دكتور هشام عثمان
hishamosman315@gmail.com
تُشكّل االحروب الأهلية لحظات مأساوية في أي مجتمع، لكنها قد تحمل أيضًا إمكانات تأسيسية هائلة إذا ما جرى إدارتها فكريًا وسياسيًا بشكل واعٍ. في مقاله «The Last English Civil War»، يوضح فرانسيس فوكوياما أن سلسلة الحروب الأهلية في إنجلترا بين 1066 و1668، رغم عنفها الفظيع، ساعدت على تكوين دولة حديثة تقوم على احترام القانون والدستور وبناء مخيلة وطنية جامعة. المفارقة التي تواجه العديد من المجتمعات، وفي مقدمتها السودان، هي أن الحروب الأهلية غالبًا لا تتحول إلى لحظات تأسيسية؛ إذ يتم تفريغها من محتواها البنّاء، ويغلب عليها خطاب اليقين الزائف، حيث يصر كل طرف على امتلاك الحقيقة المطلقة، مما يعمّق الانقسامات ويحول مأساة الحرب إلى حلقة مفرغة من الصراع.
يمكن قراءة الحروب الأهلية ليس كأحداث عنف فقط، بل كـ«مختبرات» اجتماعية وسياسية تؤسس لمؤسسات وقيم جديدة. الحروب الطويلة تكشف هشاشة الأجهزة التقليدية وتفرض على النخب بناء مؤسسات بديلة. في إنجلترا، أدت سلسلة الصراعات إلى تطوير القانون والبرلمان كأدوات للحد من السلطة المطلقة للملك، فانتقل المجتمع من حكم فردي مستبد إلى دولة مؤسساتية، وفق ما أشار إليه فوكوياما. الحروب تفرض على المجتمع إعادة التفكير في مفهوم «الكل» و«الوطن». سرديات ما بعد الحرب، سواء من بطولات أو ضحايا أو مجازر، تدمج الذاكرة المجزأة في سردية وطنية مشتركة. مثال فرنسا، حيث الثورة الفرنسية ونابليون أنتجا قانونًا مدنيًا موحدًا (Code Napoléon) وعززوا شعور الانتماء إلى الدولة الحديثة. التحوّل البنّاء لا يحدث بالعنف وحده، بل عبر اتفاقات بين النخب تحول أجهزة العنف المباشر إلى مؤسسات رسمية مثل الجيش والشرطة، وتؤسس لاستقرار طويل الأمد.
إلا أن التحول البنّاء للحرب يحتاج شروطًا أساسية، وغيابها يورّط المجتمع في حلقة عنف متجددة. عندما تستفيد ميليشيات أو شبكات اقتصادية من استمرار الصراع، تغيب حوافز التسوية المؤسسية. في السودان، تمتلك المليشيات امتدادات اقتصادية وسياسية تجعل من الصعب تحويل الحرب إلى مخاض تأسيسي. كذلك، غياب مشروع سياسي يضمن مشاركة حقيقية يحافظ على النزاع، إذ يخشى كل طرف التهميش، فيتمسّك بالحل العسكري كأداة بقاء. بدلاً من إنتاج ذاكرة مشتركة، يستمر كل طرف في رواية مأساويته الخاصة، ما يقطع الطريق أمام تشكيل مخيلة وطنية جامعة. كما أن غياب مساءلة الجرائم يعمّق الانتقام ويغلق الطريق أمام التحوّل المؤسسي، بينما تزيد التدخلات الإقليمية والدولية المتضاربة من تعقيد المشهد، وتحرمه من فرض آليات بنيوية لتسوية الصراع.
تقدم التجارب التاريخية مقارنةً نافعة لفهم هذا التباين. في إنجلترا، أدّت الحروب الأهلية إلى تطوير البرلمان، القانون، واحترام مؤسسات الدولة، ما أسس لمخيلة وطنية جامعة. أما في فرنسا، فقد أعادت الثورة الفرنسية صياغة الدولة عبر القانون المدني، وأسست لمركزية مؤسساتية ودولة حديثة رغم عنفها المدمّر. في الولايات المتحدة، أنهت الحرب الأهلية العبودية وأدخلت تعديلات دستورية مهمة، لكن مرحلة إعادة الإعمار تعرضت للانتكاس، فظلّت الانقسامات العرقية عائقًا أمام العدالة الشاملة. في رواندا، نجحت محاكم gacaca في دمج المجتمع جزئيًا وتحويل الصراع إلى استقرار نسبي، لكن السلطة السياسية بقيت مركزة جدًا. جنوب أفريقيا استخدمت TRC لإطلاق مصالحة رمزية وبناء سردية وطنية جامعة، لكن الفوارق الاقتصادية والسياسية بقيت عائقًا أمام العدالة الاجتماعية الكاملة. أما في البوسنة، فقد أنهى اتفاق دايتون القتال لكنه رسّخ الانقسام، فظلت الدولة ضعيفة ولم تولد مخيلة وطنية جامعة.
في هذا السياق، يظهر اليقين الزائف كعامل معيق أساسي. في ظل تعدد الرؤى، يتحوّل اليقين الزائف إلى أداة لإغلاق قنوات الاعتراف، وتحويل الذاكرة إلى أيديولوجيا، وإضفاء الشرعية على الإفلات من العقاب، واحتكار السرد العام، مع تعزيز استمرار ربحية النزاع. النتيجة هي حلقة مفرغة من الصراع، لا تحول مؤسساتي ولا مخيلة وطنية، حيث تتجدد مأساة الحرب بلا توقف.
عند تطبيق هذه القراءة على السودان، تتداخل عدة عوامل تزيد من صعوبة تحويل الحرب إلى مخاض تأسيسي: شبكات ميليشياوية اقتصادية وسياسية، تعدد روايات متناحرة للذاكرة، غياب مساءلة واضحة للجرائم، تدخلات خارجية متناقضة، وانهيار الخدمات والمجتمع المدني. كل هذه العوامل تغذي اليقين الزائف، وتحوّل الحرب من لحظة تأسيسية محتملة إلى مأساة مستمرة.
يمكن اقتراح مسارات للخروج من هذه الحلقة، تشمل إجراءات أمنية وسياسية مثل وقف النار المشروط وحوافز لترك السلاح، وإصلاح قطاع الأمن ودمج القوات في مؤسسات رسمية، إلى جانب إجراءات مؤسسية وقانونية تشمل لجان تحقيق مشتركة وآليات انتقالية للعدالة المختلطة. على الصعيد التذكاري والثقافي، يمكن بناء برامج سردية عامة، ومدارس متخصصة، ومبادرات سردية محلية لتوثيق تجارب المنكوبين، فيما تتطلب الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية برامج إعادة اندماج اقتصادي وإصلاحات للموارد ونزاعات الأراضي، إلى جانب دعم إعلام مستقل ومحايد ومناهج تعليمية تعزز التفكير النقدي وتحد من اليقينيات المغلقة.
الحروب الأهلية، مهما كانت مأساوية، قد تُنتج دولًا ومخيلة وطنية إذا صُحِفّت عبر مؤسسات قانونية، سرديات جامعة، ومساءلة عادلة. أما في غياب هذه العناصر، وتحت هيمنة اليقين الزائف، تتحوّل الحرب إلى دائرة مستمرة من العنف والانقسام. الحل يكمن في تواضع دلالي: إدراك أن الحقيقة متعددة، وأن التأسيس الوطني يتطلب الجمع بين العدالة، المؤسسات، والمخيلة المشتركة، بعيدًا عن ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم