من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
الدولة والسوق: بين يدٍ تُنقذ الاقتصاد ويدٍ تُطلقه
قراءة مزدوجة في كتابين غيّرا مسار الاقتصاد العالمي
منبر بنيان
مقالات من بطون كتب ونبض الميدان
المقدمة
حين يشتدّ الجدل حول الاقتصاد، لا يكون الخلاف في الأرقام بقدر ما يكون في الفلسفة.
هل تُدار المجتمعات بيد الدولة أم بيد السوق؟ هل تُنقَذ الأزمات بالتدخل أم تُترك لتُصحّح نفسها؟
هذا السؤال لم يكن ترفًا فكريًا، بل كان ولا يزال محدِّد مصائر أمم.
في هذا المقال نعيش داخل كتابين لا خارجهما، كتابين وقفا على طرفي نقيض، لكنهما شكّلا معًا العمود الفقري للاقتصاد الحديث:
النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود لجون ماينارد كينز،
ورأسمالية وحرية لميلتون فريدمان.
الأول كُتب من رحم الكساد العظيم،
والثاني من قلب الخوف من تمدّد الدولة.
وبينهما دارت معركة الأفكار التي ما زالت تحكم قرارات الميزانيات والبنوك المركزية حتى اليوم.
جسم المقال
ظهر كينز في لحظة انهيار. ثلاثينيات القرن العشرين كانت زمنًا فقد فيه السوق هيبته، وانهارت الثقة في آلياته. البطالة بالملايين، المصانع مغلقة، المال متكدّس بلا حركة. هنا قال كينز ما بدا حينها صادمًا:
السوق لا يُصحّح نفسه دائمًا، وقد يظل عالقًا في الكساد سنوات طويلة.
طرح كينز فكرة بسيطة في ظاهرها عميقة في أثرها: حين يعجز الطلب الخاص، يجب على الدولة أن تتدخل. الإنفاق العام ليس خطيئة، بل ضرورة. العجز المالي ليس شرًا مطلقًا، بل أداة إنقاذ. الدولة، في نظره، ليست عدو السوق بل طوق نجاته.
بنى كينز رؤيته على مفهوم الطلب الكلي. الاقتصاد لا يتحرك بالإنتاج وحده، بل بمن يشتري. وإذا خاف الناس وتوقّفوا عن الإنفاق، توقّف الاقتصاد كله.
لذلك دعا إلى مشاريع عامة، توظيف حكومي، سياسات نقدية توسعية، حتى لو قادت إلى تضخم محدود.
كان همه الأول التشغيل، لأن البطالة في رأيه ليست مجرد رقم، بل انهيار اجتماعي وأخلاقي.
على الضفة الأخرى،
جاء ميلتون فريدمان لا من زمن انهيار، بل من زمن توسّع الدولة حتى كادت تبتلع السوق. رأى فريدمان أن ما بدأ كحل مؤقت تحوّل إلى نهج دائم، وأن الدولة حين تُمسك بالاقتصاد طويلًا تُضعف حيويته وتقتل الحافز.
في رأسمالية وحرية، يربط فريدمان الحرية الاقتصادية بالحرية السياسية.
السوق الحر، في نظره، ليس فقط أكثر كفاءة، بل أكثر أخلاقية،
لأنه يحدّ من سلطة الدولة على الأفراد. الدولة الكبيرة تعني بيروقراطية، وبيروقراطية تعني فسادًا، وفسادًا يعني ضياع الثروة والحرية معًا.
يهاجم فريدمان فكرة الإنفاق الحكومي الواسع، ويرى أن التضخم ضريبة خفية، وأن التوسع النقدي غير المنضبط يدمّر العملة ويعاقب الفقراء أولًا.
يقترح دورًا محدودًا للدولة: حماية الملكية، تطبيق القانون، الدفاع، وبعض الخدمات الأساسية. وما عدا ذلك، فالسوق أدرى.
الفارق الجوهري بين الرجلين ليس في حب الاقتصاد، بل في فهم الإنسان.
كينز يرى الإنسان كائنًا هشًّا في الأزمات، يحتاج إلى مظلة.
فريدمان يراه فاعلًا عقلانيًا، إذا تُرك حرًا أبدع وانتج.
لكن المفارقة أن التاريخ لم ينحز كليًا لأيٍّ منهما.
الدول التي نجت فعلًا هي التي استخدمت كينز عند الأزمات، وفريدمان عند الاستقرار. تدخلت حين انهار الطلب، وتراجعت حين عاد النمو.
المشكلة لم تكن في الفكرين، بل في سوء الاستخدام.
فلسفة الكتابين
كينز قدّم فلسفة إنقاذ، لا فلسفة حكم دائم.
فريدمان قدّم فلسفة تحرّر، لا فوضى.
لكن القراءات السطحية حوّلت الأول إلى ذريعة للتسيّب المالي، والثاني إلى غطاء لترك المجتمعات تواجه مصيرها وحدها.
الفلسفة العميقة في الكتابين تقول
إن الاقتصاد أداة لخدمة الإنسان، لا ساحة صراع أيديولوجي.
السوق يحتاج قواعد، والدولة تحتاج حدودًا. حين تختل المعادلة، يدفع المجتمع الثمن.
تعقيب على المؤلفين
جون ماينارد كينز
لم يكن اشتراكيًا، بل ليبراليًا خائفًا على الرأسمالية من نفسها.
وميلتون فريدمان
لم يكن عدوًا للفقراء، بل خائفًا من دولة تُدمن الحلول السهلة وتنسى العواقب.
كلاهما أراد إنقاذ النظام، لكن كلٌ بطريقته.
إسقاط على العصر
والسودان والعالم الثالث
في دول العالم الثالث، المشكلة ليست كينزية ولا فريدمانية، بل مؤسسية. الدولة ضعيفة حين يجب أن تكون قوية، ومتغوّلة حين يجب أن تنسحب. تتدخل بلا كفاءة، وتترك السوق بلا حماية.
في السودان، رأينا إنفاقًا بلا إنتاج،
وسوقًا بلا تنظيم،
ونقدًا بلا ثقة.
لا كينز أُنقذ به الاقتصاد، ولا فريدمان حُفظت به الحرية.
المطلوب ليس استيراد مدرسة، بل فهم السياق.
التدخل مطلوب حين ينهار التشغيل، لكن بشرط الشفافية. والانسحاب مطلوب حين يتعافى السوق، لكن بشرط العدالة. غير ذلك، يتحوّل الفكر إلى شعارات.
الخاتمة
هذا المقال ليس انحيازًا، بل دعوة للعقل. كينز وفريدمان ليسا خصمين، بل جناحين لفهم واحد: الاقتصاد يخدم الإنسان، لا العكس.
حين نفهم متى تتقدم الدولة ومتى تتراجع، نكون قد قطعنا نصف طريق التنمية. أما حين نقدّس مدرسة ونلعن الأخرى، فنكرر أخطاء التاريخ بوعي أقل.
الرأي الاستشاري
يوصي منبر بنيان بأن تُدار السياسات الاقتصادية بعقل مرن، لا بعقيدة جامدة. وأن تُستخدم أدوات كينز في الأزمات، وروح فريدمان في الاستقرار. والأهم، أن يُبنى القرار الاقتصادي على معرفة محلية ومؤسسات قوية، لا على استنساخ أعمى.
المراجع
John Maynard Keynes
The General Theory of Employment, Interest and Money
Milton Friedman
Capitalism and Freedom
Joseph Stiglitz
Globalization and Its Discontents
Ha-Joon Chang
Kicking Away the Ladder
World Bank
Macroeconomic Policy and Growth
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم