الحوار: فضيلة السياسة والفكر و .. تقواه .. بقلم: د. عبدالله صالح

بسم الله الرحمن الرحيم

ها قد أصبح الحوار : السياسي و المجتمعي والثقافي منطقة الأمان مادام أن رئيس الدولة قد أكد عليه في أكثر من خطاب و لقاء و تصريح و بيان . و قد ساهم الأخ الكبير – روحا و مقاما – البروف / علي شمو في تزكية روح الجدية و المسؤولية في مستهل تقديمه لجلسة حوارأسرة الثقافة و التربية و الرياضة  كجزء لايتجزأ من القطاع الكبير للحوار المجتمعي المنتظر اندياحه في البلاد ؛ ساهم شمو بمقدمة أهم ماجاء فيها التقرير الألمعي القاضي بأنه يشهد أن هذه هي المرة الأولى التي ينفتح فيها مشروع سوداني لحوار ثقافي مجتمعي عريض منذ استقلال السودان . و قد حج يومها في مساء الرابع عشر من فبراير المنصرم نفر كريم من قيادات منظمات المجتمع المدني و نخبة من المثقفين و الخبراء و الأكاديميين تلبية لدعوة لجنة قطاع الثقافة و التعليم والرياضة المنوط بها ترتيب و تنضيد و تنسيق المقدمات ” الخلدونية ” الضرورية المنطقية و المنهجية و المعرفية للتداول في مشروع التطوير و التحديث و لتحقيق التراضي و الوفاق  و التعايش السلمي و استكمال اصلاح الدولة . ونعني بمنطقة الأمان أنه من الممكن لكل كاتب أو باحث أو حامل قلم متوشح بالجدية و المسؤولية أن يتقدم ليدلي بدلوه على درب الحوار التنوير و التحرر و التحرير من جهة ؛ و لمكافحة الظلام و الظلم و الظلاميين من جهة أخرى ، مادام أن البروف شمو رئيس لجنة الحوار المجتمعي  قد التزم – بصرامته الراقية – بتوصيل الحوار و النقاش والتوصيات الناجمة عنه الى رئاسة الجمهورية و السير بها قدما للخروج من عالم القوة الى دنيا الفعل ان شاء الله .
لا و لم و لن نتوجس أبدا من الدخول في مشروع الحوار بعد أن تأكد لنا من المنصة أن الأحزاب السياسية و السياسيين و السياسويين ومن جرى مجراهم  قد تم افرادهم و تخصيص منبر لحوارهم و باختيارهم أو باتفاقهم باسم : آلية ( سبعة + سبعة ). وقد عبر معظم المشاركين في اللقاء عن ارتياحهم البالغ لهذا الفرز المنطقي و المنهجي و الضروري حتى لاينفردون بما يعتقدون من سيادة و هيمنة على الحقول السياسية والاقتصادية و الثقافية و المجتمعية التربوية منها و الرياضية . و من البديهي أن التحولات و التطورات الجارية في المشهد المجتمعي العالمي الموار قد أكدت لنا بجلاء أن السياسيين لا و لم و لن يتمكنوا أبدا من تحديد – ناهيك عن تحليل – الشأن المجتمعي بكلياته و طبقاته المتعددة و المتنوعة و خاصة بعدما هيمنت النزعات العولمية و الكوكبية على الانسان الفرد فهيأت له حضور العالم بين يديه بعدما أصبح قرية صغيرة الحواري بفضل الفعالية الكاسحة للوسائط الاعلامية المسنودة بالكشوفات التقنية المتطورة و الماخوذة الى حد الاندهاش بوسائل التعبير و التواصل المتحررة من كافة القيود التقليدية الناظمة للعلاقات الانسانية .
لقد بادر كاتب هذه السطور من موقعه كباحث و فاعل ثقافي و كقيادي محسوب على المجتمع المدني فتقدم في مستهل اللقاء بتوصيتين مفتوحتين للنقاش و مستهدفتين توسيع مجالات الحوار الثقافي و المجتمعي المراد تطويره و و التقدم منه و به الى حلقات و مجالات أخر . ان الحوار المطلوب ثقافيا في هذا المنعطف من عمر التشكل البنيوي الحادث في البلاد هو الحوار الذي نتطلع اليه كميدان مفتوح لوضع المقدمات و المسارات الضرورية لمنظومة القيم الكبرى اللازمة للميثاق القومي الجامع لآمال و طموحات و تطلعات المكونات المتعايشة و المتدامجة و المتدافعة في هذا المجتمع السوداني . و عندما نقول المجتمع السوداني نحيل بنظر و فهم علمي رصين و برهاني بديع الى علوم الجغرافيا الماكرة و التاريخ العريض ؛ و نخص بالتحديد الدقيق علم الجيولوجيا الذي يلهمنا و يبرهن لنا على حقيقة و قوة التعدد و التنوع التاريخي التليد في طبقات المجتمع المتراكبة و المتساكنة منذ آلاىف السنين في سودان وادي النيل الخصيب   . و هو عين حال طبقات الأرض الشاهدة شهودا استراتيجيا و وجوديا على التعدد و التنوع المتراكب في طبقات الأرض : بمعادنها و ترائبها و نفيس جواهرها و أحجارها التي شيدت المعابد و المساجد و الأهرامات الشامخة . و سوف نتوسع في مقالات مقبلة – ان أنسا الله في العمر كما يقول الفيلسوف العلامة بن رشد – في توضيح هذه العلاقة البنيوية و الباداعية / البرهانية بين علم طبقات الأرض ؛ و بين الطبقات المتعددة و المتنوعة التي تشكل لحمة و سداة الثقافة السودانية و المجتمع الذي تم فيه و به ومنه و اليه تصريف منظومة القيم التاريخية العريقة التي تخللت هذا الكيان المترامي الأطراف و الساكن في انسان هذا السودان سكون النسغ في الجذر و الساق الحي من  النبات .بعض ال سنتوسع أكثر في استعراض مبادرات و تشكيلات أو – بدقة – عينات مختارة  من الميثاق الوطني لبعض الدول الشقيقة و الصديقة العربية منها أو الأفريقية للوقوف على الثوابت و الأسس و المسارات و على كيفية تناغم و تداخل ، أو حتى تخارج هذه الاجتهادات في الوطن الواحد الهادف للتواجد في ميثاق قومي أو وطني يؤسس و يتأسس على حزمة اتفاقات و معاهدات و مواقف و مبادرات قيمية تشكل ” الأسمنت ” الضروري لبناء الهياكل الأساسية و المباديء الأخلاقية الوطنية و الدينية و الانسانية / الكونية  في المجتمع و الدولة  مادامت صادرة عن الفرد و الناس و الجماعة بالتراضي و الحوار … وهو المطلوب .
الميثاق القومي هو المقدمة ” الخلدونية ” الضرورية لتوقيع  “العقد الاجتماعي الجديد ”  المتنتظر  منه أن  “ينهض بالأمة و يحقق لها أمنها و أمانها ” ؛  حسبما ورد في نص  الخطاب الذي تم به ترسيم و انفتاح الحوارمن طرف  رئيس الجمهورية في خطابه في أبريل 2014م . و سوف نتوسع أيضا في الحديث عن مشروع العقد الاجتماعي السوداني الجديد و الحداثي باعتباره الوثيقة الاستراتيجية القومية الحاوية لمباديء و أهداف و مواثيق و معاهدات و تطلعات و مشاريع و أحلام الأمة السودانية . و لنا أن نتطلع و بمنتهى التفاؤل المرصع بالمسؤولية و الجدية و العقلانية لكي يتنزل هذا العقد الاجتماعي في روح و منطق و منطوق و نصوص الدستور السوداني المقبل و الدائم ان شاء الله . و قد يعني هذا وبكل الصراحة و الوضوح أن الدستور المقبل – اذا تم التواطؤ أو التأمين على التهج المؤسسي والمنطقي أعلاه – لن يضعه السياسيون أو القانونيون المحترفون أو نفر أو نخبة منتقاة بعينها كما حدث في مرات سابقة  . ان الشعب السوداني الذي تواثق وقوميا ثم تعاقد اجتماعيا هو الذي سيفوض من يضع له الدستور : سيد القوانين و المعبر الأسمى عن ارادة الأمة  ليكون فيصلا و حكما و حاكما عدلا و عادلا ان شاء الله .
و يلحق بكل ماسبق أن نسجل توصية ثانية اقترحناها من موقع المجتمع المدني تقترح فيها تنظيم مؤتمر دولي حول الهوية السودانية  تتشارك فيه اجتهادات السودانيين الباحثين من المغتربين في الشتات و كذلك المستشرقين و المستعربين و المستغربين ( كما يقول د. حسن حنفي في أطروحته القيمة عن الاستغراب ) . لقد قيل الكثير و المثير من الكلام عن التشظي أو الانشطار و التمزق و التشتت الحادث في اشكالية الهوية و ما انجر( بتشديد و ضم الراء) عنها من ادعاءات بالتهميش و الضيم أو الحقارة ؛ فتسببت جميعها أو بعضها في الخروج عن القانون أو  حمل السلاح لتقويض مواثيق التعايش السلمي و التدامج التاريخي البديع المغزول و المنسوج منذ آلاف السنين  في سودان و ادي النيل الخصيب .و تطلع ليكون المؤتمر بمثابة المدماك الأول في المشروع و المشوار الطويل للحوار الممكن من المستحيل .
و ….. الطريق تصنعها الأقدام ….. 
نشر بجريدة ” السياسي ” السودانية – عدد الأحد 15 مارس 2015م الصفحة التاسعة
د. عبدالله صالح أبوبكر
باحث
abdallahsofian@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً