باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 31 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

الخروج الهادئ، لماذا غادرت بريطانيا السودان دون ضجيج

اخر تحديث: 29 أكتوبر, 2026 11:35 مساءً
شارك

الخروج الهادئ، لماذا غادرت بريطانيا السودان دون ضجيج
قراءة في صلة الرحيل الصامت بدوافع الدخول الأولى
د. الرشيد خليفة
بابٌ يُغلق بلا صرير
في صباح الأحد، الأول من يناير 1956، أُنزل العلمان البريطاني والمصري عن ساريتيهما في الخرطوم، وارتفع مكانهما علمٌ سوداني ذو ثلاثة ألوان، الأزرق للنيل، والأصفر للصحراء، والأخضر للزراعة، وكتب القائم بالأعمال البريطاني إلى وزير خارجيته يصف المراسم بلغةٍ أقرب إلى محضر جلسةٍ منها إلى نعي إمبراطورية [1]. لم تُطلق رصاصة، ولم يُعتقل زعيم، ولم تُكتب خطبةٌ عصماء في مجلس العموم عن «الواجب الحضاري» الذي انتهى. خرجت بريطانيا من أكبر أقطار أفريقيا مساحةً كما يخرج موظفٌ متقاعد من مكتبه في آخر يوم عمل، يجمع أوراقه، ويسلّم المفتاح، ويطفئ النور.
والمدهش أن البرلمان السوداني كان قد أعلن الاستقلال من داخل قاعته في 19 ديسمبر 1955، متجاوزًا الاستفتاء الذي رسمته دولتا الحكم الثنائي قبل أسابيع قليلة فقط في اتفاقٍ تكميلي أنشأ لجنةً دولية للإشراف عليه [2]، ومع ذلك لم تعترض لندن ولا القاهرة، وقبلتا الأمر الواقع [3]. إمبراطوريةٌ احتاجت عامين ونصف العام، ومدافع مكسيم، وسكة حديد مُدّت عبر الصحراء خصيصًا لتدخل السودان، اكتفت عند الخروج بتوقيعٍ واحترامٍ بروتوكولي وكوب شاي.
هذا الهدوء ليس كرمًا، ولا هو زهدٌ مفاجئ في المستعمرات، بل، هو، فيما يرى هذا المقال، المفتاح الحقيقي لفهم لماذا جاءت بريطانيا إلى السودان أصلًا. فمن دخل بيتًا لأجل ما وراءه غادره حين تغيّر ما وراءه، ولم يجد سببًا للبكاء على عتبته.
لماذا جاءت بريطانيا أصلًا، النيل قبل غوردون
تقول الرواية الشعبية الإنجليزية إن بريطانيا جاءت لتثأر لغوردون باشا الذي قُتل في الخرطوم في 26 يناير 1885. غير أن ثأرًا ينتظر إحدى عشرة سنة كاملة قبل أن يتحرّك ليس ثأرًا، بل، سياسةٌ تنتظر مناسبتها. فقد رفضت حكومة غلادستون إعادة الفتح، وبقي السودان المهدي خارج اهتمام لندن ما دام لا يهدد شيئًا ذا قيمة. ويبيّن روبنسون (Ronald Robinson) وغالاغر (John Gallagher) في دراستهما الكلاسيكية عن «العقل الرسمي» للإمبريالية الفيكتورية أن صانعي القرار في لندن لم يكونوا يفكرون في أفريقيا لذاتها، بل، في أمن مصر، ومن ورائها قناة السويس، ومن ورائها الطريق إلى الهند [4].
ذلك أن بريطانيا احتلت مصر في 1882، وصار اللورد كرومر، معتمدها في القاهرة، يتعامل مع السودان بوصفه ملحقًا بأمن مصر لا بلدًا قائمًا بذاته [5]. ومصر هبة النيل، ومن يملك أعالي النيل يملك، نظريًّا على الأقل، أن يخنق مصر ببضعة سدود. ويوثّق ساندرسون كيف تحوّل هذا الهاجس إلى عقيدةٍ في وزارة الخارجية خلال تسعينيات القرن التاسع عشر، حين بدأت فرنسا تتحرك نحو النيل الأعلى من غربي أفريقيا [6].
ولهذا لم يأتِ قرار التقدم نحو دنقلا في مارس 1896 ثأرًا لغوردون، بل، جاء بذريعة نجدة الإيطاليين في كسلا بعد هزيمتهم في عدوة، بينما كانت الوجهة الحقيقية سباقًا مع بعثة مارشان الفرنسية، وهو السباق الذي انتهى في فشودة، البلدة الواقعة على النيل الأبيض في بلاد الشلك، في سبتمبر 1898 [7]. أما ونستون تشرشل، الضابط الشاب والمراسل الحربي يومئذٍ، فقد كتب ملحمة «حرب النهر» احتفاءً بالفتح، ولم يُخفِ فيها أن النيل هو بطل القصة الحقيقي [8].
يمكن إذن ترتيب دوافع الدخول ترتيبًا يكاد يكون حسابيًّا، أولها، مياه النيل وأمن مصر، وثانيها، منع قوةٍ أوروبية منافسة من الجلوس على المنابع، وثالثها، حماية طريق الهند عبر السويس، ورابعها، هيبة الإمبراطورية وثأر غوردون أمام الرأي العام. أما السودان نفسه، أرضه، وناسه، وثرواته، فقد جاء في ذيل القائمة، وهذه الملاحظة وحدها تكفي لتفسير نصف قصة الخروج.
الحكم الثنائي، شراكةٌ يدفع فيها شريكٌ ويحكم آخر
بعد كرري، وُقّعت اتفاقية 19 يناير 1899 التي أنشأت الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. ينصّ الاتفاق على حاكمٍ عام يعيّنه الخديوي بتوصيةٍ من بريطانيا، وتُرفع فيه الرايتان معًا. هذا على الورق، أما في الواقع، فقد ضمنت بنية الحكم الثنائي سيطرةً بريطانية كاملة، إذ كان الحكام والمفتشون ضباطًا بريطانيين يخدمون اسميًّا في الجيش المصري [9].
والطريف أن مصر، الشريك الاسمي، هي التي سدّت لسنواتٍ طويلة عجز ميزانية السودان، وتحمّلت جانبًا كبيرًا من نفقات الجيش فيه [10]. إنها شركةٌ نادرة في تاريخ التجارة، يدفع فيها أحد الشريكين، ويوقّع الآخر، ثم يُقال للأول إن نصيبه محفوظ في القلب. ولم يكن هذا الشكل الغريب عبثًا، فقد صُمّم ليحقق الهدف الأول بأقل كلفة، أي أن يبقى السودان خارج يد أي منافس، ولا يُضم إلى الإمبراطورية رسميًّا فيثقل خزانتها، ولا يُعاد إلى مصر فتستقل به. وقد رسّخ ريجنالد ونجت، الذي حكم السودان من 1899 إلى 1916، إدارةً تقوم على هذه المعادلة الدقيقة [11].
مستعمرةٌ زهيدة التكاليف
لم يكن السودان مستعمرةً استيطانية مثل كينيا أو روديسيا. لم يأتِ إليه مزارعون إنجليز ليمتلكوا الأرض، ولم تُبنَ فيه أحياءٌ أوروبية تحتاج إلى من يحرسها. وكانت الإدارة كلها في يد نخبةٍ صغيرة يجمعها جهازٌ واحد هو «خدمة السودان السياسية» (Sudan Political Service)، الذي أُنشئ عام 1899 وحُلّ عام 1955. ولم يبلغ عدد أعضاء هذا الجهاز طوال عمره كله خمسمائة رجل، ولم يزد من كان منهم على رأس العمل في أي عامٍ واحد على مائة وخمسين، يديرون بلدًا تقارب مساحته مليون ميل مربع [12]. ومن هذه الصورة وُلدت المقولة الشهيرة إن السودان «بلاد سودٍ يحكمها زُرق» (a land of Blacks ruled by Blues).
وفي المقولة توريةٌ مزدوجة الألوان. فشطرها الأول مأخوذ من اسم البلد نفسه، إذ «السودان» في أصله العربي اختصارٌ لـ«بلاد السودان»، أي بلاد السود، كما سمّاها الجغرافيون العرب في العصور الوسطى. أما «الزُّرق» فليسوا قومًا ذوي بشرةٍ زرقاء، بل، هم حَمَلة «البلو» (Blue)، وهو اللقب الذي تمنحه جامعتا أكسفورد وكامبريدج لمن مثّل جامعته في مباراةٍ رياضية ضد الجامعة الأخرى، نسبةً إلى لون كلٍّ منهما، الأزرق الداكن لأكسفورد، والأزرق الفاتح لكامبريدج. فالمقصود إذن أن حكّام السودان كانوا في الغالب من نجوم التجديف، والركبي، والكريكيت، وألعاب القوى في الجامعتين، لا من علمائهما.
ولم تكن المقولة مجرد نكتةٍ في نوادي لندن، بل، كانت وصفًا دقيقًا لطريقة الاختيار. فعلى خلاف الخدمة المدنية الهندية التي كانت تختار موظفيها بامتحانٍ تنافسي مفتوح، كانت «خدمة السودان السياسية» تختار رجالها بالمقابلة الشخصية وتزكيات أساتذة الكليات، مقدّمةً «الشخصية»، والقدرة على القيادة، والاحتمال، على التفوق الأكاديمي وحده، وكان التفوق الرياضي في نظر لجان الاختيار شاهدًا على تلك الشخصية [12]. وكان المنطق الإمبراطوري وراء ذلك بسيطًا، فالشاب الذي يحتمل الإرهاق في سباق القوارب، ويقود فريقه في ملعب الركبي، يُرجى منه أن يحتمل حرّ كردفان، وأن يدير وحده مركزًا نائيًا في بلدٍ لا طرق فيه ولا هاتف، يطوف فيه على ظهر حصانٍ أو جمل.
وللمقولة في الأذن السودانية طرافةٌ لم يقصدها مطلقوها، فـ«الأزرق» في العامية السودانية وصفٌ لشديد السُّمرة، حتى يكاد يكون مرادفًا للأسود. فإذا قُرئت المقولة بلسان أهل البلد، صار الحاكم والمحكوم من لونٍ واحد، ولعل هذا أصدق ما قيل في المساواة طوال عهد الحكم الثنائي. والأهم، في سياق هذا المقال، أن صِغر هذا الجهاز هو الذي جعل السودان مستعمرةً زهيدة التكاليف. فبضع مئاتٍ من الرجال أداروا أكبر أقطار أفريقيا مساحةً، وبضع مئاتٍ من الرجال يسهل جمعهم، وتعويضهم، وإعادتهم إلى بيوتهم حين تحين ساعة الرحيل.
أما الاقتصاد، فقد تمحور حول مشروع الجزيرة، الأرض الواقعة بين النيلين الأزرق والأبيض جنوبي الخرطوم، الذي أُدير بالشراكة بين الحكومة، وشركة السودان الزراعية (Sudan Plantations Syndicate)، والمزارعين، لزراعة القطن الطويل التيلة لمصانع لانكشاير [13]. ولم يبدأ المشروع بخزان سنار، بل، سبقته تجربةٌ استمرت نحو عقدين. فقد مُنح الأمريكي لي هنت (Leigh Hunt) عام 1904 امتياز زراعة القطن في زيداب على النيل شمالي البلاد، ثم أُعيد تنظيم شركته عام 1907 باسم «شركة السودان الزراعية». وفي عام 1911 افتتحت الحكومة محطة ضخٍّ تجريبية في قرية الطيبة بأرض الجزيرة نفسها، وأدارتها الشركة بأساليب زيداب، فكان القطن يُروى هناك بالطلمبات من النيل الأزرق، لا بماء الخزان [14]. وفي عام 1913 أُجيز قرض السودان الذي مهّد لإقامة الخزان والقنوات، ثم عطّلت الحرب العالمية الأولى العمل، حتى اكتمل خزان سنار عام 1925، فبدأ الري بالانسياب منه [14][15].
ويرى مولان، في دراسته الحديثة عن التاريخ الاقتصادي للسودان، أن الرساميل البريطانية الخاصة ظلّت متواضعة، وأن الدولة الاستعمارية، لا الشركات، كانت قلب الاقتصاد [16]. وقد انتهى امتياز الشركة في 30 يونيو 1950، فصار المشروع بعده مملوكًا للحكومة السودانية وحدها، ومُدارًا بمجلس الجزيرة السوداني (Sudan Gezira Board)، الذي كان آرثر غيتسكل (Arthur Gaitskell) أول مدير له [17][14][13]. وهنا يتضح مصير «نصيب الدولة»، فقد سقطت حصة الشركة من القسمة، وبقيت الحكومة، وهي لا تزال بريطانية الإدارة حتى الاستقلال، المالكةَ الوحيدة لما كان شراكةً ثلاثية، ثم انتقلت ملكيتها بعد ست سنوات إلى الدولة السودانية المستقلة كما هي، بلا صخب. وفي القسمة التي سجّلها توني بارنيت (Tony Barnett) لاحقًا، يُوزَّع صافي أرباح القطن، ستة وثلاثون في المئة للحكومة، وخمسون في المئة للمزارعين، وعشرة في المئة لمجلس الجزيرة، واثنان في المئة لمجالس الحكم المحلي، واثنان في المئة لإدارة التنمية الاجتماعية [15].
معنى هذا أن بريطانيا، حين حانت ساعة الرحيل، لم يكن لها في السودان مستوطنون تحميهم، ولا مصالح تجارية كبرى تدافع عنها، ولا شركاتٌ تخشى تأميمها. فقد سُوّي الملف الاقتصادي الأهم قبل الخروج بهدوء، كما يُسدَّد آخر قسطٍ من قرضٍ قبل إغلاق الحساب.
النيل عصًا وجزرة
لكن السودان كان في يد بريطانيا شيئًا أثمن من القطن، كان صنبور مصر. ويوضح تيرجي تفيدت (Terje Tvedt)، في كتابه الموسوعي عن النيل في العصر البريطاني، أن لندن استخدمت مياه النيل في السودان أداةً للضغط على القاهرة، عصًا حينًا، وجزرةً حينًا آخر [18]. وأوضح مثالٍ على ذلك ما جرى بعد اغتيال السير لي ستاك، الحاكم العام للسودان، في القاهرة في 19 نوفمبر 1924، إذ وجّه اللورد اللنبي إنذارًا إلى الحكومة المصرية تضمّن، إلى جانب إخراج الوحدات المصرية من السودان، التلويح بتوسيع مساحة الري في الجزيرة بلا حدود [18][10]. لم يكن المقصود قطنًا إضافيًّا، بل، رسالةً إلى المصريين، أن الماء الذي يشربونه يمرّ من يدٍ بريطانية أولًا.
ثم جاءت اتفاقية مياه النيل عام 1929، وهي في حقيقتها تبادلُ مذكرتين في القاهرة بتاريخ 7 مايو 1929 بين محمد محمود باشا، رئيس مجلس الوزراء المصري، واللورد لويد (Lord Lloyd)، المندوب السامي البريطاني [19]. فالطرفان إذن مصر وبريطانيا فقط، وقد وقّعت بريطانيا عن السودان بوصفها صاحبة السيادة الفعلية عليه، فلم يجلس السودانيون إلى الطاولة التي قُسّم عليها ماؤهم [20]. واعترفت المذكرتان بـ«الحقوق الطبيعية والتاريخية لمصر» في مياه النيل، وقيّدتا الأعمال الجديدة، فلا يُقام على النهر ريٌّ ولا توليد كهرباء يضرّ بمصر إلا بموافقةٍ مصرية سابقة، وأعطتا موظفي الري المصريين حق التعاون في قياس تصرفات النهر عند خزان سنار، وأحالتا الخلاف إلى هيئة مستقلة [19][20]. أما الرقمان الشائعان، ثمانية وأربعون مليار متر مكعب لمصر وأربعة مليارات للسودان، فلا يردان في مذكرات 1929 نفسها، بل، ظهرا في اتفاقية 1959 بوصفهما «حقوقًا مكتسبة»، أي ما كان كلٌّ من البلدين يستعمله فعلًا عند أسوان [20]. وهكذا تتضح المعادلة، قيمة السودان في الحساب البريطاني مستمدةٌ من قيمة مصر، فما دامت مصر مهمة، كان السودان مهمًّا، فإذا ضاعت مصر أو تغيّر وزنها، تغيّر وزن السودان معها.
معاهدة 1936، تحالفٌ ترك السودان معلّقًا
وبين مذكرتي 1929 والحرب العالمية الثانية جاءت معاهدة 1936، وهي التي تفسّر لماذا بقي السودان بعد الحرب عقدةً بين لندن والقاهرة. فقد وُقّعت في لندن في 26 أغسطس 1936 باسم «معاهدة تحالف» بين بريطانيا ومصر، ووقّعها عن مصر مصطفى النحاس باشا ومحمد محمود باشا، وعن بريطانيا أنتوني إيدن (Anthony Eden) وآخرون [21]. وتتلخص خطوطها العريضة في أربعة بنود، أولها، إنهاء الاحتلال العسكري البريطاني لمصر بعد أربعة وخمسين عامًا، على أن تبقى قوةٌ بريطانية في منطقة قناة السويس لا تتجاوز عشرة آلاف جندي وأربعمائة طيار في زمن السلم [22]. وثانيها، تحالفٌ عسكري مدته عشرون عامًا [22]. وثالثها، رسائلُ ملحقة بالمعاهدة تقضي بسحب الضباط البريطانيين من الجيش المصري، وتكليف بعثة عسكرية بريطانية بتدريبه، وتسليحه على الطراز البريطاني [21]. ورابعها، المادة الخاصة بالسودان، وهي التي تعنينا هنا، وقد شرحها إيرل بلايموث (Earl of Plymouth)، وكيل وزارة الخارجية، أمام مجلس اللوردات في 25 نوفمبر 1936، فأبقت الحكم الثنائي على أساس اتفاقيتي 1899، وأبقت للحاكم العام سلطاته، وجعلت الغاية الأولى للإدارة رفاهية السودانيين، وتركت مسألة السيادة بلا حسم، وأبقت العلمين مرفوعين معًا في الخرطوم، وأتاحت وضع وحداتٍ بريطانية ومصرية تحت تصرف الحاكم العام إلى جانب قوة دفاع السودان (Sudan Defence Force)، وأطلقت هجرة المصريين إلى السودان إلا ما يمسّ الأمن العام والصحة العامة، واشترطت لانضمام السودان إلى الاتفاقيات الدولية عملًا مشتركًا بين بريطانيا ومصر [23].
والخلاصة أن المعاهدة أخرجت الجنود البريطانيين من القاهرة، لكنها تركت السودان معلّقًا كما هو، لا هو بريطاني ولا هو مصري، فظلّ المصريون يرون فيه جزءًا من «وحدة وادي النيل»، وظلّت لندن ترى فيه حارسًا لمياه مصر. ومن هنا طالبت القاهرة بعد الحرب بمراجعة المعاهدة، فكان السودان العقدةَ التي تعثّرت عندها المفاوضات [24].
ما بعد الحرب، حين تبدّل حساب الإمبراطورية
خرجت بريطانيا من الحرب العالمية الثانية منتصرةً ومفلسة في آنٍ معًا، وجاءت حكومة العمال بقيادة أتلي لتواجه إمبراطوريةً أكبر من قدرة خزانتها على الإنفاق. ثم استقلّت الهند في 15 أغسطس 1947، فإذا بالطريق الذي حُرست من أجله السويس، ومن أجل السويس حُرست مصر، ومن أجل مصر حُرس النيل، يفقد محطته الأخيرة [25][26]. إنه حارسٌ بقي واقفًا على باب بيتٍ بِيع، لا يعرف بعدُ أن عقد البيع قد وُقّع.
وفي الوقت نفسه، كانت مصر تطالب بـ«وحدة وادي النيل» تحت التاج المصري، وتعثّر بروتوكول بيفن وصدقي في أكتوبر 1946 على صخرة السودان تحديدًا [25]. ويطرح هينز في دراسته عن الدبلوماسية الإمبراطورية في عصر تصفية الاستعمار أطروحةً لافتة، هي أن حكومتي العمال والمحافظين كلتيهما كانتا مستعدتين لتقديم تنازلاتٍ كبيرة لمصر في السودان مقابل معاهدة تحالف تضمن لبريطانيا قاعدة قناة السويس، وأن موظفي «خدمة السودان السياسية» هم الذين قاوموا هذا الاستعداد فيما يشبه التمرّد على لندن [24]. بعبارةٍ أخرى، كان السودان في نظر لندن ورقةَ مساومةٍ على السويس، وهي الفكرة نفسها التي أدخلت بريطانيا إليه قبل نصف قرن، معكوسةً هذه المرة.
ثم ألغت حكومة النحاس في أكتوبر 1951 معاهدة 1936 واتفاقيتي الحكم الثنائي، ونُودي بالملك فاروق ملكًا على مصر والسودان [3]. تاجٌ على بلدٍ لا يحكمه صاحبه، ولا يعترف به الشريك الآخر، ولا يُستشار فيه أهله، ولعله أكثر التيجان خفّةً في تاريخ الملكيات.
ضغط السودانيين، من مذكرة الخريجين إلى الشارع
ولم يكن الاستقلال هديةً من لندن ولا من القاهرة، بل، ثمرة ضغطٍ سوداني متصل على الحكم الثنائي بدأ منظّمًا عام 1938 بتأسيس مؤتمر الخريجين العام (Graduates’ General Congress)، وهو تجمّعٌ لخريجي المدارس العليا صار منبرًا سياسيًّا [27]. وفي عام 1942 رفع المؤتمر إلى الحكومة مذكرةً تطالب بوعدٍ بحق تقرير المصير بعد الحرب، وبإلغاء قوانين «المناطق المقفولة»، وبزيادة عدد السودانيين في الوظائف، فرفضها الحاكم العام، وإن وافق على تحديث الحكم المحلي [3].
وانقسم الضغط بعد ذلك على مسارين. فقد رأت جماعاتٌ خرجت من المؤتمر في الاتحاد مع مصر حمايةً من الاستعمار البريطاني، فتجمّعت في حزب الأشقاء عام 1943، ثم في الحزب الوطني الاتحادي عام 1952، وتستند إلى الطريقة الختمية. ورأت جماعاتٌ أخرى أن «السودان للسودانيين»، فتجمّعت في حزب الأمة عام 1945، ويستند إلى الأنصار بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي [27][28].
ولم يقتصر الضغط على الأحزاب. فقد قاد عمال السكة الحديد، وهم عصب الاقتصاد الاستعماري، عبر جمعية شؤون العمال (Workers’ Affairs Association)، حملة إضراباتٍ استمرت عامي 1947 و1948، فعطّلت تصدير القطن، وهو مصدر الإيراد الأول للحكومة [29]. وكانت بريطانيا قد أنشأت عام 1944 المجلس الاستشاري لشمال السودان [30]، ثم أقامت عام 1948 جمعيةً تشريعية استشارية منتخبة جزئيًّا رغم اعتراض مصر، فقاطعتها الأحزاب الاتحادية الموالية لمصر [3]. واشتبكت الشرطة والمتظاهرون في الخرطوم بين 15 نوفمبر و15 ديسمبر 1948، وسقط عشرة قتلى، وانعقدت الجمعية في 15 ديسمبر 1948 [30].
وهكذا تحوّل الاستقلال من مطلبٍ نخبوي إلى مطلبٍ شعبي. فلما جاءت ثورة يوليو 1952 في مصر، وجد السودانيون أن لندن والقاهرة، المتنافستين على بلدهم، صارتا مستعدتين أخيرًا لأن تسألاهم عمّا يريدون.
نجيب يفكّ العقدة، اتفاقية فبراير 1953
جاءت ثورة يوليو 1952، وجاء معها اللواء محمد نجيب، المولود في الخرطوم، ففعل ما لم يفعله أحدٌ قبله، إذ فصل قضية السودان عن قضية الجلاء عن القناة، وقبل حق السودانيين في تقرير مصيرهم [3]. وفي 12 فبراير 1953 وُقّعت الاتفاقية الإنجليزية المصرية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير، فنصّت على فترةٍ انتقالية لا تتجاوز ثلاث سنوات، تُسودَن خلالها الوظائف، وتنسحب القوات البريطانية والمصرية، ثم يختار السودانيون بين الاتحاد مع مصر والاستقلال التام [31][27].
وحفظت الاتفاقية السيادة للسودانيين إلى حين تقرير المصير، وأقامت لتنظيم الانتقال خمس مؤسسات. أولها، الحاكم العام، وهو السلطة الدستورية العليا، ومعه «لجنة الحاكم العام» من خمسة أعضاء، سودانيان يقترحهما البلدان ويوافق عليهما البرلمان، وعضوٌ مصري، وعضوٌ بريطاني، وباكستاني يرأس اللجنة، وتصدر قراراتها بالأغلبية. وثانيها، لجنة السودنة، من مصري وبريطاني وثلاثة سودانيين يُختارون من قائمة من خمسة يقدّمها رئيس الوزراء السوداني، ومهمتها إتمام سودنة الإدارة في ثلاث سنوات. وثالثها، لجنة الانتخابات، من سبعة أعضاء، ثلاثة سودانيين، ومصري، وبريطاني، وأمريكي، وهندي يرأسها، وتضع قواعد الانتخاب وتشرف عليه. ورابعها، البرلمان بمجلسيه، مجلس شيوخ من خمسين عضوًا، ثلاثون منهم منتخبون وعشرون يعيّنهم الحاكم العام، ومجلس نواب منتخب كله، تُنتخب دوائره المباشرة وغير المباشرة، ودائرة للخريجين لا تزيد مقاعدها على خمسة. وخامسها، مجلس وزراء يختار مجلسُ النواب رئيسه ويعيّنه الحاكم العام، ويضمّ بين عشرة وخمسة عشر وزيرًا آخرين، منهم اثنان على الأقل من دوائر الجنوب [31]. وتنسحب القوات البريطانية والمصرية، بحسب المادة الحادية عشرة، خلال ثلاثة أشهر من قرار البرلمان بالبدء في ترتيبات تقرير المصير [31].
وفي نوفمبر 1953 جرت الانتخابات تحت إشراف لجنة الانتخابات، فاز فيها الحزب الوطني الاتحادي، الداعي إلى الاتحاد مع مصر، بإحدى وخمسين مقعدًا من سبعة وتسعين في مجلس النواب [30]. وافتتح الحاكم العام السير روبرت هاو (Sir Robert Howe) البرلمان في 1 يناير 1954، وتولّى إسماعيل الأزهري رئاسة أول حكومةٍ سودانية [32][3]. وهنا تبلغ السخرية التاريخية ذروتها، فبريطانيا التي قضت نصف قرن تحذّر السودانيين من الأطماع المصرية، رأتهم يصوّتون للاتحاديين في أول انتخابات حرة. غير أن الأيام دارت دورتها، فقد اندلعت في الخرطوم في 1 مارس 1954، يوم استأنف البرلمان جلساته، اشتباكاتٌ بين متظاهرين موالين لمصر وقبائل جاء بها حزب الأمة، قُتل فيها نحو خمسة وثلاثين شخصًا، منهم قائد شرطة الخرطوم البريطاني [32]، ثم أُزيح نجيب، المحبوب في السودان، عن السلطة في نوفمبر 1954، فبدأ الأزهري نفسه، زعيم الاتحاديين، يتحوّل نحو الاستقلال [33][27]. ويروي محمد أحمد محجوب، أحد أبرز الساسة السودانيين يومئذٍ وزعيم المعارضة في البرلمان، كيف اجتمعت الأحزاب في النهاية على الاستقلال الكامل [34].
وهنا جوهر المسألة كله. فالهدف الذي جاء من أجله كتشنر عام 1898، أي ألا تجلس قوةٌ أخرى على النيل الأعلى، تحقق عام 1955 بأيدٍ سودانية خالصة، ومن داخل حزبٍ وُلد اتحاديًّا. سودانٌ مستقل لا هو بريطاني ولا هو مصري، وهذه بالضبط هي النتيجة التي كانت لندن تفضّلها على أي بديلٍ ممكن. فلماذا تُحدث ضجيجًا وخصمُك يسجّل الهدف في مرماه بقدمه؟
جلاء القناة، حين سقطت الورقة من اليد
في 19 أكتوبر 1954 وقّعت بريطانيا ومصر اتفاقية قاعدة قناة السويس، التي ألغت معاهدة 1936، ونصّت على جلاء القوات البريطانية عن منطقة القناة خلال عشرين شهرًا [35]. وبهذا التوقيع فقد السودان آخر ما تبقّى له من قيمةٍ في الحساب الاستراتيجي البريطاني، فإذا كانت ورقة السودان تُدّخر للمساومة على السويس، فقد انتهت المساومة، وصارت الورقة بلا لعبة.
ولذلك مضى المسار بلا عوائق تُذكر. ففي أغسطس 1955 أصدر مجلسا البرلمان السوداني قرارين بالشروع في تقرير المصير، وفيهما أن مستقبل السودان يُحسم باستفتاء [2]، فاكتمل جلاء القوات البريطانية والمصرية قبل نهاية ذلك العام [31][27][28]. ثم وقّعت لندن والقاهرة في 3 ديسمبر 1955 اتفاقًا تكميليًّا ينشئ لجنةً دولية من سبعة أعضاء تسمّيهم تشيكوسلوفاكيا، والهند، والنرويج، وباكستان، والسويد، وسويسرا، ويوغسلافيا، تشرف على استفتاءٍ وانتخاب جمعيةٍ تأسيسية يجريان معًا، ويختار السودانيون فيهما بين الارتباط بمصر في أي صورة والاستقلال التام [2]. فتجاوزه البرلمان السوداني بعد ستة عشر يومًا فقط، وأعلن الاستقلال من داخل قاعته، فقبلته الدولتان. وتكشف الوثائق البريطانية الرسمية التي نشرها دوغلاس جونسون في سلسلة «الوثائق البريطانية عن نهاية الإمبراطورية» أن الحسابات في لندن كانت قد انتقلت منذ مدةٍ من سؤال «كيف نبقى؟» إلى سؤال «كيف نخرج بلا خسارة؟» [36].
لماذا بهدوء، سبعة أسباب لصمت المنسحب
تتضافر سبعة أسباب لتفسير هذا الخروج الصامت، هي، تحقُّق الهدف الاستراتيجي، وزوال الأساس الذي قامت عليه قيمة السودان، وغياب المستوطنين، وضآلة المصالح الاقتصادية، وصِغر الجهاز الإداري، والخوف من دفع السودانيين نحو القاهرة، والمناخ الدولي المعادي للاستعمار. وتفصيلها كما يلي.
أولها، أن الهدف الأصلي تحقق دون جهدٍ بريطاني، فسودانٌ مستقل عن مصر هو، في منطق 1898، انتصارٌ لا هزيمة. وثانيها، أن قيمة السودان كانت مستعارةً من قيمة مصر، والسويس، والهند، والثلاث كلها كانت قد ضاعت أو في طريقها إلى الضياع. وثالثها، أنه لم يكن في السودان مستوطنون بيض يطالبون بالحماية، على خلاف كينيا التي كانت تغلي يومئذٍ بثورة الماو ماو. ورابعها، أن المصلحة الاقتصادية الكبرى، أي امتياز مشروع الجزيرة، كانت قد صُفّيت قبل ذلك بسنوات [16].
وخامسها، أن جهاز الإدارة البريطاني كان صغيرًا، وقد جرت سودنة وظائفه خلال الفترة الانتقالية بتعويضاتٍ ومعاشات أرضت المغادرين [28]. وسادسها، أن أي عرقلةٍ بريطانية للاستقلال كانت ستُهدي الاتحاديين حجّتهم الكبرى، وتدفع السودانيين إلى أحضان القاهرة، فكان الصمت أذكى من الكلام [37][33]. وسابعها، أن العالم كان قد تغيّر، فالولايات المتحدة تضغط، والأمم المتحدة تراقب، وبريطانيا مشغولة بحروبٍ أخرى في الملايو، وكينيا، وقبرص، فلم يكن في وسعها أن تفتح جبهةً في بلدٍ لا تريده أصلًا [26].
الخروج يفسّر الدخول
إذا وُضع الدخول والخروج متقابلين، ظهر التناظر جليًّا. دخلت بريطانيا من أجل مياه مصر ومنع المنافسين، وخرجت حين صارت مصر خصمًا لا ركيزة، وحين ضمن استقلال السودان نفسه منع المنافس. دخلت من أجل طريق الهند، وخرجت بعد أن صارت الهند دولةً مستقلة. دخلت بضجيج المدافع لأن الجمهور يحب الثأر لشهيد، وخرجت بصمت لأن أحدًا في لندن لم يكن يرى في السودان ذاته شيئًا يستحق المعركة.
وما يؤكد أن منطق النيل لم يمت بالخروج، أن تفيدت يخصّص فصلًا لما سمّاه «الزئير الأخير»، أي محاولات لندن في 1956 توظيف مياه النيل ورقةَ ضغط على جمال عبد الناصر [18]. لقد خرجت بريطانيا من البيت، لكنها حاولت أن تحتفظ بنسخةٍ من مفتاح الصنبور. ثم جاءت أزمة السويس بعد عشرة أشهرٍ فقط من استقلال السودان، فاحتفظت بريطانيا بضجيجها كله لبورسعيد. هدوءٌ في الخرطوم، ورعدٌ على القناة، والفرق بينهما هو المقياس الدقيق لوزن السودان في الحساب الإمبراطوري.
على أن الإنصاف يقتضي ألا يُختزل الاستقلال في كونه هديةً بريطانية أو نتيجةً لحسابٍ في لندن. فمنذ مذكرة مؤتمر الخريجين عام 1942، التي طالبت بحق تقرير المصير بعد الحرب، كانت الحركة الوطنية السودانية تضغط وتفاوض وتناور [3]. ويرى مدثر عبد الرحيم أن الاستقلال جاء ثمرة التقاءٍ بين نضجٍ وطني سوداني وتحوّلٍ في الحساب الإمبراطوري، لا ثمرة أحدهما وحده [37]. لقد التقت الرغبتان في منتصف الطريق، رغبة السودانيين في البقاء، ورغبة بريطانيا في الرحيل.
ما تركته بريطانيا خلف الباب
غير أن الخروج الهادئ ترك وراءه ميراثًا صاخبًا. فقد عزلت «سياسة الجنوب» التي أُعلنت رسميًّا عام 1930 الإقليمَ الجنوبي عن الشمال، وأغلقت «المناطق المقفولة» أمام التجار والدعاة الشماليين، ثم عُكست السياسة على عجلٍ في مؤتمر جوبا عام 1947 دون تمهيدٍ كافٍ [38]. وحين جرت السودنة، لم ينل الجنوبيون إلا نصيبًا ضئيلًا من الوظائف التي أخلاها البريطانيون، فاندلع تمرّد توريت في 18 أغسطس 1955، قبل الاستقلال بأشهر، وكان فاتحة الحرب الأهلية الأولى [38][39].
كما ترك الحكم الثنائي دولةً مركزها النيل والجزيرة، وأطرافها مهمّشة، واقتصادًا قائمًا على محصولٍ نقدي واحد [16]. وانتقل ملف مياه النيل إلى الورثة، فوقّعت مصر والسودان في القاهرة في 8 نوفمبر 1959 اتفاقيةً سجّلت «الحقوق المكتسبة» لكلٍّ منهما، ثمانيةً وأربعين مليار متر مكعب لمصر، وأربعة مليارات للسودان، ثم قسّمت المنفعة الصافية من السدّ العالي، وهي اثنان وعشرون مليارًا، بين السودان بأربعة عشر مليارًا ونصف المليار، ومصر بسبعة مليارات ونصف المليار، فبلغ مجموع حصة مصر خمسةً وخمسين مليارًا ونصف المليار، ومجموع حصة السودان ثمانية عشر مليارًا ونصف المليار [20]. خرج الحَكَم، وبقيت المباراة.
خاتمة، الضيف الذي غادر قبل أن يُطرد
لم تغادر بريطانيا السودان بهدوء لأنها كانت مهذبة، بل، لأنها لم تأتِ من أجله أصلًا. جاءت من أجل نهرٍ يسقي مصر، وطريقٍ يوصل إلى الهند، ومنافسٍ فرنسي يجب أن يُطرد من فشودة، فلما جفّ الطريق، وخرج المنافس، وانقلبت مصر من ركيزةٍ إلى خصم، وصار استقلال السودان نفسه ضمانًا لما جاءت من أجله، لم يعد للبقاء معنى.
إنها حكاية الضيف الذي يغادر قبل أن يُطرد، لا لأنه يحترم أهل البيت، بل، لأنه اكتشف أن الوليمة التي جاء من أجلها كانت في بيت الجيران. وفي ذلك درسٌ للسودانيين قبل غيرهم، أن قيمة بلدهم في حسابات الآخرين كثيرًا ما تُقاس بما يجاوره لا بما فيه، وأن الاستقلال الذي يُنال بلا ضجيج يحتاج بعد ذلك إلى ضجيجٍ كثير لكي يُصان.
المراجع
[1] Adams, Philip. Letter from Philip Adams to Selwyn Lloyd on Sudanese Independence (Khartoum, 6 January 1956). Luxembourg: Centre Virtuel de la Connaissance sur l’Europe (CVCE), University of Luxembourg, 2015.
https://www.cvce.eu/content/publication/2015/10/15/86b39aec-a9da-4c14-ac3c-0d7640af716e/publishable_en.pdf
[2] Supplementary Agreement between the Government of the United Kingdom and the Egyptian Government for the Establishment of an International Commission to Supervise the Process of Self-Determination in the Sudan (Cairo, 3 December 1955). Treaty Series No. 90 (1955), Cmd. 9661. London: HMSO, 1955.
https://treaties.fcdo.gov.uk/data/Library2/pdf/1955-TS0090.pdf
[3] Metz, Helen Chapin (ed.). Sudan: A Country Study, “The Road to Independence”. Washington, DC: Federal Research Division, Library of Congress, 1992.
https://countrystudies.us/sudan/18.htm
[4] Robinson, Ronald, and John Gallagher, with Alice Denny. Africa and the Victorians: The Official Mind of Imperialism. London: Macmillan, 1961.
[5] Cromer, Earl of (Evelyn Baring). Modern Egypt. 2 vols. London: Macmillan, 1908.
[6] Sanderson, G. N. England, Europe and the Upper Nile, 1882–1899: A Study in the Partition of Africa. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1965.
[7] Encyclopaedia Britannica. “Fashoda Incident”. Chicago: Encyclopaedia Britannica, Inc.
https://www.britannica.com/event/Fashoda-Incident
[8] Churchill, Winston S. The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan. 2 vols. London: Longmans, Green and Co., 1899.
[9] Encyclopaedia Britannica. “Anglo-Egyptian Condominium”, rev. Amy McKenna. Chicago: Encyclopaedia Britannica, Inc.
https://www.britannica.com/print/article/25025
[10] Daly, M. W. Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge: Cambridge University Press, 1986.
[11] Warburg, Gabriel. The Sudan under Wingate: Administration in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1916. London: Frank Cass, 1971.
[12] Kirk-Greene, Anthony. “The Sudan Political Service, 1899–1955.” In Britain’s Imperial Administrators, 1858–1966, pp. 164–201. Basingstoke: Macmillan, 2000.
https://doi.org/10.1057/9780230286320_7
[13] Gaitskell, Arthur. Gezira: A Story of Development in the Sudan. London: Faber and Faber, 1959.
[14] Catalogue of the papers of the Sudan Plantations Syndicate Ltd. Durham: Sudan Archive, Durham University Library.
https://reed.dur.ac.uk/xtf/view?docId=ark%2F32150_s212579s275.xml
[15] Barnett, Tony. The Gezira Scheme: An Illusion of Development. London: Frank Cass, 1977.
[16] Mollan, Simon. Imperialism and Economic Development in Sub-Saharan Africa: An Economic and Business History of Sudan. Palgrave Studies in Economic History. Cham: Palgrave Macmillan, 2020.
https://www.springer.com/book/9783030276355
[17] Hansard (House of Commons). “Gezira Scheme.” Written answers, 14 December 1949. London: Parliament of the United Kingdom.
https://api.parliament.uk/historic-hansard/written-answers/1949/dec/14/gezira-scheme
[18] Tvedt, Terje. The River Nile in the Age of the British: Political Ecology and the Quest for Economic Power. London: I.B. Tauris, 2004.
[19] Exchange of Notes between His Majesty’s Government in the United Kingdom and the Egyptian Government in regard to the Use of the Waters of the River Nile for Irrigation Purposes (Cairo, 7 May 1929). Treaty Series No. 17 (1929). London: HMSO, 1929.
https://treaties.fcdo.gov.uk/data/Library2/pdf/1929-TS0017.pdf
[20] Bräutigam, Hans Otto. “Abkommen zwischen der Vereinigten Arabischen Republik und der Republik Sudan über die volle Nutzung des Nilwassers vom 8. November 1959.” Zeitschrift für ausländisches öffentliches Recht und Völkerrecht 21 (1961): 81–88.
https://www.zaoerv.de/21_1961/21_1961_1_b_81_88.pdf
[21] Treaty of Alliance between His Majesty, in respect of the United Kingdom, and His Majesty the King of Egypt (London, 26 August 1936), with Agreed Minute, Notes and Convention concerning the Immunities and Privileges of the British Forces in Egypt. Treaty Series No. 6 (1937), Cmd. 5360. London: HMSO, 1937.
https://api.parliament.uk/uk-treaties/treaties/3360
[22] Encyclopaedia Britannica. “Anglo-Egyptian Treaty (1936)”. Chicago: Encyclopaedia Britannica, Inc.
https://www.britannica.com/print/article/25031
[23] Hansard (House of Lords). “Anglo-Egyptian Treaty.” HL Deb, 25 November 1936, vol. 103, cols. 359–401. London: Parliament of the United Kingdom.
https://api.parliament.uk/historic-hansard/lords/1936/nov/25/anglo-egyptian-treaty
[24] Hanes, W. Travis, III. Imperial Diplomacy in the Era of Decolonization: The Sudan and Anglo-Egyptian Relations, 1945–1956. Contributions in Comparative Colonial Studies, no. 30. Westport, CT: Greenwood Press, 1995.
[25] Louis, Wm. Roger. The British Empire in the Middle East, 1945–1951: Arab Nationalism, the United States, and Postwar Imperialism. Oxford: Clarendon Press, 1984.
[26] Hyam, Ronald. Britain’s Declining Empire: The Road to Decolonisation, 1918–1968. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.
[27] Holt, P. M., and M. W. Daly. A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day. 5th ed. Harlow: Longman (Pearson Education), 2000.
[28] Daly, M. W. Imperial Sudan: The Anglo-Egyptian Condominium, 1934–1956. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
[29] Curless, Gareth. Economic Development, Labour Policy, and Trade Unions in the Sudan, 1898–1958. PhD thesis, University of Exeter, 2012.
https://ore.exeter.ac.uk/repository/handle/10871/10861
[30] University of Central Arkansas, Department of Political Science. “Anglo-Egyptian Sudan (1922–1956).” DADM Project.
https://uca.edu/politicalscience/dadm-project/middle-eastnorth-africapersian-gulf-region/anglo-egyptian-sudan-1922-1956
[31] Agreement between the Government of the United Kingdom and the Egyptian Government concerning Self-Government and Self-Determination for the Sudan (Cairo, 12 February 1953). Treaty Series No. 47 (1953), Cmd. 8904. London: HMSO, 1953.
https://treaties.fcdo.gov.uk/data/Library2/pdf/1953-TS0047.pdf
[32] History Today. “Opening of the Sudanese Parliament.” London: History Today Ltd.
https://www.historytoday.com/node/52234
[33] Woodward, Peter. Condominium and Sudanese Nationalism. London: Rex Collings, 1979.
[34] Mahgoub, Mohamed Ahmed. Democracy on Trial: Reflections on Arab and African Politics. London: André Deutsch, 1974.
[35] Office of the Historian, U.S. Department of State. Foreign Relations of the United States, 1952–1954, Vol. IX, Part 2, Document 1348: Editorial Note on the Anglo-Egyptian Suez Canal Base Agreement of 19 October 1954. Washington, DC: U.S. Department of State.
https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1952-54v09p2/d1348
[36] Johnson, Douglas H. (ed.). Sudan. British Documents on the End of Empire, Series B, Vol. 5, 2 parts (Part I: 1942–1950; Part II: 1951–1956). London: The Stationery Office, for the Institute of Commonwealth Studies, University of London, 1998.
https://sas-space.sas.ac.uk/6131
[37] Abd al-Rahim, Muddathir. Imperialism and Nationalism in the Sudan: A Study in Constitutional and Political Development, 1899–1956. Oxford: Clarendon Press, 1969.
[38] Beshir, Mohamed Omer. The Southern Sudan: Background to Conflict. London: C. Hurst, 1968.
[39] Collins, Robert O. A History of Modern Sudan. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

البرهان الكذاب !
منبر الرأي
المبررات والأدلة الداعمة لحل الحزب الشيوعي السوداني دفاعاً عن الديمقراطية
منشورات غير مصنفة
السودان يدين مقتل يابانييْن على يد “داعش”
منبر الرأي
طاعة الإمام: مُطلقةٌ أم نسبيَّةٌ؟ .. بقلم: د عبدالمنعم عبدالباقي علي
منبر الرأي
كيف يستمر نهب وتهريب الذهب وتمويله للحرب؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الجيش السوداني: حين تحولت البندقية من حارس للدولة الي وصي عليها

هشام عثمان
منبر الرأي

الملل دا……آآآآآيا

د. عزت ميرغني طه
منبر الرأي

الاستثمار في زمن الكرونا .. بقلم: عميد معاش طبيب/سيد عبد القادر قنات

د.سيد عبد القادر قنات
منبر الرأي

حكومة كفاءة وطنية لإنفاذ 8 أولويات .. بقلم: امام محمد امام

إمام محمد إمام
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss