abuasim.khidir@gmail.com
الدكتور الخضر هارون
قال كان جدي ضمن قلة من المحظوظين ممن حصلوا علي التعليم العصري أيام الإنقليز ولم تلبث القراءة أن أصبحت هوايته المحببة فقرأ وقرأ إلي حد التخمة من كنوز الانقليز والعرب في الأدب والسياسة والفلسفة والأشعار حتي شاخ ولم ( يشوطن )كما قال بروفسور قبله بأن عاقبة ذلك أن تشوطن- (أي يصيبك مس من الشيطان اللعين) .ولم يرتوي أيضاً بل ظل عاكفا علي الكتب قديمها المهترئ وحديثها الطارف المغلف بالجلد السميك الفاخر فكأن القرأة أصبحت لديه مظنة الظمأ لا الري والإمتلاء .
قلت له ذلك فتبسم قائلا نكثر منها لنرتوي ولأنها في ملوحة الآبار الضنينة بالماء الزلال لا تروي ظمأ والفعل السليم من عقل ليس بالسقيم إزاء ذلك كله أن نعافها وننصرف عنها لكننا لا نفعل وربما ذاك هو عين الشيطنة المنسوبة لذلك الرجل رحمه الله.تذكرت حديثه بعد عقود من الزمان وأنا أحاكيه واترسم خطاه بالادمان علي القراءة لعلي أظفر بنذر قليل من أسرار الحياة يجعل نفسي اللوامة الحوامة تقر وتستقر علي بر فكم أقلقت جينات ذلك الجد القلق فيّ ، نومي وأسهرت ليلي وأطلقت حين تسمح بالنوم ،العنان للهلوسة والكوابيس المخيفة وكلما ظننت أني اقترب من (الميس وقالوا انها تركية وتقال بالزاي ، الميز ،وهو الختام ونهاية الأرب)وأكاد أحقق بعض المبتغي تجدني أرتد علي أعقابي إلي حيث كنت كسيزيف في الميثولوجيا اليونانية القديمة خالي الوفاض إلا من تلك الهواجس الرعناء . جئت أحدثه عن قلقي الدائم ودهشتي السرمدية علي أجد عنده اجابة فلم يمهلني للقول بل فاجأني قائلا إن كنت ترغب في صحبتي فافعل فأنا ( مندلي)! ومندلي كلمة حبيبة لدينا أهل الشمال وهي أكثر من مجرد الدلالة علي النزول من عل إلي أسفل فالمستقر في سنجة أو الحواته أو سنار من مدن صعيد السودان إذا سافر صوب قريته في الشمال فهو مندلي فهي هنا كلمة وصفية لأنه حسب طبقرافيا السودان فإنه ينحط من عل إلي أسفل كما النيل الذي ( يهنقل) في طلب بحر الروم طرا من مرتفعات الحبشة الشاهقات . وإذا طال مكث أحدهم في الصعيد سئل بصيغة اللوم والتحريض بعبارة واحدة ( ماك مندلي ؟) كأنهم يحرضونه!وفي قوله تعالي ( ثم دنا فتدلي) قال أهل العلم أي النزول من أعلي ويقصد بها اقتراب المصطفي عليه الصلاة والسلام في معراجه إلي السماء ، من رب العزة كأنه أمامه. لكن مندلي في القرية في البلد لا تعني هذا المعني الحسي وفيها شئ منه،بل هي كلمة تحيط بها حزمة من مشاعر شتي فأنت عند نطقك الكلمة يموج في دواخلك ما لا تعرف كل كنهه فأنت تتجه من بيتك في تخوم الصحراء إلي نبع الحياة الدائم وسبب وجود كل الكائنات الحية فأنت تقصد النيل وتقصد خضرة الحقول والجروف المزدانة بأكواز عيش الريف ورائحة اللوبيا والقاعون وكرات الجرم وأزاهير أشجار السنط والطلح ، البرم الفواح !كيف لا وقالت الدراسات الحديثة إن الصحراء الكبري كانت خضراء تشقها الأنهار وتتسع فيها البحيرات وحيواناتها كانت أفراس البحر والتماسيح وتتجول في حشائشها القطط الكبار المفترسة والزراف والفيلة. دلت علي ذلك رسومات في قلب الصحراء الكبري علي الصخور وبقايا هياكل عظمية لها .كان ذلك قبل ٨ ألف عام ثم تبدل الحال فصابها الجفاف منذ نحو ٤ ألف عام فأخذت شكلها الحالي وبقيت شواهد علي حالها الأول لا تخطئها عين.ونحن في عمرنا المحدود هذا ألفينا تلال رملية تزحف كل اليوم متربصة بنا وبالنيل فخشينا عليه مصيرا كأودية هور والمقدم والملك. لك اذن أن تعي معني الفرح المغروس في دواخلنا ووجداننا عندما نسمع الكلمة الساحرة والسحرية ( مندلي). وربما تراقصت جيناتنا تتذكر المجد القديم الذي كان حيث تأسست اللغات السامية واستئناس البقر وصهر الحديد .كيف لا وقد قالوا كان هذا المكان موطن أول هجرة للإنسان إلي خارج قارته الأم إفريقيا السمراء! هل يمتد خيال المورثات إلي ذلك المدي السحيق؟! الله وحده العليم!
- [ ] واندليت مع جدي الشيخ إلي القرية الحبيبة البائن التعارض بين ظهرها القاحل المكسو بالرمال الحمراء وشجيرات السلم الخالية من كل زينة والتي تبدو كالباكية الحزينة وبين وجهها الصبوح الممتد المواجه للنهر المقدس والذي لا زال مخضرا بعاليات النخيل التي ظلت مضيافة كل عام تحتضن الطيور المهاجرة بحنان وتحنو علي أصناف القماري والحمير المستوطنة وصاحب الجلالة بين الطيور الهدهد وعلي رؤوس جنسه التيجان منذ عهد سليمان عليه السلام. ولدهشتي لم يحمل جدي معه قرطاسا ولا قلماً كأنما طلق ذلك كله. قلت ربما جعل الرحلة استراحة محارب لكني رأيته يحيي كل من لقيه بعناق حار، عناق مشتاق طال به العهد من ذويه وأحبته وبعضهم يلاقيهم ومع العناق الطويل يسكب دمعاً سخينا ًثم يجلس معهم القرفصاء الساعات الطوال يحتسي الشاي والقهوة في أنس لا يكاد ينقطع دونما احتساب للزمن كعادته ولاحظت أنه كلما وقع بصره علي شباب وشابات مكبين علي الهواتف الذكية يبحثون عن معارف أسهر هو فيها ليله ونهاره عبر المكتوب علي الورق ،غشيت وجهة سحابة من الاستياء والشفقة عليهم كأنه يقول لهم تنهكون خيلكم في تسفار بلا طائل . ولما كان ذكيا لماحا فقد قرأ الدهشة والحيرة في عيني إذ لم يفتح كتاباً ولا هاتفا كان يحمله يغوص في بحاره عندما لا يجد الورق . يجيل النظر مسرعاً بين غثه الكثير الغالب وسمينه القليل الذي لا يخلو من دخن وغدوت مثله شديد الريبة في هذه الوسائط المضللة لكني مقتصد وريبتي ليست مطلقة فبين حروف المكتوب مثل ذلك . قلت كان ذكيا لماحا قرأ دهشتي فيما صار إليه من تغير حال مفاجئ خاصة عندما سألته عن متي سنعود إلي البندر. ضحك مليا قائلا عد أنت فسيزيف باق هنا فجسده المنهك لم يعد يحتمل ثقل تلك الصخرة إلي العلالي ثم تسقط ويعاود الكرة فقد تكشف الزيف فليس في هذا العالم سوي الزيف والكذب والظلم وقليل من الصدق والوفاء والحقيقة. ومكثي هنا يا بني إنما هو التماس لبعض ذلك ولبعض ما فاتنا من مذاقات الحياة الحلوة العذبة .قلت له من أعماقي قد عرفت فألزم!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم