بقلم: إدوارد كورنيليو
في ديسمبر من هذا العام، تمر اثنتا عشرة سنة على اندلاع الحرب الأهلية الأولى في جنوب السودان. اثنتا عشرة سنة منذ أن انقلب الحلم الوليد إلى كابوس، ومنذ أن تحوّلت الدولة التي وُلدت من رحم النضال الطويل إلى ساحة صراع داخلي لا يرحم. في هذه الذكرى، لا نملك ترف الاحتفال، بل نُستدعى إلى التأمل، إلى مراجعة الجراح التي لم تندمل، وإلى طرح السؤال المؤلم: كيف وصلنا إلى هنا؟
في قلب القارة، حيث تتقاطع الذاكرة مع الجغرافيا، ويمتزج الطين بالدم، نشأت دولة جنوب السودان على أمل أن تكون بداية جديدة، لا مجرد فصل متأخر من رواية استعمارية طويلة. لكن ما إن جف حبر الاستقلال حتى بدأت الشروخ تتسع، لا في الجدران فحسب، بل في الأرواح، في الحقول، في المدارس التي لم تُبنَ، وفي المستشفيات التي لم تُجهز. لم يكن الانفصال عن الشمال نهاية حرب، بل بداية أخرى، أكثر تعقيدًا، وأكثر مرارة، لأنها لم تعد حربًا ضد “الآخر”، بل ضد الذات، ضد الجار، ضد الأخ.
حين اندلعت الحرب في ديسمبر 2013، بدا المشهد وكأنه تكرار مأساوي لصراعات القارة: زعيمان من ذات الحركة التي قادت التحرير، يتحولان إلى خصمين، كلٌّ منهما يدّعي الشرعية، وكلٌّ منهما يجر خلفه قبيلة، جيشًا، وماضٍ من التحالفات والخيانات. لكن من يظن أن الأمر مجرد صراع شخصي أو قبلي، يخطئ التقدير. فالصراع لم يكن على الأفكار، بل على جهاز الدولة، على النفط، على من يملك الحق في التوقيع، في التعيين، في التوزيع. كانت الدولة، في بنيتها، هشة، لم تتجاوز كونها وعاءً لتوزيع الريع، لا أداة لبناء مجتمع منتج أو عادل.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك اقتصاد حقيقي يمكن أن يُبنى عليه مشروع وطني. كانت الدولة تعتمد على النفط، والنفط وحده. لم تكن هناك صناعة، ولا زراعة ممنهجة، ولا بنية تحتية تسمح بتداول الثروة أو توزيعها. كل ما كان موجودًا هو أنابيب تمر عبر أراضٍ متنازع عليها، ومكاتب حكومية تُدار كأنها شركات خاصة، ووزارات تُمنح كمكافآت ولاءات، لا كمسؤوليات. في هذا السياق، يصبح الصراع على السلطة صراعًا على البقاء، على الامتيازات، على الحق في الاستئثار بالثروة.
الجيش، الذي كان يُفترض أن يكون حاميًا للدولة، لم يكن جيشًا وطنيًا بالمعنى الكامل. كان مزيجًا من فصائل، من ولاءات، من مقاتلين لم يُدمجوا فعليًا في مؤسسة موحدة. وعندما انفجرت الأزمة، انقسم الجيش كما تنقسم القبائل، لا وفق عقيدة عسكرية، بل وفق خطوط الدم والانتماء. لم يكن هناك مركز موحد، بل مراكز متعددة، تتنازع السيطرة، وتعيد إنتاج العنف كلما بدا أن هناك هدنة تلوح في الأفق.
المدنيون، كالعادة، كانوا وقود الحرب. لم يكن لهم صوت في المفاوضات، ولا حصة في الغنائم، لكنهم دفعوا الثمن الأكبر. مئات الآلاف شُرّدوا، قُتلوا، جاعوا، أو عبروا الحدود بحثًا عن مأوى. المدارس أُغلقت، الحقول تُركت للبوار، والمستشفيات تحولت إلى ملاجئ. في المخيمات، وُلد جيل لا يعرف من الوطن سوى الخيام، ومن الدولة سوى الجنود.
ثم جاءت اتفاقية 2015، محمّلة بآمال لم تدم طويلًا. كانت محاولة لتقاسم الكعكة، لا لتغيير الوصفة. أعادت توزيع المناصب، لكنها لم تمس جوهر الأزمة. لم تُعِد هيكلة الجيش، لم تُطلق مشروعًا اقتصاديًا، لم تُحاسب أحدًا. ولهذا، حين عادت الحرب في 2016، لم تكن مفاجأة. كانت النتيجة المنطقية لاتفاق لم يعالج شيئًا، بل جمّد الصراع مؤقتًا، بانتظار شرارة جديدة.
في يوليو 2016، اندلع القتال مجددًا في جوبا، وسرعان ما تمدد إلى الأقاليم. كانت الحرب أكثر شراسة، لأن الجراح لم تلتئم، ولأن الثقة بين الأطراف كانت معدومة. كل طرف كان يعدّ العدة، لا للسلام، بل للجولة القادمة. ومع كل جولة، كانت الدولة تتآكل أكثر، وتتحول إلى مجرد اسم على الورق، بينما الواقع يُدار من قبل أمراء الحرب، والميليشيات، والوسطاء الدوليين.
في هذا السياق، جاءت اتفاقية 2018، برعاية إقليمية ودولية، كمحاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنها، كمن سبقها، ركزت على تقاسم السلطة، دون أن تُنفذ البنود الجوهرية التي كان من شأنها أن تؤسس لسلام دائم. لم تُدمج القوات في جيش وطني موحد، ولم تُنجز الإصلاحات الدستورية أو تُفعّل آليات العدالة الانتقالية. لم تُهيأ الظروف لعودة النازحين، ولا أُنجزت التحضيرات لانتخابات حرة، ولا أُصلحت البنية الاقتصادية التي ما زالت تُدار بمنطق الريع والولاء. وهكذا، ظل الاتفاق إطارًا هشًا بين نخب تتقاسم المناصب، بينما بقيت جذور الصراع قائمة، والثقة مفقودة، والعنف مستمرًا في الأطراف، والمواطن العادي يتساءل: ماذا تغيّر؟
في العمق، ما حدث في جنوب السودان ليس استثناءً، بل هو جزء من نمط يتكرر في دول ما بعد الاستعمار، حيث تُبنى الدولة على استعجال، دون بنية إنتاجية، دون طبقة وسطى، دون مؤسسات. وحين تُمنح الاستقلال، تُمنح معها أدوات دولة لم تُصنع محليًا، بل فُرضت من فوق. في هذا السياق، تصبح الدولة أداة للاستئثار بالثروة، لا للتنمية. وتصبح السياسة لعبة صفرية، إما أن تحكم، أو تُقصى. لا مكان للمعارضة، ولا للمجتمع المدني، ولا للمحاسبة.
لكن وسط هذا الركام، هناك دائمًا بذور مقاومة. في المخيمات، في القرى، في المدارس التي تُبنى بجهود فردية، في المبادرات الشبابية، في الأغاني التي تُغنّى رغم الألم، في القصص التي تُروى عن وطن لم يولد بعد. هناك من يحلم بدولة لا تُبنى على الولاء، بل على الكفاءة. بدولة لا تُدار كغنيمة، بل كعقد اجتماعي. بدولة لا تُقسم بين الزعماء، بل تُبنى من القاعدة.
إن ما يحتاجه جنوب السودان ليس مجرد اتفاق سلام، بل مشروع وطني شامل، يعيد تعريف الدولة، يعيد توزيع الثروة، يعيد بناء المؤسسات، يعيد الاعتبار للمواطن. مشروع لا يكتفي بتقاسم المناصب، بل يطرح أسئلة عن العدالة، عن التاريخ، عن اللغة، عن الهوية، عن الاقتصاد، عن التعليم، عن الصحة، عن الأرض. مشروع لا يخاف من مواجهة الماضي، ولا من محاسبة من دمّر الحاضر، ولا من الحلم بمستقبل مختلف.
ولعل أولى خطوات هذا المشروع هي الاعتراف بأن ما حدث لم يكن مجرد خلاف بين زعماء، بل نتيجة لبنية مختلة، لنظام اقتصادي هش، لغياب العدالة، لهيمنة منطق الغنيمة. الاعتراف بأن القبيلة ليست المشكلة، بل استخدامها السياسي. بأن الجيش ليس المشكلة، بل تسييسه. بأن الدولة ليست المشكلة، بل من يحتكرها.
إن الطريق طويل، وشاق، ومليء بالعقبات. لكن لا بد من السير فيه. لا بد من كسر الحلقة المفرغة: حرب، اتفاق، خيانة، حرب. لا بد من بناء عقد اجتماعي جديد، لا يقوم على المحاصصة، بل على المواطنة. لا بد من إعادة تعريف الوطنية، لا كولاء للزعيم، بل كالتزام تجاه المجتمع. لا بد من إعادة توزيع السلطة، لا بين النخب، بل بين المؤسسات. لا بد من إعادة توزيع الثروة، لا بين القبائل، بل بين المواطنين.
ولعل الأهم من كل ذلك، هو إعادة الاعتبار للإنسان. للطفل الذي لم يعرف المدرسة، للمرأة التي فقدت أبناءها، للفلاح الذي هُجّر من أرضه، للعامل الذي لم يتقاضَ أجره، للنازح الذي ينتظر العودة، للمثقف الذي صمت، للصحفي الذي نُفي، للمعلم الذي لم يُدفع له راتبه، فظل يدرّس تحت شجرة، بإصرار من يعرف أن الكلمة قد تكون آخر ما تبقّى من الوطن. للمريض الذي مات دون دواء، لأن المستشفى نُهبت، أو لم تُبْنَ أصلًا. لهؤلاء جميعًا، لا لمن يوقّعون الاتفاقيات، تُكتب الأوطان، وتُروى الحكايات، وتُصاغ الدساتير.
عند مفترق الطرق هذا، لا تُبنى الأوطان بالبنادق، بل بالكتب. لا تُبنى بالخنادق، بل بالمدارس. لا تُبنى بالشعارات، بل بالعدالة. وجنوب السودان، رغم كل شيء، لا يزال يملك فرصة. فرصة لأن يتعلم من ماضيه، لأن يعيد بناء نفسه، لأن يكتب تاريخه بيده، لا بيد غيره. لكن هذه الفرصة لن تدوم إلى الأبد. فإما أن تُغتنم، أو تُهدر. وإما أن يُبنى وطن، أو يُعاد إنتاج الخراب.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم