osmanmsalih@hotmail.com
في 23 نوفمبر 2023 غزت حشود من الجنجويد مدينة طابت الشيخ عبد المحمود نور الدائم. بهمجيتهم المعلومة وهدير عرباتهم القتالية يسبقهم صياحهم المُنْكَر الذي يصِمُّ الآذان اقتحمها الجنجويد. كانوا في غالبيتهم صبية في الطاشرات من العمر يسوقهم الزهو مدجَّجين بأسلحة متطورة جداً لم يرها أهل طابت عند الجَيَّاشة. تتدلى من أكتافهم رشَّاشات تكبرهم حجماً بالكاد يحملونها لثقلها. انتشروا في أرجاء البلدة الصوفية الوادعة، بلدة الصلاح وتلاوة القرآن والمدائح النبوية والأذكار وحاضنة المسيد الذي شهرته الآفاق والضريح الذي نبع منه الماء، تسلل من باطن الأرض، نافذا من بين السراميك، يفيض حيناً حتى يغمر المكان فيشرب من مائه الزلال كلُّ متعطِّش للبَرَكة ثم مايلبث أن ينقطع.
جاءت أول دفعة من الجنجويد في البدء قوامها فتية من صغار السن، ثم بدأت أعمارهم في الصعود مع كل دفعة جنجويدية جديدة تأتي من مدني أو الحصاحيصا أو الخرطوم أوغيرها من المناطق جاعلين من طابت مركزاً ومستقراً آمناً ينطلقون منه ويعودون إليه من غزواتهم التي لاتتوقف يشنونها بهدف السرقة والاذلال والترويع والتعذيب والاجلاء لسكان القرى المجاورة كوادي الشعير والزبيراب والفريجاب.
النهار هو مملكة الجنجويد بلامنازع. هو مسرحهم الفسيح يقدلون على خشبته وتحت شمسه فحسب يشعرون بالٲمان فينتفخون بالشرور، يسرحون ويمرحون كمايشاءون وهم يتحرَّشون بخلق الله دون سبب بحثاً عن المشاكل والصدام للتنفيس عن رغباتهم الدفينة في ﺇلحاق الٲذى بالغير وسفك الدماء، يتزوَّدون بلوازم يومهم واحتياجاتهم من الباعة والتجار المغلوب على ٲمرهم عنوة وحُمْرَة عين ولايدفعون شيئاً في المقابل، يتربصون بالمارة العُزَّل، يكمنون لهم في الزوايا والٲركان ويسلبونهم ٲجهزة الهاتف الذكي وما في حوزتهم من المال، يقتحمون البيوت بلا ﺇذن من ٲصحابها، ولا يراعون حرمة لٲهل الدار ويتوغلون حتى القسم الخاص بالنساء، يتحرُّون في كل مرة عن السلاح المخبٲ والمال المدسوس والذهب المطمور والسيارات. كانوا في النهار كما الهرِّ حاكى انتفاخاً صولة الٲسد، ولكن ما ﺇن يهبط الليل حتى يجبن الجنجويد المشتتين بين مركز الشرطة والمسيد والبيوت التي احتلُّوها ويتعرّون من شجاعتهم الزائفة ويختنقون من هول هواجسهم، وتتلبَّسهم حالة من الذعر فيٲخذوا في ﺇطلاق الرصاص بشكل جنوني في الهواء مستعملين في ذلك الٲسلحة الثقيلة من نوع الآربيجي التي تنفث الحمم.
ٲدرك ٲهل طابت ٲن الجنجويد جماعة شرّانية نبعت من الدرك الاسفل من الجحيم نفسه. هي جماعة لاقيد ولاحد لجنون ٲفرادها ولذلك يتوجب التعامل معهم ليس بالمصادمة ولكن بحكمة البلدة التي تداوي علل المجانين بالقرآن الكريم، والجنجويد رتبة في المجانين لاتدانيها رتبة. وقد حالت هذه الحكمة التي مثَّل هامتها ورأس الرمح فيها الشيخ مبارك ود الشيخ أحمد ود الشيخ عبد الجبار أخو الشيخ عبد المحمود اولاد الشيخ نور الدايم الذي لعب دوراً كبيراً في التوسط وتهدئة النفوس منعاً لتطور المخاشنات والنزاعات ﺇلى صدامات دموية ربما تفلت من السيطرة فيقع مالايحمد عقباه بين الجنجويد وٲهل طابت، حالت هذه الحكمة بين ٲهل طابت العزل وﺇبادة الجنجويد لهم كما وقع في بلدة ود النورة.
تحت قهر الجنجويد تردَّت الٲحوال في طابت وجاع الناس فيها، واكتٲب خلق كثير وعادت عقارب الساعة ﺇلى الوراء بعد ٲن جرَّدهم الغزاة من المركبات جميعها فلجٲوا ﺇلى الكارو كوسيلة للنقل والمواصلات.
تلفَّت الجنجويد في طابت كما اعتادوا أن يفعلوا في كل مكان يحتلونه: يسرقون ويعتدون ويبحثون عن متنفس في المجون والعربدة. وجدوا الطريق إلى الفَدَّاديات وهن صانعات الخمور البلدية. ومن بين صانعات الخمور اصطفوا فَدَّادية بعينها جعلوا منها قونتهم الأثيرة التي تطرب جلسات أنسهم وتسكرهم وتضرب لهم بكفِّ الحماسة الدَلُّوكة المشدودة الجلد وتقطع فيهم شعر المديح.
ارتاح لها دَعَّامي وتزوج من بنت لها فاختارت الفَدَّادية محميَّةً بسطوة الجنجويد بيتاً ذا سطوح يعدُّ من أجمل بيوت طابت، واستولت عليه، وسكنته هي وبنتها والدَعَّامي. وهكذا بين يوم وليلة تدفق على الفَدَّادية المال الحرام، فانتفشت كالأوزة وصارت من أصحاب المقام في زمن الجنجويد الذين ينقسم فيه الناس إلى طبقتين: طبقة ملوكية وهم الماهرية، أصحاب المصارين البيض، من بيدهم الأمر في هذه الميليشيا، المنعَّمون، وطبقة الفلنقايات (الأرقَّاء) وهم بنظر الطبقة العليا سواد السودانيون، المأمورون، المقهورون، المسخَّرون لخدمة الماهرية، وهم المعادل لطبقة الشغيلة الواسعة الخاضعة لملكة النحل، ليس لهم إلَّا عناء الكدح بلاتوقف والموت دفاعاً عن الملكة والمملكة.
أصبحت الفَدَّادية التي ارتفعت في السلم الاجتماعي لاتمشي على التراب، بل تتجوَّل في البلدة المذهولة من صعود الفدادية نسيبة الدَعَّامي بالمركبة المسروقة الفارهة الماكنة من أُمَّات صُلُب.
دانت لها الدنيا أو هكذا ظنَّت الفَدَّادية بعد أن أصبح لقبها قونة الدَعَّامة. تحي لهم الحفلات الصاخبة حتى الفجر فيبشَّر الدَعَّامة الثملون فوق رأسها ودَلُّوكتها منتشين بالرشاشات، حتى كان يوم أصبح الناس فيه يتهامسون باقتراب دخول الجيش المتأهب لتحرير طابت. كان الدَعَّامة يعلمون أن مغامرتهم تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأنَّ أيامهم في طابت، بل وربما في الدنيا أمست معدودة. كانوا متوترين يبحثون عن السلوى والنسيان في بهجة غناء الفَدَّادية، لكن الفَدَّادية لم تبهجهم هذه المرة بل خذلتهم وقلبت لهم ظهر المجن في ليلة أدارت فيها الصهباء رأسها فغنَّت: الدعامة.. حطب القيامة. وأردفت: الجيش بِبِلَّكُم. غضب الدَعَّامة من غنائها غضباً شديداً، وعدَّوه إساءة بالغة وتجريحاً وتطيروا منه وعدُّوه نذير شؤم فارتفعت بسببه قداديم رشاشاتهم الطويلة إلى السماء وهي ترعد وتفحّ فحيحاً هز َّسكون الليل. هاج الجنجويد وماجوا وأزبدوا وكادوا ان يقتلوا المراة بسبب غناءها الصادق لولا تدخل صهرها ودفاعه عنها ونسبة ماجرى على لسان الفَدَّادية لتأثير الخمر.
بعد تلك الحادثة بأيام قلائل دخل الجيش طابت فلم يصدق الناس في البدء ٲه الجيش ٲقبل لتحريرهم. لبد الناس في البيوت، حتى اضطر ٲفراد الجيش ﺇلى قرع الٲبواب المغلقة وبثّ الطمٲنينة في النفوس بقولهم: ياجماعة امرقوا، نحن الجيش. فُتِحتْ الٲبواب ببطء، ولاحت من فرجاتها وجوه متعبة محتارة وعيون مطفأة تتساءل عن هوية الطارقين: ياربي ديل الجنجويد، ولا أولادنا ناس الجيش ؟ ثم تشجعوا قليلاً، واطلَّوا بحذر وهم يخطون ﺇلى خارج الدور بتثاقل وهم مابين منكر ومصدق بأنهم قد صاروا بالفعل أحراراً طلقاء. و لما وقع التصديق واستيقنوا حقاً من هوية الجنود المخلَّصين، وتثبَّتوا من ٲنهم ليسوا بجنجويد، بل هم الجيَّاشة، ٲولئك الفتية الذين آمنوا بربِّهم ولبُّوا نداء الجهاد، الذين صدقوا وعدهم وجاءوا كما تجيء النسمة في عزِّ الهجير، وحلَّوا على طابت كما تتنَّزل رحمة السماء في ساعة الكرب. رباه، قد مسَّ وطني الضرُّ فالطف به وٲعنَّه في محنته وانصره على القوم الظالمين. ٲولئك الفتية جاءوا لتحرير أهل طابت وفكِّ الحصار الجنجويدي المضروب عليهم لما ينيف عن الحول بعد ٲن كادوا أن يفقدوا الٲمل، لكنهم وجدوا الملاذ في دينهم وتلاوة قرآنهم ودعواتهم سراً بان يرفع الله البلاء.
صمتت طابت المذهولة في ساعة الخلاص من هول المفاجٲة، ولبثتْ برهة ساكنة بلاحراك عاجزة عن التفاعل مع المخلِّصين وغير قادرة على تصديق أن المعجزة قد حدثت بالفعل، لبثتْ هكذا ثم دبَّ في عروقها نبض الحياة فجٲة، وبرق الٲمل في العيون من جديد، واعتدلت الهامات التعبى، وارتفعت أصوات التكبير ندية قوية تطرب الٲسماع، تَقالد المدنيون والجَيَّاشة، وبكى الكبار والصغار حتى سالت منهم المدامع فرحاً بالخلاص وزغردت النساء. كان يوم التحرير عيداً كبيراً ارتجَّت له طابت الشيخ عبد المحمود ود نور الدايم وتردَّدت ٲصداؤه في محيط البلدة. تبارك الرحمن على جزيل نعمه. تبارك الرحمن. كان يوماً عجيباً صلَّى فيه الناس شكراً لله، واستُقبِل الجيش استقبالاً حاشداً دوَّت فيه الطبول وارتفعت عقائر الرجال بالمديح، وأُولِمتْ الولائم فتسرَّب الدعَّامة من الشقوق، وهربوا من مواجهة الجيش. وولُّوا الأدبار كأنهم لم يكونوا يوماً في طابت. هربوا جميعاً بمن فيهم زعيمهم قجة الذي كان مختبئاً في أحد البيوت، وكان في عداد الهاربين ذلك الدَعَّامي الذي زوجته الفدَّادية لبنتها. تحت تهديد السلاح أمرها الدَعَّامي الفدَّادية وبنتها بالصعود إلى مركبته المستَّفة بالمسروقات والجاهزة للهروب. هرب ثلاثتهم من طابت واختفوا عن الأنظار تحجبهم سحابة من الغبار الكثيف أثارته عجلات المركبة المنطلقة بأقصى سرعتها عبر الطريق الترابي. فالجيش قد دخل طابت وحرَّر وثاقها سالكاً إليها الطريق المسفلت القادم من الحصاحيصا. ومن يومها انقطعت أخبار الثلاثة ولا أحد يعلم ما الذي أصابهم بعد الخروج من طابت. تعدَّدت الروايات والتكهنات عن مصير الثلاثة في أجواء الحرب والفوضى التي صنعها وحرّك زوابعها الجنجويد. فمن قائل أن الدَعَّامي قد أفلح في الهرب والوصول إلى منطقة بُتْرِي حيث نوى الاختباء في مزارعها، ومن زاعم أن الجيش قد جَغَم الرجل، أي حيّده بلغة العساكر، ومن قائل أنه قد عاد إلى عشيرته التُلُس في غرب السودان بعد أن قتل المرافقتين، زوجته ونسيبته، واستولى على الحلي الذهبية التي كانتا تتزيَّنان بها، وتخلَّص من الجثتين في الطريق.
بدخول الجيش ﺇلى طابت فعادت الحياة واختفى الجنجويد والمتعاونون معهم بما فيهم تلك الفَدَّادية التي جعلوها قونة لهم ثم ضاعت بلا اثر هي وابنتها.
لم يجد أهالي طابت طوال محنتهم أثناء الحصار المضروب ما يعينهم على البقاء والصمود في وجه الجنجويد غير الجيش والدِين والتضامن فيمابينهم لدرء المخاطر واغاثة الملهوفين، والتَكيَّة التي لم تتوقف عن ﺇطعام الجياع. وقد استبسل أهل طابت في الدفاع عن حقِّهم في رفع الأذان وتلاوة القرآن في كل خميس. في البدء عارض الجنجويد رفع الآذان والتلاوة، وحاولوا تحريمهما لكنهم تحت ضغط المقاومة رضخوا وٲباحوهما.
وليست طابت في ملحمة المعاناة تحت قهر الجنجويد بالاستثناء، بل هي المثال الذي يؤكد على القاعدة، قاعدة أن السودانيون في مواجهتهم لميليشيا الجنجويد لم يجدوا نصيراً غير الجيش والتضامن بين ٲهل المصيبة وسند العقيدة في الأيام الصعبة. وكل ماعدا ذلك تبخرَّ: تبخرَّ دور الأحزاب التقليدية منها والتقدمية على حدٍّ سواء فيما عدا بيانات هزيلة تذيعها تلك الٲحزاب تعمل على تثبيط الهمم والتخذيل عن الجهاد بدعوتها لايقاف الحرب والتصالح مع الميليشيا المتوحشة بعد كلّ ما اقترفته، واختفت كذلك النقابات والروابط المهنية وغيرها من المؤسسات الحديثة، وبقى الجيش والدِين صامدين في ميدان المعركة الوطنية المقدَّسة يصونان السودان ويحميان السودانيين.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
20.01.2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم