كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
في الذكرى التاسعة عشرة لرحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي ترك بصمة لا تُمحى في الأدب العالمي حتى نالته جائزة نوبل ضمن الحائزين عليها. وقد قدم الأستاذ في أعماله الثرة مجموعة شخصيات لا تفارق الذاكرة كالسيد أحمد عبد الجواد الذي جسد الذكورة الأبوية المتسلطة، وزوجته أمينة التي صارت نموذج للخنوع والطاعة… كما قدم يسن أحمد عبد الجواد الذي يمثل الوجه الأكثر انحلالا وتفسخا لتلك الذكورة.
يعتبر يسن تجسيد حي لما اصطلح على تسميته حديثا في علم الاجتماع بـ”الذكورة السامة” Toxic Masculinity والتي يعرّفها علم الاجتماع الغربي، بأنها منظومة من السلوكيات التي تجعل من الرجل كائنا متورطا في العنف، والقهر، والسيطرة، والتشييء للمرأة، وفرط الشبق الجنسي الذي يحيل المتعة إلى لعنة، واللذة إلى مرض عضال. فهذا النموذج لا يكاد يرى في النساء سوى موضوعات للاستهلاك الجسدي، فيسقط في هوة الإدمان عليهن، متنقلاً من واحدة إلى أخرى بلا وازع أو ضابط.
وإذا كان النقاد قد ركزوا جل اهتمامهم على شخصية أحمد عبد الجواد بوصفه “الأب المستبد” الذي يختزل السلطة الأبوية، فإن شخصية ابنه يسن تمثل نموذجا آخر للسلطوية الجندرية، أكثر خطورة وخفاءً: إنها الذكورة السامة في تجلياتها القصوى.
فقد رسم الاستاذ نجيب محفوظ شخصية يسن في ظل مجتمع كان يمر بتحولات عميقة في منتصف القرن العشرين، حيث صراع التقاليد والحداثة خلق بيئة خصبة لتغذية هذه الظاهرة. في تلك الحقبة، كان يُتوقع من الرجال الالتزام بنماذج صارمة للرجولة، لكن الضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أسهمت في انحراف بعض الشخصيات، فصار يسن نموذجا لذات مدمَّرة تتغذى على الجسد والسلطة معا.
لم يبدأ انحراف يسن في الأسواق أو في مطاردة نساء الحي، بل داخل البيت نفسه؛ فقد تحرش بالخادمة التي كانت تكبره سنا بكثير، في علاقة شاذة كشفت البذور الأولى لانفلاته. وحين علم والده أحمد عبد الجواد بهذه الفضيحة، قرر أن يزوجه سريعا ليكبح جماحه. بالفعل، زُوِّج من ابنة صديق عمره، غير أن شبقه الفائض ورغباته التي لا تعرف سقفا لم تجعله زوجا بالمعنى الحقيقي؛ فما لبثت زوجته أن انفصلت عنه بعد أن أنجبت له ولدا، بينما انكب على حياة ملؤها اللذة و مطاردة النساء.
والحق ان نجيب لم يبدع فقط في تصوير أحمد عبد الجواد بالأب القوي ذي الوجهين (الصلابة في البيت، والانفلات خارجه)، بل أبدع كذلك في رسم يسن بوصفه حالة شبق لا تعرف كابحا. فهو لم يكن أسير التقاليد أو الأعراف، بل تجاوزها بازدراء: يلاحق عجيزات النساء في الأسواق، يطارد كل أنثى تقع في دائرة نظره. و المدهش حين ذهب لخطبة جارته مريم، لم تتبع نظراته آداب الخطبة، بل تعلقت بجسد أمها بشره، فانقلب مشهد الخطبة الرسمي إلى موعد شبقي مع الأم. وهنا يصوغ محفوظ مفارقته السوداء الأكثر إيلاما: فهذه المرأة لم تكن مجرد أم للعروس، بل كانت أيضا العشيقة السرية لأحمد عبد الجواد (والد يسن) في ما مضى. وهكذا يصبح المشهد أشبه بلعنة عائلية: الأب والابن يمارسان سلطتهما الجنسية على نفس المرأة، كل في وقته، في حلقة مفرغة من التملك الذكوري الذي لا يعرف حدودا أخلاقية أو عائلية. فجمع يسن بين الأم وابنتها، في انحراف يتجاوز السلوك الفردي إلى انهيار كامل في المنظومة الأخلاقية. ورغم زواجه لاحقا من زنوبة العوادة – والتي هام بها الأب في مغاراته الماجنة – التي آثرت حياة الاستقرار في كنفه كزوجة “محترمة”، رغم أنه لم يتخل عن خيانته المستمرة لها، ليبقى أسيرا لرغباته الشبقية حتى النهاية.
الذكورة السامة عند يسن لا تقتصر على “إدمان النساء”، بل تتغذى أيضا من شبكة مصالح وسلطة. فقد أغمض عينيه عن الميول الجنسية الشاذة لابنه الوسيم والذي تربطه علاقات مريبة ببعض السياسيين النافذين، ما ساعده على الارتقاء الوظيفي. في هذا البعد، يكشف محفوظ كيف تتحول الذكورة السامة إلى أداة للنفوذ: إنها لا تهيمن على الأجساد فقط، بل تتحالف مع السلطة وتعيد إنتاجها.
يسن لم يكن مجرد زير نساء، بل شخصية تعكس الشبق الجنسي بكل أبعاده. لم يعرف الالتزام الأخلاقي أو القيمي، بل تحركه الغريزة، واستغل موقعه العائلي والوظيفي ليبرر انحرافاته. وتواطؤه مع ابنه كشف أن الذكورة السامة قد تتسع لقبول الشذوذ حين يخدم المصلحة. وبهذا المعنى، يسن ليس “ذكرا قويا” كما قد يتوهم البعض، بل هو ذكر سامّ: يفتك بنفسه، بعائلته، وبالمجتمع الذي ينتمي إليه.
وإذا كانت الذكورة في الموروث العربي والإسلامي اقترنت بالفتوة والنخوة والكرم والالتزام الأخلاقي، فإن محفوظ يعرض لنا نقيضها في صورة يسن: رجولة فقدت معناها، وتحولت إلى قشرة فارغة لا تستر إلا الهشاشة والعجز. هنا تتجلى عبقرية محفوظ؛ فهو لم يشخّص انحراف فرد، بل قدّم تشريحا لبنية اجتماعية مأزومة، حيث تتحول الذكورة من قيمة إنسانية إلى عملة للتبادل والمصالح.
وهكذا يذكّرنا نجيب محفوظ بأن الأدب العظيم لا يصف الماضي فحسب، بل يكشف أنماطا بشرية تعيد إنتاج ذاتها في كل عصر فـ”يسن” لم يكن مجرد شخصية روائية محصورة في ثلاثية، بل تجسيد حيّ لبنية اجتماعية مأزومة ما زالت تتكرر اليوم بأشكال وأقنعة مختلفة. والذكورة حين تنفصل عن الوعي والقيم، تتحول من قوة بنّاءة إلى لعنة هدامة؛ لا تفني صاحبها وحده، بل تفتك بعائلته ومجتمعه. تلك هي فرادة محفوظ: أنه جعل من يسن أحمد عبد الجواد مرآة صادمة، تعكس هشاشة الرجولة حين تستحيل إلى سمّ زعاف يورث الانسحاق أمام الغرائز.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم