الحزب السياسي الحديث

الجميع على إدراك وعلى معرفة تامة بأهمية الديمقراطية كنظام وكروح وكممارسة حياتية. والجميع على علم بواجب ممارستها الصحيحة والسليمة والحقيقية في الإطار الأصغر “الحزب”، ومن ثم في الإطار الأكبر “الوطن”. ولا يستقيم ظلاً ممارستها في الأكبر دون حضورها الفاعل في الأصغر، ففاقد الشيء لا يعطيه بالضرورة.
والجميع يعلم باستحالة التعايش في سلام وفي أمن وفي امان وفي طمأنينة، في مجتمع متباين، دينياً وثقافياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وعلى أرض واحده تسمى وطن، دون إشاعة هذه الروح الديمقراطي ايماناً ومبدأً وممارسةً وتطبيقاً.
ولكن كيف لنا بإشاعتها وبنفخها في هذا البيت الكبير (الوطن)؟ والاجابة دائماً حاضرة، وتكون هكذا… لا بد لها أن تعيش فينا بحق وحقيقة أولاً، ثم تنبع مننا ومن دواخلنا، لتغمر بيتنا الأصغر (الحزب)، ومنه تُنثر وتُرسخ في بيتنا الأكبر (الوطن)، الذي يضم ويحتضن كل هذا الشتات، وكل هذا التباين، وكل هذا التعدد، وكل هذا التنوع، وبفضلها -بفضل الروح الديمقراطي- يصبح هذا الحضن حضناً حنوناً رؤوماً، جاذباً، لا منفراً ولا طارداً، ويصبح وطناً للجميع نسميه بحق وبفخر وبافتخار “وطنا السودان”.
والديمقراطية لا تنتمي لفرد واحد من الجماعة دون الآخرين، ولكنها لهم جميعاً، وهي بهم جميعاً، وهم سواسية في عباءتها وتحت مظلتها، وهم كأسنان المشط تحت خيمتها الفسيحة الرحبة الظليلة، فهي لنا وهي أيضاً علينا. والديمقراطي الحر هو ذلك الذي يقبلها بوجهها الجميل، وأيضاً هو مستعد، وكله استعداد، ليقبلها عندما تنقلب عليه، وتكشف له عن وجهها القبيح.
ولكي يكون ذلك كذلك، يجب أن نؤمن بها عقيدةً، وأن نؤمن بها مبدأ، وأن نؤمن بها ممارسةً، باعتبارها الفاروق الذي يفرق بين الحق وبين الباطل. فهي في جوهرها ممارسة أخلاقية، بها يبسط العدل في الأرض، وبها تشاع المساواة بين الناس، كل الناس، وبها يتم ترسيخ دولة الحق والواجب، وبها ينعم الجميع بالحرية وبالسلام وبالعدل وبالرفاهية.
اذن، ما هو الحزب السياسي؟ أولاً، ماذا نقصد بقولنا “أحزاب سياسية”؟ هناك الكثير من التعريفات العديدة التي تحاول أن تعطينا إجابة عن هذا السؤال البسيط العميق. ونأخذ من هذا الكم التعريفي، التعريف القائل.. (بأنها مجموعة من الأشخاص المتحدين معاً، والمتفقين على مبدأ خاص بهم، ويحققون من خلال مساعيهم المصالح العامة).
ومن هذا التعريف نستخلص بأنه واجباً على أعضاء الحزب التوحد فكرياً ووجدانياً وممارسةً، والاتفاق على مبدأ واحد خاص بهم، (وهذا الاتفاق لا يلغى الحرية الفردية اطلاقاً، ولكنه يشجعها، ليكون خلاصة الاختلاف هو اتفاق قوي ونافع ومفيد)، وأن يعملوا على ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وعليهم أن يفهموا بأن الحزب وسيلة لغاية، وهذه الغاية هي الوطن، وهي المواطن.
وهنا، يمكننا أن نحدد أهم العناصر الأساسية التي يقوم عليها تعريف الأحزاب السياسية أو الحزب السياسي، وهي كما يلي:
• أولاً: الحزب السياسي هو مجموعة من المواطنين أو الأشخاص،
• ثانياً: الحزب السياسي يفترض عنصر التنظيم. وربما يعتبر عنصر “التنظيم” بمثابة القاعدة الرئيسية والأساسية له (ولا تنظيم قوي وحي وفعال دون حضور ديمقراطية حقيقية، فيها كل الأعضاء سواسية لا تفضيل لعضو على عضو الا بمعرفته وجهده وتضحيته وباحترامه للرأي الآخر)،
• ثالثاً: الحزب السياسي يفترض توحد اهتمامات أعضائه حول منظومة من الأفكار (أيدلوجية أو عقيدة) أو (أرضية معرفية) هي التي تحدد لأفراده إطار حركتهم وعلاقاتهم بالمجتمع وبالنظام،
• رابعاً: الحزب السياسي يفترض الوصول الي السلطة (باعتبارها وسيلة وليست غاية) ويسعى لذلك باستمرار من أجل خدمة وطنه وخدمة المواطن، فالحزب السياسي خادم وليس بسيد.
ونستطيع أن نعرف الحزب السياسي بأنه مؤسسة حياتية، تطرح حلولاً واجابات لمشاكل الانسان الحياتية، اليومية والاسبوعية والشهرية والسنوية، وتطرح رؤي مستقبلية في شكل برامج شاملة، تترجم هموم وتطلعات الانسان الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. وتساعد هذه المؤسسة الحياتية في تذويب النعرات العنصرية والقبلية والجهوية والمناطقية، لأنها تعبر عن المجموع، لا عن فئة محدودة ومحددة من الناس.
ونقول بأن المهمة الأساسية للحزب السياسي هي توعية جماهير الشعب بحقوقهم وبواجباتهم، وتحريرهم من الجهل ومن الفقر ومن المرض ومن الخوف، سواء كان الحزب في الحكومة يحكم أو في المعارضة يعارض.
والحزب الحديث يجب أن يقوم على أرضية مكونة من أربعة أعمدة رئيسية، وهي المفكرين أو المنظرين، والعلماء أو الأكاديميين، والسياسيين، والجمهور أو جماهير الحزب. فتكون مهمة المفكرين والمنظرين هي توليد وخلق الأفكار النظرية التي تقود الي أن تكون هناك رؤية مستقبلية واضحة يستهدى بها الحزب في مسيرته الحياتية.
ثم يأتي دور العلماء والأكاديميين، وهؤلاء هم الذين يترجمون هذه الأفكار ويعملون على وضعها في شكل نظريات أو في شكل برنامج يكون قابل للقياس ويكون قابل للتنفيذ، وعلى السياسيين أن يكونوا هم الموصل الجيد لهذه البرامج للجمهور، ومساعدتهم في فهمها وفي هضمها، وبدعم هذا الجمهور يستطيع هؤلاء السياسيين إنزال هذه البرامج الي أرض الواقع تنفيذاً وتطبيقاً.
ودائماً ما تكون القيادة في الحزب الحديث غير التقليدي “غير المتخلف” في شكل قيادة جماعية، حيث لا يكون هناك أي وجود للزعيم الأوحد، ولا وجود لذلك القائد الملهم البطل الذي لا يشق له غبار. وعندما نقول “بالقيادة الجماعية”، فنحن نقصد بذلك حزب المؤسسات الديمقراطية، أي الحزب القائم على المؤسسية وعلى العلمية وعلى المعرفة. ولا نعني فقط وجود مؤسسات حزبية ميتة لا حياة فيها، ولكننا نشير الى تلك المؤسسات الحية النابضة بالحياة، وهي لا تكون كذلك الا أذا كانت روحها الحرية الفردية.
فالحرية الفردية هي التي تخلق الخلاف والاختلاف (الحوار) من أجل الاتفاق والتطور والتماسك. أما إذا كانت هذه الحرية الفردية غائبة، فمثل هذا الوضع الشاذ (الاتفاق الصامت الزائف – غياب الحوار) سيؤدي، لا محالة، الي الانشقاقات والي التشرذم والي الفناء والتلاشي في نهاية المطاف، وتكون كل الحكاية عبارة عن أثر بعد عين، والعياذ بالله.
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …