دكتور محمد عبدالله
ثلاثة عشر في المئة فقط. هذا هو عدد الذين عادوا إلى الخرطوم بعد عام كامل من اعلان خلوها من ميليشيا الدعم السريع . مليون وثلاثمئة الف من اصل عشرة ملايين غادروها. رقم لا يكذب، ولا تنطلي عليه حيل الدعاية ولا ضجيج المناسبات.
حين يقال ان الخرطوم عادت كما كانت، تصطدم العبارة بجدار الواقع الصلد. المدن لا تعود بالشعارات، بل بالناس. والناس لا يعودون بالضجيج، بل بالامان. وفي الخرطوم، ما زال الامان مجرد كلمة ثقيلة الظل، خفيفة الظهر.
ارقام النزوح وحدها تحكي قصة لا تحتاج الى ترجمة. بنهاية العام الماضي، كان 14.3 مليون سوداني قد غادروا ديارهم. واليوم، يقترب عدد اللاجئين في دول الجوار وحدها من ستة ملايين. ارقام لا تشبه الاحصائيات الباردة، بل تشبه طوابير البشر الذين امتدت بهم الطرقات الى المجهول.
لماذا لم يعد معظمهم؟ السؤال يفتح على اجابات مؤلمة.
من فقد كل شيء لا يعود الى العدم. صاحب الدكان المحترق، والموظف الذي اغلقت مؤسسته، والطبيب الذي نهبت عيادته. العودة لهؤلاء تعني كلفة مالية لا يقدرون عليها في ظل اقتصاد منهك، وفرص عمل صارت اشبه بالامنيات.
ثم هناك مدينة بلا خدمات. كهرباء متقطعة، مياه متهالكة، مستشفيات مغلقة، صيدليات شبه خالية. من يعاني مرضا مزمنا لن يخاطر بحياته في مدينة لا تضمن له جرعة دواء. والاسر التي لديها اطفال في سن الدراسة ( هؤلاء يشكلون الاغلبية) ، ومع تعطل التعليم، تصبح العودة بالنسبة لهم مغامرة بمستقبل الابناء.
لكن اعمق من كل هذا، الخوف. أن الحرب لم تنته بعد. حتى حيث صمتت المدافع، يبقى الاحساس بالطمأنينة غائبا. السلاح منتشر، ومنفلتون يملأون الطرقات، وسجناء بينهم عتاة مجرمون اطلق سراحهم. في غياب الشرطة وانشغال الاجهزة الامنية بملاحقة ناشطين سياسيين، يبقى السؤال معلقا: من يضمن سلامتي؟ من يحمي كرامتي؟
لا شك ان هناك من عادوا. بعضهم عاد مضطرا لان مرارة النزوح كانت اشد من مرارة العودة الى المجهول. لكن تحويل هذه العودة الجزئية الى حكاية تعاف كامل، يخاطر بفقدان الثقة قبل فقدان المدن. المدن تقاس بعدد من يعيشون فيها بكرامة، لا بعدد من يزورونها لالتقاط صورة.
الدعاية تقول: تعالوا فالبلاد جميلة و آمنة . والواقع يسال: اين الكهرباء؟ اين المدرسة؟ اين الشرطة؟ اين العمل؟
اذا اريد للعودة ان تكون حقيقية، فثمة شروط لا يمكن تجاوزها. وقف شامل للحرب، لا هدنة هشة. خطة امنية تعيد انتشار الشرطة وتجمع السلاح وتخضع اي قوة للقانون. خدمات اساسية تعمل: كهرباء ومياه ومستشفيات ودواء. تعليم في بيئة امنة ومجهزة. خطة اقتصادية طارئة تخلق فرص عمل وتعيد تاهيل الاسواق. مشاركة دولية جادة في الاعمار، فحكومة بورتسودان و سلطة الامر الواقع لا تقدر على تمويل بناء بهذا الحجم. واخيرا، ضمانات قانونية وحقوقية تعيد الثقة في القضاء وتحمي المواطنين من التعسف.
المطلوب ليس حملة دعائية، بل عقد اجتماعي جديد يؤسس لمدينة تحكم بالقانون لا بالاستثناء، وتدار بالمؤسسات لا بالولاءات. الخرطوم ليست مباني فقط. هي شبكة امان، وخدمات، ومدارس، ومستشفيات، وسوق عمل، وقضاء مستقل. هي شعور بالامان حين تغلق باب منزلك، ويقين بان الدولة تحميك لا تختبر صبرك.
قد تعود الخرطوم يوما كما كانت، وربما افضل. لكن ذلك لن يحدث لان احدهم اعلن عودتها، بل لان شروط الحياة الكريمة توفرت. حتى ذلك الحين، ستبقى الارقام اصدق من الهتافات، وسيظل سؤال النازحين معلقا في الهواء: لماذا نعود… والى ماذا؟
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم