طاهر عمر
قرأت مقال الدكتور حامد فضل الله بعنوان “قراءة في المنهج والمضامين: عرض كتاب الدكتور أمين حامد زين العابدين”. لفت نظري أن عنوان مقاله “قراءة في المنهج”، وفي الوقت نفسه نجده لم يلاحظ الفروق في منهج كل من طه حسين ومنهج محمد أركون. وللمدرك لاختلاف منهجي كل من طه حسين، عميد الأدب العربي، ومحمد أركون، يمكنه التمييز بكل سهولة ويسر بينهما، لدرجة القول إن جهود محمد أركون تعتبر بداية من حيث انتهى مشروع طه حسين، رغم أن محمد أركون كان معجبًا، لدرجة بعيدة، بالدكتور طه حسين.
مثلًا، في الفرق بين منهجيهما نجد أن منهج طه حسين أدبي تاريخي، ومنهج محمد أركون ارتكز على الإبستمولوجيا، ومقارنة الأديان، والأنثروبولوجيا وفلسفتها، وقد فتح على اللامفكر فيه؛ لذلك تعتبر جهود محمد أركون بداية من حيث انتهى طه حسين. عندما نقول إن جهود محمد أركون بداية من حيث انتهى طه حسين، فلأن أهم كتب الدكتور طه حسين، في الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر، وقد صدرا في عامي 1926 و1938، كانا في نهاية حقبة فلسفة التاريخ التقليدية وبداية فلسفة التاريخ الحديثة، التي استفاد من منهجها محمد أركون أكثر من طه حسين؛ لذلك جاءت جهود محمد أركون فتوحات وفيوضًا لن تعتاد عليها ساحة الفكر في عالم عربي تقليدي يقيده عقل إسلامي تقليدي مجافٍ للنزعة الإنسانية، لأن العقل الإسلامي التقليدي يعيش قطيعتين، حسب رأي محمد أركون: قطيعة مع أدب نزعته الإنسانية، وقد تحدث عنها محمد أركون في فكر كل من أبي حيان التوحيدي ومسكويه.
محمد أركون أعمل في جهوده الفكرية كثيرًا من المناهج التي لم يستفد منها طه حسين؛ لأنها لم تكن منجزة في زمنه. أغلب جهود طه حسين جاءت في حقبة أزمة العلوم الإنسانية التي تحدث عنها هوسرل، مع كثير من الفلاسفة، وفتحت على فلسفة ماكس فيبر وعلم اجتماعه، في وقت وقف فيه طه حسين في تخوم علم اجتماع دوركهايم، وقد تجاوزه علماء الاجتماع في فرنسا مفضلين عليه ماكس فيبر. وبالمناسبة، محمد أركون من المعجبين بماكس فيبر؛ لذلك يعتبر مشروعه النقدي بداية من حيث انتهى مشروع طه حسين.
فإذا اشترك كل من طه حسين ومحمد أركون في محاولة تحرير النصوص من اللاهوت، وتحرير العقول من النصوص الدينية، إلا أن محمد أركون، وبسبب استفادته من مناهج لم يحظَ طه حسين بتمحيصها، قد قطع شوطًا بعيدًا متجاوزًا طه حسين. لذلك ما أود قوله أن الدكتور حامد فضل الله، في مقاله، وبسبب عدم وضوح رؤيته للمناهج، وضع سلسلة من الأسماء ينظمها خيط واحد، ونقول له: لا يمكن أن تضع محمد أركون مع محمد عابد الجابري، وقد انتهى مفسرًا للقرآن، وقد عاد الجابري لاهوتيًا غير قادر على تحرير العقول من النصوص اللاهوتية، ولا يمكن أن تضع حسن حنفي مع محمد أركون، ولم يستطع حسن حنفي الفكاك من محاباته لخطاب الإسلاميين.
ما دفعني دفعًا لكتابة هذا المقال هو استسهال الدكتور حامد فضل الله للأمور، وهذا معتاد في ساحتنا السودانية، وسببه ضعف المناهج. لذلك تجد من المعتاد عند النخب السودانية وضع محمد أركون في نفس المقام مع محمد عابد الجابري أو حسن حنفي، ووصل الاستسهال بالدكتور حامد فضل الله بأن يضيف حتى اسم عبد الوهاب الأفندي. وعبد الوهاب الأفندي، بعد نشوب هذه الحرب العبثية بين جيش الكيزان وصنيعته الدعم السريع، رجع كوزًا كامل الدسم؛ فمن أين لعبد الوهاب الأفندي قدرة تحرير النصوص من اللاهوت، وتحرير العقول من النصوص الدينية، التي اشتغل عليها كل من طه حسين ومحمد أركون؟
ولكي نوضح اختلاف مشروع محمد أركون عن مشروع محمد عابد الجابري، فإن أركون اشتغل على نقد العقل الإسلامي، وواضح في مشروع أركون بعد الفكر الكانطي، وخاصة في الإسلاميات التطبيقية، فيها يوضح أركون فكر أنثروبولوجيا كانط في إعماله للقطيعة بين اللاهوت والأنثروبولوجيا. أما محمد عابد الجابري وعبد الوهاب الأفندي، فيدور فكريهما داخل إطار الإسلاميات الكلاسيكية؛ ولهذا لم تختلف نهاية محمد عابد الجابري في محاولة تفسير القرآن عن محاولة الترابي التقليدية في التفسير التوحيدي. وقد وصف محمد أركون حسن الترابي بأنه مفكر تقليدي، وكتبه كتب تقليدية. ومن وصف محمد أركون للترابي بأنه مفكر تقليدي تأتي أهمية مقالي، في أنه يجب التمييز بين محمد أركون وبين من تحدث عنهم الدكتور حامد فضل الله، وكأنهم في مقام فكري واحد مع محمد أركون وطه حسين، وهيهات.
فهم مشروع محمد أركون النقدي مهم أهمية بالغة، وبالمناسبة، لعمقه واختلافه عن بقية المشاريع النقدية التوفيقية، وجب التوضيح بأنه يختلف عن من كتب عنهم الدكتور حامد فضل الله، وكأن لهم نفس دور محمد أركون، ذي النزعة الإنسانية الناتجة من غربلته للتراث بغربال يختلف عن غربال حسن حنفي، وغربال محمد عابد الجابري، وغربال كثير من النخب السودانية التي ما زالت تدعو للمؤالفة بين العلمانية والدين، وكثير غيرهم في مشاريعهم التوفيقية الكاذبة في محاولة التوفيق والتلفيق بين الأصالة والحداثة.
بالمناسبة، لكل من قرأ مشروع محمد أركون النقدي بعمق، تتضح له ألاعيب النخب السودانية في مجاملاتهم، وإخوانياتهم، وشللياتهم. وأقصد أن من يقرأ مشروع محمد أركون بعمق لا يمكن أن تفوت عليه خديعة بعض النخب السودانية، ومحاولة تمرير خدعة أن عبد الوهاب الأفندي، والمحبوب عبد السلام، والتجاني عبد القادر قد انتقدوا مشروع الإخوان المسلمين في السودان وتجاوزوه، كما يحاول حامد فضل الله أن يوهمنا.
حامد فضل الله مغرم بأفكار عبد الوهاب الأفندي، وكانا مشتركين في لجنة منحت راشد الغنوشي جائزة ابن رشد، وكانت تلك اللحظة من المضحكات المبكيات لمن يعرف مشروع أركون النقدي. محمد أركون، إذا أردت أن تنصفه، فلا تجد حرجًا في أن تصفه بسبينوزا المسلمين؛ لأن جهود محمد أركون لا تقل عن قفزة سبينوزا وعبقريته التي أعملها في التراث اليهودي، وأنجز بها تحرير النصوص من اللاهوت، وأضاف إليها تحرير العقول من النصوص الدينية، وهذا هو إنجاز عباقرة الرجال. وعليه، فإن مشروع محمد أركون في نقده للعقل الإسلامي يرفعه إلى مقام سبينوزا وترسيخه للنزعة الإنسانية. وبالمناسبة، فإن حسن حنفي قد ترجم كتاب سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة إلى العربية، إلا أنه ظل توفيقيًا، ولم يصل إلى ما وصل إليه محمد أركون في نقده للعقل الإسلامي؛ لذلك يستحق محمد أركون أن يوصف بأنه سبينوزا المسلمين.
فأصحاب المشاريع النقدية الضخمة عظماء على الدوام. مثلًا، نجد الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني معجبًا بوصف إيمانويل كانط بأنه موسى الألمان؛ لأنه كان صانع أفق جديد لتفكير أمته، وأن إيمانويل كانط، في مشروعه النقدي، قدم أفكارًا لا تقل في أهميتها عن ألواح النبي موسى؛ لذلك يستحق أن يوصف بموسى الألمان. وكذلك يستحق محمد أركون أن يوصف بأنه سبينوزا المسلمين في غربلته للتراث.
ذكرت في صدر المقال أن مشروع أركون يبتدئ من حيث انتهى مشروع طه حسين، وهذا يذكرنا بعلاقة الدكتور عبد الله الطيب بالدكتور طه حسين. وقلنا في مقالات سابقة إن طه حسين حاول جاهدًا أن يجعل من الدكتور عبد الله الطيب طه حسين السودان، وفشل. وفشل طه حسين مع الدكتور عبد الله الطيب ظهر يوم خاطبه الدكتور عبد الله الطيب بأنه اتخذ قراره بأن يكون بجانب التراث والدين والأمة، وظل الدكتور عبد الله الطيب مثقفًا تقليديًا للغاية.
وتتضح تقليدية الدكتور عبد الله الطيب في كرهه لعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيين، ونجد كرهه لعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيين في الجزأين الأول والثاني من كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها. والغريب أن الدكتور عبد الله الطيب يحاول سحب البساط من تحت أقدام علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين، وإعادة الأبهة لرجال الدين. ولك أن تتخيل الفرق الشاسع بينه وبين محمد أركون، الذي يحاول أنسنة التراث بإبعاد رجال الدين وإحلال مكانهم علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين. ونترك لك، أيها القارئ، أن تحدد كم هي شاسعة المسافة التي تفصل بين منهج محمد أركون وإدراكه، وبين إدراك الدكتور عبد الله الطيب.
وعليه، يعتبر الدكتور عبد الله الطيب أكبر مظلة يجلس تحت ظلها مروجو الأبوية والأبوية المستحدثة، وهم ذلك الجيل من المثقفين التقليديين الذين يظنون أن هناك إمكانية للتوفيق بين الحداثة والأصالة. وبالمناسبة، أمثال عبد الوهاب الأفندي، والتجاني عبد القادر، والمحبوب عبد السلام هم من مروجي الأبوية المستحدثة، كما يقول هشام شرابي، وكشفهم يحتاج لفكر يكون نتاج منهج مثل منهج محمد أركون، أي الفكر الذي يحرر النصوص من اللاهوت، ويحرر العقول من النصوص الدينية. والمضحك أن عبد الوهاب الأفندي، والتجاني عبد القادر، والمحبوب عبد السلام، رغم زعمهم أنهم قد قدموا انتقادًا للحركة الإسلامية السودانية، إلا أنهم تجسيد للأبوية المستحدثة التي تستبطن فكرًا لاهوتيًا لا يخرج من الفكر المثالي والفكر التأملي، ولا يخرج من حيز وحل الفكر الديني الذي يمثل أحسن حاضنة لسلطة الأب وميراث التسلط، وكشفهم يحتاج إلى مناهج ليست موجودة في وسط النخب السودانية التقليدية.
لذلك تستمر خديعتهم لأغلب النخب السودانية، حتى من غير الكيزان، ونجدها في الخوف الذي يظهر في كتابات بعض النخب، وحديثهم عن الحداثة والإيمان، أو حديثهم عن الحداثة والسبحة. وهذا حديث من لم يسمع بفكرة تحرير النصوص من اللاهوت، وتحرير العقول من هيمنة النصوص الدينية، كما هو سائد في منهج محمد أركون المبتدئ بعد نهاية منهج طه حسين. ومن هنا يأتي اعتراضنا على وضع عبد الوهاب الأفندي ومحمد عابد الجابري في قائمة واحدة مع طه حسين ومحمد أركون، حتى ولو كان موضوع المقال محاولة إضاءة للأفكار التي وردت في الكتاب الذي تحدث عنه الدكتور حامد فضل الله.
وبالمناسبة، ضعف فهم النخب السودانية لمنهج محمد أركون يجعلهم كثيري الإحالات إلى محمد عابد الجابري؛ لأنه أقرب لفكر المثقف التقليدي السوداني، الذي ما زال محاطًا بالفكر التأملي، نتاج الفلسفة المثالية. ومن هنا تأتي توصيتنا بالاهتمام بفكر محمد أركون؛ لأنه قد أصبح سبينوزا المسلمين بلا منازع. ولكي تفهم فكر محمد أركون، يجب فهم أفكار سبينوزا بطريقة تختلف عن فهم حسن حنفي لها. فحسن حنفي، رغم ترجمته لكتاب سبينوزا، ظل فكره محابيًا للخطاب الديني التقليدي، وها هي الأيام، في سيرها، تتجاوز محاباة حسن حنفي لخطاب الإسلاميين. ويمكننا القول إن زمن فهم أفكار سبينوزا كما ينبغي، أي كما هي عند محمد أركون، قد أشرق نوره الآن، ولكي يصبح روح مراكز البحوث في العالم العربي والإسلامي التقليدي مسألته مسألة وقت، رغم محاولات التوفيقيين في ترقيعهم، كما وضح في مقال الدكتور حامد فضل الله.
في أغلب الأحيان تذكرني كتابات الدكتور حامد فضل الله، في مسارها المعكوس، بكتاب جورج طرابيشي من النهضة إلى الردة. ففي كتاب طرابيشي أن أغلب مشاريع النهضة العربية فتحت على مسار معكوس، أعاد مساره في مخاضات وحل الفكر الديني، وابتعد عن فكر اليقظة والنهضة والانعتاق. وبالمناسبة، قراءة كتاب طرابيشي تساعدنا في فهم تعثر الدكتور حامد فضل الله، بل تساعدنا على فهم إصراره على الوقوف طويلًا في محاولة تقييم خطاب الإسلاميين، كما رأيناه في لجنة أعطت راشد الغنوشي جائزة ابن رشد. والغنوشي يعتبر آخر حملة لواء الإمام الغزالي، العدو اللدود لابن رشد؛ لأن الغزالي يعتبر عدو الفلاسفة منذ لحظة كتابه تهافت الفلاسفة. لذلك من المضحكات أن تعطي الغنوشي جائزة ابن رشد، وهذا وحده يوضح لنا معنى ومفهوم كتاب من النهضة إلى الردة في تفسيره لمساهمة حامد فضل الله، التي توضح مساره المعكوس في إعطاء جائزة ابن رشد للغنوشي. قبل قرنين من الزمان، بالكمال والتمام، كان حال فرنسا كحال العالم العربي والإسلامي التقليدي الآن.
لاحظ توكفيل تأخر أوروبا، القارة العجوز، في إنجاز وتحقيق الديمقراطية مقارنة بأمريكا، وقدم كتابه الديمقراطية في أمريكا. ومن ملاحظات توكفيل أن هناك ستة عقود قد مرت على قيام الثورة الصناعية، واستقلال أمريكا، وظهور كتاب آدم سميث ثروة الأمم. وأول ملاحظات توكفيل أن قيم الجمهورية والمجتمع الديمقراطي القائم على المساواة بين أفراده قد أصبحت فلسفته بديلًا للفكر الديني، أي قد أصبحت قيم الجمهورية والديمقراطية بديلًا للفكر الديني.
وبالتالي أصبح مفهوم الدين، عند توكفيل، أفق الرجاء للفرد، أي أن الدين شأن فردي في علاقة الفرد بربه، بدون وساطة رجال الدين، ولم يعد للدين دور بنيوي على صعد السياسة والاجتماع والاقتصاد؛ لأن عند توكفيل أن ظاهرة المجتمع البشري قد أوضحت أن الفرد الاجتماعي عقلاني وأخلاقي بالفعل الاجتماعي العفوي، كفعل إنساني، وليس بسبب أوامر الشرائع الدينية من خارج المجتمع. وبالتالي تصبح حرية الضمير شأنًا فرديًا، والفرد الأخلاقي والعقلاني يؤمن بحرية الآخرين، عكس ما يفعله الإسلاميون الآن في عدم اعترافهم بحرية الآخرين، وهذا أكبر دليل على عدم عقلانيتهم وانعدام البعد الأخلاقي في أدبهم.
الفرق بين توكفيل وحامد فضل الله أن توكفيل، من قبل قرنين من الزمان، كان له إدراك ووعي يجعله قادرًا على التضحية بهويته الدينية، وحامد فضل الله ما زال مجسدًا لعنوان كتاب جورج طرابيشي من النهضة إلى الردة في كتاباته المحابية للإسلاميين، وخاصة فيما يتعلق بإشادته بعبد الوهاب الأفندي، العاجز عن التضحية بهويته الدينية.
تصدى توكفيل لزعم الكاثوليك بأنهم يستطيعون بالكاثوليكية تحقيق ديمقراطية، ويمكنك أن تأخذه مقياسًا لتأخر العالم العربي والإسلامي التقليدي بقرنين عن عالمنا المعاصر. وكان جواب توكفيل بأنه من المستحيل تحقيق ديمقراطية بالكاثوليكية.
الكاثوليك، بسياجاتهم الدوغمائية من قبل قرنين من الزمان، لا يشبههم إلا الكيزان اليوم، ومن يعتقد في تحقيق ديمقراطية من خطاب إسلامي تقليدي قد سار في مسار من النهضة إلى الردة. كانت الكاثوليكية، على الدوام، تفرض سياجاتها الدوغمائية، وترفض فكرة التجربة الفردية للفرد في علاقته الروحية مع ربه، كما يفعل الكيزان الآن. وبالتالي لا يمكن تحقيق ديمقراطية، ولا انعتاق فكري يفتح على فكرة الديمقراطية، في ظل السياجات الدوغمائية التي تفرضها الكاثوليكية من قبل قرنين من الزمان، ويفرضها الآن كيزان السودان.
في نظر توكفيل أن الكاثوليك في عداء أبدي مع الديمقراطية للمجتمعات الحرة، بسبب علاقتهم الجيدة مع الأرستقراطيين، وعلاقتهم مع الملكية. وعداء الكاثوليك للديمقراطية والأفكار الحرة يجسده الكيزان الآن في السودان. أخيرًا، يذكر توكفيل أن سلطوية الكنيسة وبناءها التسلطي لا يتناسب مع روح الاستقلال والحرية في المجتمعات الديمقراطية، وهنا وجب تذكير القارئ بالتطابق بين سلطوية الكيزان والكاثوليك من قبل قرنين، وكذلك روح تسلط الكيزان الآن، وعدائهم للأفكار الحرة، وعدائهم للديمقراطية وروح المجتمعات الحديثة.
الفرق بين توكفيل وحامد فضل الله أن توكفيل لم يسر خلف الكاثوليك كما يسير حامد فضل الله خلف الكيزان، الزاعمين أنهم قد انتقدوا تجربتهم، وهيهات، كالسائر في نومه. توكفيل قدم فكرًا نتاج انتباهه للتحول في المفاهيم بسبب إفرازات الثورة الصناعية، التي نبهت المفكرين والفلاسفة لفكرة المسؤولية الاجتماعية نحو الفرد، وأصبحت السياسة ترتكز على فكرة الشرط الإنساني، وبالتالي قد أصبحت قيم الجمهورية والديمقراطية بديلًا للفكر الديني، وأصبحت عند توكفيل فكرة فصل الدين عن الدولة فكرة واضحة.
لأن توكفيل كان مدركًا أن من ينطلق من أي خطاب ديني، أي دين، لا يمكنه أن يتحدث عن التسامح، كما يقول جون لوك، وهو الأب الشرعي للفكر الليبرالي بشقيه السياسي والاقتصادي.
الدكتور حامد فضل الله، بسيره خلف مسيرة الإسلاميين المتسكعة، وهي تقاوم روح الانعتاق وروح العالم الحر، كأنه يرضى لنفسه بأن يعطي الإسلاميين حق أن يتحكموا في مجرى تيارات الوعي في عالم عربي إسلامي تقليدي، في وقت أن عالمنا المعاصر قد أصبح تاريخه خارج تحكم الإسلاميين التقليديين. العالم المعاصر الآن تاريخه قد أصبح تاريخًا للبشرية كافة بعد الثورة الصناعية، ومخطئ من يظن بأن هناك خصوصية لعالم عربي إسلامي تقليدي. فالعالم الآن يسير بروح الثورة الصناعية وأنفاس مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية، لذلك لا مكان فيه للإسلاميين، ومن سار خلفهم محابيًا أو خائفًا أو له مآرب أخرى.
taheromer86@yahoo.com
