تحدث بسبب طبيعة العقل البشري لأن الزمان والمكان مجرد وهم لا وجود له في الواقع الموضوعي ولكنهما يشكلان طريقة عمل العقل وشروطه حتي تتم المعرفة.
نشأ كانط في أسرة متدينة وكان شديد الانضباط، ولكن ورغم ذلك، فقد ظل الرجل امينا علي المنهج العلمي في المعرفة وبرغم ايمانه بوجود الخالق، الا انه كان قد أوضح استحالة التحقق من وجوده بواسطة العقل وان الاستعانة بمنطق الجدل مثل ان الخلق يدل علي الخالق، فيما عرف بجدل الحضور والغياب، هو مجرد أوهام ميتافيزيقية لأن العقل لا يستطيع تصور الشي في ذاته دون معرفة خصائصه ومظهره.
إن تخريب وتشويه المعرفة عند كانط ورثته الماركسية عن هيجيل وبذلك تشكلت جيناتها المعرفية. ولذلك لا أندهش إطلاقا فى تصوير الخاتم للطبقة العاملة على انها بمثابة مسيح مخلص جديد. كذلك لا أندهش لمواقف الحزب الشيوعي الحالية التي تجعل من الجيش السوداني مؤسسة وطنية بعد اكثر من ثلاثة عقود من التمكين والتخريب، لأن المعرفة عند “الرفاق” مجرد ادعاء لا يسنده الواقع بأي حال من الأحوال. ولعله من سخرية الاقدار ان يستند الرفاق الي فلسفة الجدل الميتافيزيقية التي تؤمن فيما تؤمن بجدل الحضور والغياب ، والخلق يدل علي وجود الخالق كما تدل البعرة علي البعير.
طلعت محمد الطيب
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم