الذهب السوداني والسباق العالمي الجديد على المعادن الاستراتيجية

بقلم: عمر سيد أحمد
O.sidahmed09@gmail.com
مارس 2026
يدخل الصراع العالمي على الموارد الطبيعية مرحلةً جديدة. فطوال معظم القرن العشرين، كانت المنافسة الجيوسياسية تدور حول النفط. غير أن التركيز الاستراتيجي يتحوّل اليوم نحو منظومة مختلفة من السلع: المعادن الحيوية. هذه المواد – التي تشمل عناصر الأرض النادرة والغاليوم والتنغستن والليثيوم – تُشكّل العمود الفقري التكنولوجي للاقتصادات الحديثة، إذ تُغذّي أشباه الموصلات والبطاريات والطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية وأنظمة الطاقة المتجددة. ومن يتحكم في سلاسل إمداد هذه المواد يمتلك قدراً متنامياً من الرافعة الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي. وقد سلّطت دراسة تحليلية نشرتها مجلةThe Economist “ذا إيكونوميست” بعنوان “الحفر من أجل النصر” Digging for Victory الضوءَ على مساعي الولايات المتحدة لكسر الهيمنة الصينية على المعادن الحيوية، واصفةً مواجهةً اقتصادية ناشئة تضخّ فيها واشنطن مليارات الدولارات لتنويع سلاسل الإمداد والحدّ من الاعتماد على طاقات التكرير والمعالجة الصينية. بيد أن تداعيات هذا التنافس العالمي على الموارد تتخطى السياسات الصناعية للقوى الكبرى لتعيد رسم الأهمية الجيوسياسية للمناطق الغنية بالموارد، ولا سيما إفريقيا. وفي هذا المشهد المتحوّل، يحتل السودان موقعاً بالغ الأهمية.

هيمنة الصين على سلاسل إمداد المعادن الحيوية ثمرةُ عقود من الاستراتيجية الصناعية المتأنية. فبينما أحجمت كثير من الدول الغربية عن الاستثمار في التعدين والمعالجة إبان موجة العولمة في تسعينيات القرن الماضي وعقد الألفين، واصلت بكين استثماراتها بلا هوادة في الاستخراج والتكرير على حدٍّ سواء. واليوم تُنتج الصين نحو ٦٠٪ من معادن الأرض النادرة في العالم، وتسيطر على ما يزيد على ٨٥ إلى ٩٠٪ من طاقة التكرير العالمية، بل يتخطى نصيبها في بعض المواد كالغاليوم والمغنيسيوم حاجز ٩٠٪. وقد أثار هذا التمركز الحادّ في الإمداد قلقاً بالغاً لدى صانعي السياسات في واشنطن وبروكسل وطوكيو، ما دفع حكومات العالم الصناعي إلى إطلاق مبادرات طموحة لتأمين سلاسل إمداد بديلة. غير أن هذه الجهود تقود في نهاية المطاف إلى الوجهات ذاتها: إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من آسيا الوسطى، حيث تقبع احتياطيات معدنية ضخمة لم تُستكشف بعد. وقد باتت إفريقيا بوجه خاص محوراً في الخريطة المعدنية العالمية الناشئة؛ فجمهورية الكونغو الديمقراطية تهيمن على إنتاج الكوبالت، وتحتضن زامبيا احتياطيات نحاسية هائلة، وتسيطر جنوب إفريقيا على معادن مجموعة البلاتين، فيما تمتلك غينيا أحد أضخم احتياطيات البوكسيت في العالم. أما السودان، الذي كثيراً ما يُغفَل في هذه النقاشات، فقد يضمّ أحد أكثر المشاهد المعدنية تعقيداً وتنوعاً على القارة.
جيولوجياً، يقع السودان ضمن الدرع العربي النوبي، وهو التكوين الجيولوجي الغني بالمعادن الممتد عبر شمال شرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية. ويحتضن هذا التكوين القديم رواسب معتبرة من الذهب والنحاس والكروم والحديد والمنغنيز، فضلاً عن عناصر الأرض النادرة المحتملة. نظرياً، يمكن لهذه الموارد أن تُشكّل أساساً لاقتصاد تعديني متنوع قادر على دعم التنمية الصناعية والاستقرار المالي. أما على أرض الواقع، فقد نحتت سياسة اقتصادية مغايرة تماماً ملامحَ الثروة المعدنية السودانية.
منذ انفصال جنوب السودان عام ٢٠١١ – حين فقدت الخرطوم ما يقارب ثلاثة أرباع إنتاجها النفطي – أصبح الذهب المصدرَ الأول للعملة الأجنبية. وتشير التقديرات إلى أن السودان ينتج نحو ٧٠ إلى ٨٠ طناً من الذهب سنوياً، مما يضعه في مصافّ كبار المنتجين الأفارقة. بيد أن شريحة واسعة من هذا الإنتاج لا تمرّ قطّ عبر القنوات الرسمية، بل تُتداول عبر شبكات غير رسمية وتُهرَّب عبر الحدود. وقد غدت دبي الوجهة الرئيسية لهذه التدفقات، انعكاساً لدورها بوصفها مركزاً عالمياً لتكرير الذهب والتجارة فيه. لهذه الديناميكية تداعيات سياسية عميقة؛ ففي البيئة السياسية السودانية المتشظّية، باتت عائدات الذهب متشابكة بصورة متصاعدة مع تمويل المؤسسة العسكرية وشبكات المحاسيب وصراعات النفوذ الإقليمية. وتسعى الجهات المسلحة – حكومية وغير حكومية على حدٍّ سواء – إلى السيطرة على مناطق التعدين وطرق النقل وممرات التصدير، مما أفرز منظومة يؤدي فيها الذهب دور المحرّك المالي للنزاع، لا مجرد سلعة تصديرية. وهذا النمط ليس حكراً على السودان؛ ففي الدول الهشّة الغنية بالموارد، كثيراً ما تنغمس المعادن فيما يُسمّيه الباحثون “اقتصادات الصراع”. غير أن الوضع السوداني يكتسب خصوصية استثنائية لتقاطع قطاعه الذهبي مع مصالح جيوسياسية أوسع، إذ كشفت تقارير متعددة خلال السنوات الأخيرة عن تورط جهات أجنبية – بينها شبكات روسية مرتبطة بمجموعة فاغنر – في تجارة الذهب السودانية، مما يربط الاستخراج المحلي للموارد بتنافسات جيوسياسية أشمل.
قد تزيد المنافسة العالمية على المعادن الحيوية – على نحو مفارق – من أهمية السودان الاستراتيجية. فمع سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى تنويع سلاسل الإمداد بعيداً عن الهيمنة الصينية، تتجه الأنظار نحو آفاق تعدينية جديدة، وتكتسب الدول ذات الإمكانات المعدنية غير المستكشفة – لا سيما تلك الواقعة خارج نطاق الهيمنة الصناعية الصينية – أهمية متنامية. والإمكانات الجيولوجية للسودان تُرشّحه ليكون أحد هذه الآفاق الواعدة. لكن هل سيصبح السودان شريكاً في سلاسل الإمداد المعدنية العالمية، أم سيظل ساحةً لتنافس الموارد؟ الإجابة رهينة بمسار المؤسسات وتطورها.
لا تُفضي الموارد الطبيعية وحدها إلى الازدهار الاقتصادي؛ فدول كأستراليا وكندا والنرويج أثبتت أن الثروة المعدنية قادرة على دعم التنمية المستدامة، لكن بشرط إدارتها عبر مؤسسات راسخة وحوكمة شفافة وأطر تنظيمية فاعلة. وفي السودان، لا تزال هذه الأسس المؤسسية هشّة؛ فالقطاع التعديني يرزح تحت وطأة تحديات متراكمة من ضعف الرقابة التنظيمية وشُح الشفافية في عقود التعدين وتفشّي التعدين الحرفي غير الرسمي وضيق طاقة التكرير المحلية وقصور البنية التحتية. وقد زادت الحرب الأهلية المندلعة عام ٢٠٢٣ من تعقيد أي مسعى لترسيخ حوكمة سليمة للموارد. وبغياب الإصلاح المؤسسي، يظل السودان محاصراً في دوامة تتحوّل فيها الثروة المعدنية وقوداً للاضطراب عوضاً عن أن تكون رافعة للتنمية.
ومع ذلك، تمثّل الموارد المعدنية السودانية فرصة كامنة، ولا سيما في سياق التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتقنيات الرقمية. يدخل الاقتصاد العالمي حقبة قد تضطلع فيها المعادن الحيوية بدور مقارب لدور النفط في القرن العشرين، والدول القادرة على دمج قطاعاتها المعدنية في سلاسل الإمداد الصناعية العالمية أمامها مكاسب جوهرية. وتحقيق ذلك بالنسبة للسودان يستلزم تحولاً جذرياً في نموذج حوكمة موارده؛ فالشفافية في عقود التعدين، وتقنين التعدين الحرفي، والاستثمار في طاقة التكرير المحلية، والاندماج في الأطر التنظيمية الدولية، كلها مسارات كفيلة بتحويل القطاع من تمويل الصراعات إلى دفع عجلة التنمية. ومن شأن هذه الإصلاحات أن تُرسّخ الاستقرار الاقتصادي الداخلي وتضع السودان شريكاً ذا مصداقية في المنظومة المعدنية العالمية الناشئة.
في نهاية المطاف، لن تحدد الجيولوجيا وحدها مستقبل السودان في السباق العالمي على الموارد؛ فالبلاد تمتلك أصلاً ثروةً معدنية معتبرة. السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع السودان بناء المؤسسات اللازمة لإدارة تلك الموارد بكفاءة؟ في عالم تتصاعد فيه المنافسة على المعادن الحيوية يوماً بعد يوم، تبلغ المخاطر ذروتها. فالسودان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يغدو موردّاً استراتيجياً في الاقتصاد العالمي، وإما أن يبقى نموذجاً تحذيرياً على كيف تُعمّق الثروة الطبيعية التشظي السياسي. والفارق بين المسارين لن يكمن في ما يختبئ تحت الأرض، بل فيما تُشيَّد فوقها من مؤسسات.

عن عمر سيد احمد

شاهد أيضاً

الإسلامويون السودانيون في مواجهة العقوبات الأمريكية

الإسلامويون السودانيون في مواجهة العقوبات الأمريكيةالسونامي السياسي: الأبعاد القانونية والمالية والعملياتية لتصنيف الكيزان منظمةً إرهابيةمارس …