الدكتور حسن عابدين: حياته في السياسة و الدبلوماسية .. بقلم: محـمـد المكي إبراهـــيــــم
24 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
39 زيارة
صدر في نهاية العام الماضي 2014 م مؤلف هام للأخ العزيز د. حسن عابدين بعنوان ( حياة في السياسة و الدبلوماسية ) و قد تفضل بإهدائي نسخة منه كانت من أواخر ما تبقى من النسخ فقد جئت إلى حلبة المهاداة متأخراً و كان الكتاب شديد الرواج سريع النفاد .
و رواجه استحقاق لا شك فيه فقد غطى الكتاب تفاصيل حياة عامـرة في السياسة و الدبلوماسية عاصر الكاتب خلالها أحداثاً جساماً نحتاج دائماً لمعرفة المزيد من تفاصيلها و دقائقها. على رأس تلك الأحداث ثورة أكتوبر التي عايشها قائداً طلابياً يترأس المجلس الأربعيني لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم و هو منصب أهّله له إهتمامه الباكر بالسياسة و صفاته الشخصية التي جذبت إليه قلوب و عقول زملائه بفضل بعده عن الإنتماء الحزبي و ما يتحلى به من الرزانة و اتباع المنطق و تخفيف آثاره ( آثار المنطق ) بالنكتة الذكية البارعة .
قد يبدو غريباً وصفي له بالبعد عن الإنتماء الحزبي و هو القوة الكامنة وراء قيام تنظيم المستقلين في الجامعة و أحد القوى التي حولت ذلك التنظيم إلى حزب سياسي يتعاطى العمل العـام خارج أسوار الجامعة بعد انتهاء أيام الدراسة و التحصيل. و يكمن سر ذلك في طبيعة الحزب الذي انتمى إليه فهو ردة فعل العقل السوي على القتال المستميت بين الحزبين العقائدين في ذلك الزمان وهما حزب الإسلاميين و حزب الماركسيين و الجدل العقيم بين المعسكرين بما أدخل السأم و الضجر على نفوس الآخرين غير المنتمين لأي منهما . و لاشك أن عقلانية الدكتور عابدين هي التي حملته على المشاركة في إنشاء ذلك التنظيم و هي نفسها التي رفعته إلى المناصب التي تسنمها و إلى الخيارات الهادئة التي انتهى إليها في لاحق أيام حياته الملئية بالأحداث . و كلها صفات تؤهله لتكوين و رئاسة حزب قوي متماسك و معتدل يمكن أن يمد جذوره في مستقبل السودان و يصبح واحداً من ركائز حياته السياسية .
في مطلع حياته الثانية ( حياته الدبلوماسية ) كان حسن عابدين متردداً في قبول المنصب الذي عرضه عليه أهل الإنقاذ و هو منصب السفير لدى الجزائر و يقول أنه بعد لقائه بالمسئول السياسي للإنقاذ و تلقيه العرض الجديد التقى في بعض طريقه الدكتور عثمان سيدأحمد البيلي فقص عليه ما جرى و طلب نصيحته في الرفض أو القبول فأعطاه العالم الجليل نصيحة لابد أنها غيرت مجرى حياته إذ قال له إن لدى أهلنا الشوايقة مثلاً شعبياً يقول ( سو و أندم .. لا تخلي و تندم ) و معناه – بلغة المؤلف : خير لك أن تفعل الشيء و تندم فيما بعد على فعله من أن لا تفعل فتندم ) .. و هي معادلة غاية في الطرافة أنوي أن أسأل أصدقائي المحاسبين حسابها كنسبة مئوية بين فرص الفشل والنجاح و لكنها عنوان آخر للإقدام على الفعل متى تساوى الفرضان .. و بتلك النصيحة المستمدة من حكمة الشعب و تجاربه قبل صديقنا العزيز بالعرض المعروض عليه و به احتمل قسوة المحطتين الأوليين : الجزائر فالعراق و هما محسوبتان من مناطق الشدة و احتمل إلى جانب ذلك ضروباً من الألم النفسي من دعاة الدبلوماسية الرسالية على حد تعبيره – وهم نفر من غلاة المتشددين إسلامياً ممن يقولون بسقوط الدبلوماسية الكلاسيكية أو التقليدية من أنصار النهج الإسلامي الجديد و هم في حقيقة الأمر لا يملكون من الدبلوماسية مقوماتها من معرفة بالتأريخ و الإقتصاد العالمي و لغات التخاطب الدبلوماسي و أهمها اللغة الإنجليزية التي أخذت مكان الفرنسية في الدقة و الذيوع. و بصبره على المُر دلف المؤلف إلى الأفضل و كيلاً للوزارة لا يتعرض لسفه المتشددين ثم سفيراً في لندن قريباً من أهل السلطان في ترددهم الدائب على العاصمة البريطانية سهلة المنال شديدة الإرتباط بمصالح السودان خاصة و هم بمقتضى توجيه جديد ينزلون ضيوفاً على السفير في داره الرسمية فيُحسنون الاستماع لمعاناته و لمطالبه كما يليق بالضيوف المحترمين. وفي كل ذلك كان صديقنا العزيز يمشي على حد السكين محاولاً أن يرضي ضميره المرهف دون أن يسيئ إلى من استأمنوه على إسمهم و سمعتهم في عاصمة الضباب . و للعرب قول قديم : ” إذا خان السفير فسد التدبير “.. و تقديري أن الدكتور عابدين قد أقام العدل و القسط بين الوازعين .
كنت دائماً من المدافعين عن الزملاء الذين استبقتهم الإنقاذ في خدمتها بسبب من مؤهلاتهم الرفيعة و قدراتهم العالية و قد أعربت عن ذلك في كتابات متنوعة منشورة على الملأ لا أحتاج لتكـرارها رأفة بمشاعــر المعنيين و بعداً عن التمنن عليهم بذلك الصنيع .. و بالمقابل كنت و ما زلت سعيداً بدخول أهل الكفاءة في الخدمة الدبلوماسية و على رأس أولئــك أساتذة الجامعات ذوي التخصص المطلوب للسفارات مثــل علماء التأريخ الحديث و علماء الإقتصاد السياسي و خبراء التجارة الدولية و علماء اللغات و خِفاف الظل من أهل الأدب و صديقنا عابدين ينتمي إلى أكثر من واحدة من تلك المواصفات. وفي اعتقادي أن من يتحلى بواحدة من تلك التخصصات يمكنه أن يسيطر على اندفاعات الحُكام خاصة الجدد منهم وطيش انصارهم من المستجدين و ترويضهم على القواعد المرعية في العمل الدبلوماسي .
و يذكرني ذلك بقصة مروية عن سفير أمريكي كان يخدم في موسكو في أوائل القرن الماضي حين قامت الثورة البلشفية و بعد استقرارها بعامين أو ثلاثة دقت ساعة نقله عائداً إلى واشنطن فانتظر أن يدعوه البلاشفة لمنحه وسام الوداع و ظل ينتظر حتى فـرغ صبره فذهب إلى مدير مراسمهم و أخبره صراحة أن هناك تقليداً يمنح وساماً معقولاً للسفير المنقول ولم يفهم المدير مرماه فشرح له المقصود بالتفصيل و التمثيل و عندها فهم الرجل فاصطحب السفير إلى واحد من القصور القيصرية و فتح أمامه صندوقاً كبيراً مليئاً بالأوسمة و الميداليات المهداة للقيصر و سأله أهذا ما تقصد ؟ إذن خذ لنفسك ما تشاء من هذا الصندوق .
إلاّ أنه لم يبلغ بنا الجهل إلى ذلك المستوى فقد كان للحكم الجديد خبراء ناجحون حدّوا من غلواء المتشددين و حفظوا للسودان سمعته الطيبة . و في كثير من مواضع الكتاب يشتكي الدكتور و يتضجر من ذلك الصنف من الرجال و النساء الذين تسللوا للخدمة الخارجية بوصفهم ( أبناء المصارين البيض ) وفي بعض الحالات تمكن من ترويضهم و الحد من غلوائهم .
و لدى الدكتور الكثير الكثير عن مايو و المايويين و ضيقهم بكلمة الحق التي أطلقها حين كتب مقاله الداوي ” ثورة داخل الثورة ” فقد تصدى له المغالون في الولاء و اتهموه بقيادة تيار يريد القيام بثورة على الثورة و اضطر أن يدفع ثمن تلك الاتهامات من رصيده السياسي المكنوز .. وأذكـــر تماماً مشاعر الفخر التي انتابتني بالزميل العزيــز و هو يخوض تلك المعركة و يخسرها ( بطبيعة الحال ) !
من مثل هذه المذكرات و الذكريات تتكون مادة التأريخ للباحث الجاد الذي يجمعها و يضاهيها استخلاصاً للحقيقة من بين أضابير المعاصرين من الرواة و الفاعليــــن فهنـيـئــــاً لهم بهذه المائدة الثقافية الممدودة زاخرة بكل ما لذّ و طاب .
///////////