الحَقِيْقَةُ المُرَّةُ: السَاسَةُ يُبَدِّدُون الفُرْصَةَ الأخِيْرَةَ لنَجْدَةِ السُوْدَانِيين
The Bitter Truth: Politicians are Squandering Sudanese’s Last Chance
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
أبعدوا معارككم حول السلطة عن مفاوضات الجيش والدعم السريع للهدنة ووقف إطلاق النار
تستعر الحرب في السودان، مخلّفة ملايين النازحين وممزقة النسيج الاجتماعي. وفي هذا المشهد القاتم، طرحت الرباعية، الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات، خارطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية، ثم وقف لإطلاق النار، وتنتهي بانتقال مدنى. التسلسل منطقي، لكن بدلاً من التوحد خلف هذه الفرصة الأخيرة لنجدة السودانيين من ويلات الحرب بين الجيش والدعم السريع، توحدت بعض الفصائل السياسية المتناحرة في إشعال حرب البيانات ضد مبادرة الرباعية، وإضرام المعارك ضد بعضهم البعض لإحباط مبادرة الاتحاد الإفريقي لتيسير الحوار بينهم. وعلى الرغم من أن بعض البيانات تجاه الرباعية ليست بلا أساس، لكن المسار الصحيح ليس الانتقاص من قيمة الخارطة والسعي لإجهاضها وهي في طور التكوين لتواجه نفس مصير المبادرات السابقة منذ اندلاع الحرب. بل إن ما عانى منه جميع السودانيين من ويلات الحرب يستدعي انتهاز سانحة الرباعية، وتطويرها، ولملمة شمل السياسيين حتى يكونوا على قدر مسؤولية قيادة المرحلة بعد صمت البنادق.
ففي هذه اللحظة الحرجة، فإن الحد الأدنى من المسؤولية يفرض على الفاعلين السياسيين التوقف عن التفاعل مع الرباعية بأصوات بحَّها التشرذم. فبدلاً من إصدار بيانات متنافسة من كل فصيل، كان الأجدر أن يصدروا موقفهم من منبر واحد للظفر بالتقدير والاحترام. هذا ليس وقت إهدار الطاقات في السعي لتوحيد الفصائل الصغيرة، بل حان وقت توحيد الكتل الكبرى للقوى السياسية لتتناسب مع كِبَرِ التحديات والمخاطر الماثلة بالشعب السوداني.
نحو حوار موضوعي حول الانتقادات الموجهة للرباعية
أ. انتقاد الفرض من جهاتٍ أجنبية
الرباعية لم تنشأ من فراغ، ولا تعمل في فراغ. بل شُكِّلت استجابةً لتفاقم أزمة السودان، تحديدًا لأن الأطراف المحلية في البلاد فشلت في توفير آلية وطنية موثوقة للحوار وحل النزاعات. بل تضم الرباعية ثلاث دول ظلت فاعلة في الحرب الدائرة بمباركة طرفي الصراع. وبينما لا يمكن للجهات الخارجية، ولا ينبغي لها، أن تحل محلّ السودانيين في ملكية العملية، فإنّ رفض الرباعية باعتبارها فرضاً أجنبياً هو ذريعةٌ للتهرّب من المساءلة. فإذا كانت النخب السياسية والعسكرية السودانية ترغب حقاً في تأكيد سيادتها، فإنّ الطريق لا يكمن في رفض الوساطة الدولية، بل في التوحّد حول منصّةٍ متماسكةٍ بقيادةٍ مدنيةٍ قادرةٍ على التعامل مع الرباعية على قدم المساواة.
ب. انتقاد غياب آلية للتنفيذ
يقول المنتقدون إن بيان الرباعية يفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة. وهم محقون في ذلك، لكن ذلك ليس عيباً يجهض الرباعية. فبيان الرباعية الذي صدر بعد مخاض “الفيتو العكسي” العسير لا ينبغي أن نتوقع منه وضع هيكل تفصيلي متكامل للسلام الشامل منذ الوهلة الأولى. آليات التنفيذ الضرورية يجب أن تُبنى من خلال مشاورات مع أطراف خارج الرباعية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي غير الأعضاء في الرباعية. وهو ما بدأ بالفعل. فهذه الكيانات متعددة الأطراف هي التي توفر الشرعية، والدعم الفني، والارتكاز الإقليمي. خارطة الطريق الرباعية ليست الخطة النهائية، بل هي دعوة للانتقال إلى المرحلة التالية.
جـ. انتقاد استبعاد السياسيين
نعم، الرباعية تشاورت مع الجنرالات ولم تتشاور قصداً مع السياسيين المتناحرين. فلنكن صريحين: الهدنة ووقف إطلاق النار شأن من يحمل السلاح، لا من يكتب البيانات. إشراك السياسيين المنقسمين في هذه المفاوضات المبكرة لإسكات البنادق لن يجلب سوى معاركهم القديمة غير المحسومة إلى طاولة الهدنة ووقف إطلاق النار الهشة أصلاً، ما قد ينسف عملية الرباعية قبل أن تبدأ. وسيكون للسياسيين وقتهم الحاسم، لكن بعد أن تتوقف أصوات الرصاص. مهمة الفصائل المسلحة أن تكف عن إطلاق النار؛ ومهمة السياسيين أن يتوحدوا أولاً قبل تطلعهم للحكم.
د. انتقاد غموض دور المدنيين في ملكية العملية
وهنا يلامس المنتقدون شيئاً صحيحاً. فلا غنى عن تواجد مدني لمراقبة التفاوض حول الهدنة ووقف إطلاق النار. لكن هذا الوجود المدني لا يُمنح من الخارج، ولا يقتصر على السياسيين. بل تُنتزع من الداخل بتمثيل وطني مستقل، محوره مراكز الفكر والتميز المستقلة، ينأى عن صراعات السلطة. فالرباعية لا تستطيع أن تُملي من يتحدث باسم المدنيين السودانيين. هذه مهمة السودانيين أنفسهم. فإذا أصر الساسة على الانغماس في زج صراعاتهم الثانوية ومناوراتهم الفئوية في التفاوض بين العسكريين، فسوف يبددون الفرصة الأخيرة التي توفرها خارطة الطريق.
الساسة المنقسمون يقومون بدور المفسدين
الحقيقة الصادمة أن الساسة المنقسمين يغامرون بالقيام بدور المفسدين. فبياناتهم المتناقضة، وهجومهم غير البناء على الرباعية ، ومعاركهم المستمرة ضد بعضهم البعض حول السلطة تقوِّض عملية التحول المدني الديمقراطي ذاتها التي يدّعون دعمها. الشواهد تشير إلى أن صراع السياسيين يمكن أن يجهض خارطة الرباعية قبل أن تبدأ. فردود الفعل حول حوار أديس أبابا في أكتوبر، الذى ينظمه الاتحاد الأفريقي، تقدم مثالاً نموذجياً لدور المفسد: فالبيانات الصادرة عن “صمود”، و”تأسيس”، والفصائل والأحزاب حول من سيحضر مفاوضات أديس أبابا، يصعب تفسيرها بغير استغلال مبادرة الرباعية لاكتساب الشرعية والوصول للسلطة، وربما احتكارها.
وغني عن القول أن هذا لا يعني حرمان السياسيين من دورهم المستقبلي في المرحلة التي تلي وقف إطلاق النار. بل على العكس، يعنى حماية قدرتهم على أداء دورهم بفاعلية. وعليه فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه السياسيون في هذه المرحلة الحرجة التي تمثل الفرصة الأخيرة للسودانيين هو بذل الجهود الصادقة لتوحيد الكلمة والموقف والكف عن الصراع حول سلطة لا تزال بيد المتحاربين.
الحقيقة المرة
لقد قامت الرباعية بما في وسع الخارج: تهيئة مساحة واعدة للسلام عبر عزل الجنرالات وفرض عقوبات على الإسلاميين الذين يؤججون هذه الحرب. لكن لا قوة خارجية تستطيع أن تحل محل وحدة السياسيين. فإذا لم تستطع القوى المدنية الديمقراطية أن تنظم نفسها حول قواسم كبرى مشتركة تتمثل في إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة الانتقال الديمقراطي، فسوف تسلم مستقبل السودان للمفسدين الذين تشجبهم.
نجاح الرباعية يتطلب أدوراًً متناسقة لجميع الفاعلين
أ. الجهات المدنية الفاعلة
إنشاء آلية جامعة موحدة للتواصل واتخاذ القرار.
- الامتناع عن إصدار بيانات فردية أو فصائلية تُقوّض النفوذ الجماعي.
- وضع حد أدنى لمنصة مشتركة تُركّز على إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، ودفع عجلة التحوّل الديمقراطي.
ب. الرباعية - اعتماد خارطة الطريق كإطار انتقالي، مع تفويض تصميم آلية التنفيذ إلى مشاورات شاملة مع الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد).
- مواصلة الضغط على المُفسدين من خلال العقوبات والعزل الدبلوماسي.
جـ. المؤسسات الدولية والإقليمية - استنباط ودعم آلية تنفيذ ترتيبات الهدنة ووقف إطلاق النار.
- تقديم المساعدة الفنية والمالية والسياسية لعملية انتقالية بقيادة مدنية بعد انتهاء الأعمال العدائية.
- تسهيل الحوار المُنظّم بين الجهات المدنية الفاعلة، مع التركيز على الشمولية والتمثيل دون المساس بأهداف ثورة ديسمبر.
الطريق إلى الأمام
يجب أن يدرك السياسيون أن للتسلسل أهمية جوهرية. فالهدنة ووقف إطلاق النار لا يجب أن تشملهم. لكن في اليوم التالي لإسكات المدافع ستتجه الأنظار إليهم. وإذا ظلوا حينها منقسمين، سيغرق السودان في دورة أخرى من هيمنة العسكريين وصعود الإسلاميين. لكن إذا السياسيون في منصة مدنية ذات مصداقية، وأبدوا استعداداً وكفاءة للتعامل مع الرباعية، والاتحاد الأفريقي، والإيقاد، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي فبوسع السودان أن يبدأ التسلق من القاع القابع فيه.
خلاصة القول: انتقادات بيان الرباعية ليست بلا وجاهة، لكنها تغفل الصورة الأكبر. خارطة الرباعية ليست النهاية، بل البداية. التحدي أمام السياسيين السودانيين ليس في التنقيب عن عيوبها، بل في التوحد والاستعداد للقيادة عندما تحين اللحظة. يجب أن تصمت البنادق أولاً. بعدها، وفقط بعدها، سيأتي دور السياسيين. والسؤال: هل سيغتنمون الفرصة الأخيرة أم يهدرونها؟ الجواب سيحدد مصير السودانيين.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم