الدُخْرِي وَدْ سَالِم (حِكاية من البَلَد) .. بقلم: بلة البكري
babakry@gmail.com
وبعد انقضاء صلاة العيد ترزم النّوبة وتئز طبولها إيذانا ببدء الذكر. ورويدا رويدا تسرى في المكان عدوى الطرب في شكله الريفي مخلوطا بطقوس الرقص والكُجُور والحضرة الدينية. نتحلق مع أقراننا حيث تشتبك أيادينا في حلقة كبيرة والكل يتمايل ويردد: الله، الله، الله … ثم يدخل الدراويش حلقة الذكر ويبدأون في الدوران. ويدخل أبوي سالم الحلقة لوحده حافي القدمين وقد تمنطق بتلك الملفحة المزركشة وربطها في وسطه في هيئة صليبٍ يلتقي تقاطعه في نقطة ما تقترب من مكان القلب في صدره. ثم يبدأ هو أيضا في الدوران لوحده وهو يتماوج مع دقات طبل النوبة في نشوةٍ روحيةٍ فريدة، مرددا مع المادحين بصوت عميق بعض أبيات شعر المديح النبوي، والتي تقول:
مرت الأيام رتيبة بنهاية موسم الدرت في البلد والذي تكثر فيه الأفراح من زواج وطهور أنجال وسباق إبل ومختلف أنواع البُوش والنفير. ويأتي وقت الطّلِيق حيث يسمح للرعاة بطلق البهائم في المزارع التي اكتمل حصاد محصولها. في هذا الوقت تكثر النزاعات بين المزارعين بسبب دخول الضأن والأغنام في المزارع التي لم يتم حصادها تماما، بحجة الطليق. وأكبر النزاعات تنشب بسبب دخول إبل العرب الرُحّل والتي ترابط أحيانا طوال الموسم في حوافي البلدات في الفضوة وأصحابها ينتظرون هذا الوقت. ولذا تكثر في هذا الموسم الشكاوي ومحاكم الجوديّة في القرية والتي يبتُّ فيها أبي بحزم وحكمة لم أر لها مثيلا. كانت له مقدرة مذهلة في تتبع خيوط الشكاوى المتشابكة أحيانا وتوجيه الأسئلة الحارقة التي تكشف الحقائق وتبيّن خطل الحُجج. وفجأة يصمت ويهدئ المجلس بصوتٍ آمر ليضع أمامهم الحل والذي لا يقل في تماسكه عن أي حكم قضائي عادل، صحيح ومسبّب. ثم ينهي الجلسة وقد قِبِل الحضور حكمه دون لجج. في هذا الوقت أيضا يبدأ موسم اللقيط وهو وقت حصاد الصمغ حيث يعاود أبوي سالم رحلة المشي المضنية، راجلا، لبلاده في الوادي كل يوم وهو يحمل كُرْتالَة الصمغ العتيقة، معلقة في طرف الفأس على كتفه الأيسر، والتي هي علامة حلول موسم اللقيط؛ وهي سلّة سعة عشرة أرطال أو تزيد قليلا تشبه الدلو وتصنع من جلد شاةٍ أو عنز قديم يوضع فيها الصمغ. تراه منكبّا على وجهه يمشي متثاقلا تغوص خطواته في الرمال وكأنه يحمل أثقالا وهو مقدِم على عمل مقيت ومكروه. اختفت هذه المرة ترنيماته العذبة وقت الطق ونمّاته بشعر المديح النبوي. فلماذا يا تُرى كل هذه الكآبة التي تكتنفه، والتي تحسها في وجهه العبوس وفي خطواته المتثاقلة وكأنه يسير الى الوراء. وبينما هو هكذا يمشي كئيبا يقابله في الطريق ود عَكّام ويدور بينهما حديث قصير يبادره ود عكّام:
وبينما هو يبتعد من ود عكّام في طريقة لبلاده كئيبا متثاقل الخطى يتمتم بالدعاء، يسمع فجأة صوت طفل يناديه من على البعد؛ صوتا يشبه صوت الحريحري ابنه والذي جاء يجري من جهة البيوت في أثر أبيه كالمخبول وأنفاسه تتصاعد وكأنه عَدّاءٌ في سباقٍ وهو يصيح:
لا توجد تعليقات
