الذكاء السلبي .. بقلم: علاء الدين زين العابدين – مستشار قانوني
17 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
39 زيارة
تعاقبت علي حكم السودان منذ عام 1956 م عددا مقدرا من الحكومات ، بدأت بحكومة عبد الله خليل و انتهت بحكومة البشير ، و لكنها جميعا لم تشهد ذكاء عجيبا كما هو حال حكومة البشير ، و لكنه للاسف الشديد ذكاء سلبي ، لا يهدف لمصلحة الشعب ، و انما يهدف لخدمة مصالح الحكومة و حزبها و افراده ، بغرض واحد ، وهو البقاء في الحكم لاطول فترة ممكنة و لو استدعي ذلك دفع أي ثمن .
الامثلة كثيرة ، ولكننا سنذكر منها القريب الذي ما زال في الذاكرة الشعبية . بعد توقيع اتفاقية نيفاشا ، كان الاهتمام الرئيسي متمثلا في قضية الوحدة و الانفصال ، بعد منح الجنوب حق تقرير المصير ، فاتفق الطرفان علي تغليب شعار خيار الوحدة بجعلها الخيار الجاذب ، ومن البديهي ان تنفيذ مثل هذا الشعار يقتضي اظهار بعض التنازلات للطرف الذي يملك حق تقرير المصير . و جاء الاختبار الاول متمثلا في اتفاق الطرفين بتوزيع الوزارات السيادية مناصفة بينهما ، وسار الامر سلسا لحين الوصول لوزارتي المالية و البترول ، وهنا غلب طمع الحكومة في المال و البترول كل مصلحة آنية و لو كانت وحدة السودان ، و اصرت الحكومة علي تولي الوزارتين مهما كان الثمن ، لتدق بذلك المسمار الاول في نعش الوحدة ، و اكتشفت الحركة الشعبية فعليا معني ( نقض العهود ) ، ليفقد السودان ثلث اراضيه ، و ثلثي بتروله، و ندخل في هذا النفق المظلم ، لا لشئ سوي استعمال الحكومة لذكائها السلبي .
المثال الاخر ، دعوة الحكومة فجأة بعد انتفاضة سبتمبر لمؤتمر الحوار الوطني ، و فرح الجميع و هللوا ، بحسبان ان الحكومة قد ادركت اخيرا ضرورة جمع الصف الوطني . و تم الاعلان عن خطاب لرئيس الجمهورية ووصف بالخطاب المفاجأة ، و سرت شائعات كثيرة اقلها ان الرئيس سيعلن استقالته و يعمل علي تكوين حكومة قومية ، و اجتمع الناس كما لم يجتمعوا من قبل حول التلفاز ، و تمخض الجبل ليلد فأرا مشوها ، احتار الجميع فيه . و انتظر الناس الاجتماع الاول للحوار ، ليكتشف الجميع أن 90 % من الحضور هم الوجه الاخر للمؤتمر الوطني أو ما عرف شعبيا بأحزاب الفكه . لقد حاولت الحكومة أن تتذاكي علي الشعب ، و لكنها قتلت أمله من حيث تدري و لا تدري ، فلقد افرغت – و بذكاء سلبي – الحوار من كل معني فأصبح ليس مؤتمرا للحوار و لكنه مؤتمرا للطرشان ، مات و بكل أسف شديد ، قبل أن يولد .
و كذلك يتمثل الحال في سعي الحكومة لاجراء مباحثات مع الحركة الشعبية ، و الحركة الشعبية كما هو معلوم الفصيل الاساسي في مكونات الجبهة الثورية . و اصبح اعضاء الوفد الحكومي شبه مستقرون بأديس أبابا . و حيث ان الغرض الاساسي لتلك الاحتماعات هو البحث عن حلول لمشاكل السودان المتعصية ‘ فمن المفترض ان تسعد الحكومة كلما توسعت دائرة الاجتماع لتشمل كل الوان الطيف الاساسي ، ولكن الحكومة و بذكاء سلبي تري غير ذلك . فقد اجتمع بأديس نفسها عدد من الفعاليات السياسية تضم الجبهة الثورية و حزب الامة القومي و معارضة الشمال و تم اصدار ما عرف بنداء السودان ، و بدلا من ان ترحب الحكومة بمثل هذا الاجتماع ، هاجت و ماجت و اعتقلت بعض القيادات المشاركة عند عودتها للسودان لتدق بذلك مسمارا في نعش الحوار ؟؟؟!! فلماذا تحرم الحكومة علي الاخرين ما تحلله علي نفسها ؟؟!!انه الذكاء السلبي الذي يتمحور حول مفهوم واحد ، نحن الوحيدون الذين نملك مفتاح الحكمة ، و نحن الوحيدون المؤتمنون علي مصالح البلد ، و الاخرون مجرد خونه لا اكثر و لا أقل .
و اخيرا جاءت الطامة الكبري المتمثلة في الانتخابات العامة ، فمن المعلوم ان الانتخابات ستكلف خزينة الدولة مئات المليارات من الجنيهات السودانية ، و الحكومة تعلم سلفا ، والشعب يعلم سلفا نتيجة هذه الانتخابات ، فهي لا تختلف عن سابقتها ، ولكن الذكاء السلبي للحكومة جعلها تعتقد بأنها تخدع الشعب ، و للمزيد من الخداع قررت التنازل عن 30% من الدوائر وهي تعلم انها ستذهب لاحزاب الفكة ، وهي عادة و بحكم تكوينها ، ملكية اكثر من الملك نفسه ، و لكنه الذكاء السلبي .
othmanaz@yansab.sabic.com