باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 10 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
زهير عثمان حمد
زهير عثمان حمد عرض كل المقالات

الرسالة الثانية وتطوير التشريع- قراءة تحليلية في فكر محمود محمد طه من داخل النص

اخر تحديث: 10 سبتمبر, 2026 5:05 مساءً
شارك

زهير عثمان

بعد أن انشغلنا في المقالات السابقة بالسؤال عن كيفية قراءة محمود محمد طه، وعن المسافة بين الحكم التقريري والقراءة النقدية، يصبح من الضروري أن ننتقل خطوة أخرى- أن نضع مشروعه الفكري أمام نصوصه نفسها، وأن نسأل ماذا أراد أن يقول عندما انتقل من نقد الفقه الموروث إلى اقتراح تصور مختلف للعلاقة بين القرآن والتشريع , ولعل كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)، الصادر عام 1967، هو المكان الأكثر ملاءمة لهذه القراءة
فالكتاب لا يقدم مجرد تأمل ديني أو أخلاقي، وإنما يحاول بناء نظرية متكاملة في تطور الرسالة والتشريع، تنتهي إلى القول بإمكان الانتقال من مستوى تشريعي تاريخي إلى مستوى آخر أكثر ملاءمة للإنسان الحديث
ومن هنا فإن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في الأحكام التي انتهى إليها محمود محمد طه في قضايا المرأة أو الحكم أو الاقتصاد، وإنما في السؤال الأعمق الذي يقف خلفها جميعًا- كيف يمكن استخراج تشريع جديد من النص الديني نفسه دون أن يصبح ذلك خروجًا على النص؟
هذا السؤال هو مفتاح قراءة المشروع كله , بين الرسالة الأولى والرسالة الثانية , يقوم التصور الأساسي عند طه على التمييز بين مستويين من الخطاب القرآني- الآيات المكية والآيات المدنية. ولا يقف هذا التمييز عند حدود الاختلاف في السياق التاريخي، وإنما يتحول عنده إلى أساس لنظرية كاملة في تطور التشريع , فالآيات المكية، في تصوره، تمثل مستوى أكثر أصالة من حيث دعوتها إلى الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية، بينما جاءت الآيات المدنية لتواجه مجتمعًا تاريخيًا محددًا، وتضع له من التشريعات ما يناسب طاقته وظروفه , وهنا تحدث النقلة الأساسية في التفكير , فما يبدو، في القراءة الفقهية التقليدية، حكمًا نهائيًا يحل محل حكم سابق، يصبح عند طه جزءًا من مسار تاريخي أوسع. فالآيات المدنية لم تلغ الآيات المكية بصورة نهائية، وإنما أرجأت العمل بها إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان أكثر استعدادًا لتحمل مقتضياتها , وبذلك يتحول مفهوم النسخ من نهاية تاريخية للنص إلى نوع من التأجيل التشريعي
وهذه الفكرة هي التي تمنح مشروع (الرسالة الثانية) قوته النظرية؛ لأنها تسمح لطه بأن يقول إن العودة إلى المبادئ المكية ليست استيرادًا لمبادئ من خارج الإسلام، وإنما استعادة لمستوى من النص نفسه كان قد أُرجئ العمل به , لكن هنا يبدأ السؤال النقدي الحقيقي- ما الذي يجعل نصًا ما أصلًا، ونصًا آخر فرعًا؟ ومن يملك معيار تحديد ذلك؟ , هذه ليست مسألة تفصيلية. إنها نقطة الارتكاز التي يتوقف عليها البناء كله , من النسخ إلى تطوير التشريع , إذا كان النسخ في التصور التقليدي يعني انتقال الحكم من حالة إلى حالة، فإن طه يعيد صياغة العلاقة بطريقة مختلفة: الحكم المدني كان مناسبًا لمرحلة تاريخية معينة، لكنه لا يمثل بالضرورة النهاية التي ينبغي أن يتوقف عندها التشريع
ومن هنا يصبح «تطوير التشريع» ليس عملية لإضافة أحكام جديدة إلى النص، وإنما عملية إعادة ترتيب العلاقة بين النص والواقع.
وهذه إحدى أكثر النقاط إثارة في مشروعه , فالاجتهاد، وفق هذا المنطق، لا يقتصر على البحث عن حكم لمسألة لم تكن موجودة في الماضي، وإنما يمتد إلى السؤال عن مستوى النص الذي ينبغي أن يكون أساسًا للتشريع في عصر معين , وهذا يختلف جذريًا عن مجرد تحديث الفقه , فالتحديث الفقهي يمكن أن يتحرك داخل منظومة الأحكام الموروثة، بينما مشروع طه يذهب أبعد من ذلك: إنه يسأل إن كانت المنظومة التشريعية التي حكمت المجتمع الإسلامي قرونًا تمثل بالفعل المستوى الأخير من إمكانات النص , وبهذه النقلة تصبح المسألة أكبر من خلاف فقهي؛ إنها خلاف حول فلسفة التشريع ذاتها , الحرية ليست نتيجة جانبية – ربما يكون أكثر ما يميز المشروع الطهوي أن الحرية عنده ليست قيمة أخلاقية تضاف إلى التشريع بعد اكتماله، وإنما تكاد تكون نقطة الانطلاق , فالإنسان في المجتمع الذي يتطلع إليه طه ينبغي أن يكون قادرًا على تحمل المسؤولية الفردية، وأن تكون حريته أصلًا تقابله مسؤولية، لا امتيازًا بلا حدود , وهنا نفهم لماذا تحتل الآيات المكية مكانة مركزية في مشروعه. فهي، في قراءته، تقدم تصورًا للعلاقة بين الإنسان وربه يقوم على المسؤولية والاختيار، وليس فقط على الامتثال للأوامر , لكن هذه الفكرة تقودنا إلى سؤال آخر- إذا أصبحت الحرية معيارًا مركزيًا في تطوير التشريع، فهل نحن أمام استخراج لمبدأ موجود في النص، أم أمام إعادة بناء للنص وفق تصور حديث للحرية؟
الفرق بين السؤالين كبير , ففي الحالة الأولى يكون العصر مدعوًا إلى اكتشاف ما في النص. أما في الحالة الثانية فيكون العصر، ولو بصورة غير مباشرة، شريكًا في تحديد أي مستويات النص أكثر ملاءمة له , وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى منهج واضح، لأن القول بأن الحرية هي روح النص لا يكفي وحده لإنتاج قاعدة قانونية , المرأة – من المبدأ إلى الحكم , تظهر قوة النظرية واختبارها الحقيقي عندما تنتقل من مستوى المبادئ إلى مستوى الأحكام, وقضية المرأة مثال واضح على ذلك , فطه لا يتعامل مع القوامة أو تعدد الزوجات أو بعض أحكام الطلاق باعتبارها أحكامًا أبدية لا يجوز تجاوزها، وإنما يربطها بالمستوى المدني من التشريع، ويرى أن الانتقال إلى مستوى الرسالة الثانية يفتح المجال أمام المساواة بين الرجل والمرأة -ومن هذا المنطلق جاءت مواقفه من المهر والنفقة وبيت الطاعة والطلاق وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية , لكن الأهم من تفاصيل هذه الأحكام هو طريقة إنتاجها
فطه لا يقول ببساطة إن المجتمع الحديث أصبح أكثر تقدمًا ولذلك يجب تغيير الحكم، وإنما يحاول أن يثبت أن الحكم الجديد موجود في مستوى آخر من النص، وأن المشكلة ليست في النص وإنما في استمرار تطبيق أحكام مرحلة تاريخية على مجتمع أصبح قادرًا على استيعاب مستوى أعلى من المسؤولية والحرية , وهنا يصبح مشروع المرأة عنده اختبارًا لنظرية الرسالة الثانية بأكملها.
إذا أمكن إثبات أن الانتقال من الحكم القديم إلى الحكم الجديد قائم على منهج يمكن تعميمه، فإن النظرية تكتسب قوة تشريعية
أما إذا بقي الانتقال مرتبطًا بقراءة طه الخاصة لمواضع الأصل والفرع، فإن المشكلة تنتقل من الحكم إلى أداة إنتاج الحكم, وهذا هو موضع النقد الحقيقي – من الشورى إلى الديمقراطية – الأمر نفسه يظهر في المجال السياسي- لم يتعامل طه مع الشورى باعتبارها الصيغة النهائية التي يجب أن يتوقف عندها المسلمون، وإنما رأى فيها مرحلة تاريخية يمكن أن تتطور باتجاه الديمقراطية
والديمقراطية التي يتحدث عنها ليست مجرد آلية انتخابية، وإنما تقوم على المساواة الأساسية بين البشر، وقيمة الفرد، وحكم القانون، وحماية حقوق الأقلية إلى جانب الاحتكام إلى إرادة الأغلبية , وبذلك يصبح الانتقال من الشورى إلى الديمقراطية جزءًا من الحركة نفسها- من تشريع يناسب مرحلة تاريخية إلى مبادئ أكثر قدرة على استيعاب الإنسان الحديث -لكن السؤال يعود مرة أخرى , هل الديمقراطية هنا نتيجة مباشرة للنص المكي، أم أنها قراءة حديثة للنص تستعين بالمفاهيم السياسية الحديثة لتحديد دلالته؟, قد لا يكون من الممكن الإجابة عن هذا السؤال بالرفض أو القبول السريع. والأدق أن نقول إن طه حاول أن يؤسس الديمقراطية من داخل رؤيته الإسلامية، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء منهج مستقل عن سلطته التأويلية يمكن لأي باحث آخر أن يستخدمه ويصل بالضرورة إلى النتائج ذاتها
وهذه ملاحظة مهمة؛ لأن قوة النظرية المنهجية لا تقاس فقط بقدرة صاحبها على استخدامها، وإنما بقدرة الآخرين على اختبارها
الاقتصاد- من الزكاة إلى الاشتراكية – في المجال الاقتصادي تتكرر البنية نفسها – فالزكاة، وفق قراءة طه، لا تمثل النهاية التشريعية التي ينبغي أن يتوقف عندها المجتمع، وإنما مرحلة من مراحل التطور نحو مساواة اقتصادية أوسع – ومن هنا تأتي قراءته للاشتراكية بوصفها أفقًا يمكن أن تقود إليه حركة التشريع، لا باعتبارها مفهومًا مستوردًا بالضرورة من خارج الإسلام -وهنا أيضًا تكمن جرأة المشروع
فطه لا يحاول فقط إسلامنة مفهوم سياسي أو اقتصادي حديث، وإنما يبحث عن إمكانية العثور على جذره داخل رؤيته للرسالة المكية
لكن هذا المجال يكشف مشكلة أخرى: هل يكفي أن تتفق نتيجة تشريعية مع قيمة قرآنية عامة حتى تصبح هذه النتيجة حكمًا دينيًا؟
إن الانتقال من «المبدأ» إلى «التشريع» يحتاج إلى أكثر من إثبات الانسجام الأخلاقي. يحتاج إلى قواعد تحدد كيفية الاستنباط، وحدود التأويل، وطبيعة السلطة التي تجعل الحكم ملزمًا , وهنا يصبح السؤال عن المنهج أهم من السؤال عن النتيجة
المؤمن والمسلم- من المصطلح إلى البناء التشريعي , ومن المفاهيم التي تدخل في البناء الطهوي كذلك التمييز بين «المؤمن» و«المسلم». , فهذا التمييز لا يظل عنده مجرد اختلاف في الدلالة اللغوية، وإنما يدخل في تصوره لمراحل الرسالة وتطور الإنسان.
ومن ثم فإن الانتقال من مستوى إلى آخر لا يعني فقط تغيير بعض الأحكام، وإنما انتقال الإنسان نفسه إلى مستوى أعلى من , المسؤولية
وهذه واحدة من أكثر الأفكار عمقًا في المشروع، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها احتياجًا إلى البرهنة , فكيف نقيس نضج الإنسان تاريخيًا؟ ومن يقرر أن مجتمعًا معينًا أصبح مستعدًا للانتقال؟ – وهل يكفي التقدم التقني أو السياسي أو التعليمي للدلالة على هذا النضج؟ -أم أن الأمر يحتاج إلى معيار ديني وأخلاقي آخر؟ -هذه الأسئلة لا تهدم النظرية، لكنها تكشف حدودها عندما تنتقل من التأمل الفكري إلى التشريع الملزم -لحلقة الغائبة- من ينقل المجتمع إلى «الرسالة الثانية»؟ , وهنا نصل إلى فجوة أخرى لا تقل أهمية عن الفجوة المنهجية: فجوة التطبيق السياسي والاجتماعي , فإذا كان الانتقال من تشريع إلى آخر مرتبطًا بنضج المجتمع واستعداده، فإن السؤال لا يعود فقط: ما الحكم الذي ينبغي تطبيقه؟ وإنما – من الذي يقرر أن المجتمع أصبح مؤهلًا للانتقال؟ ومن يملك سلطة هذا الانتقال؟ , هل هي الدولة؟ أم الأمة؟ أم النخب الفكرية؟ أم العلماء؟ أم سلطة تشريعية منتخبة؟- يبدو أن طه كان يدرك أن الانتقال ليس تلقائيًا، وأنه يحتاج إلى ما يمكن تسميته تخطيطًا وتطويرًا ذكيًا للمجتمع. لكن هذه الإشارة تفتح سؤالًا لم يحظَ، في حدود هذا التصور، بالقدر نفسه من التفصيل الذي حظيت به النظرية النصية: كيف يتحول التطوير الفكري إلى سياسة عامة، ومن يملك شرعية تنفيذه؟
وهنا تظهر الدولة بوصفها الحلقة الغائبة أو الأقل تحديدًا في مشروع تطوير التشريع , فالتشريع ليس فكرة معلقة في الهواء؛ إنه سلطة وقانون ومؤسسات وقضاء ومجتمع. وإذا لم تُحدد الجهة التي تملك تحويل القراءة الجديدة إلى قانون، فإن المشروع يظل قويًا بوصفه نظرية فكرية، لكنه يواجه فراغًا عندما ينتقل إلى مجال الدولة , الفرد والمجموعة: مشكلة السلطة التأويلية , وهناك سؤال آخر يتصل بطبيعة الاجتهاد نفسه , فالفقه الإسلامي، في مساره التاريخي الطويل، لم يكن نتاج عقل منفرد فقط، وإنما كان حصيلة تراكم واسع من الاجتهاد والمناظرة والاختلاف والمدارس العلمية، ثم تراكمت فوقه خبرة جماعية امتدت قرونًا , أما مشروع طه فيمنح صاحب النظرية التأويلية دورًا بالغ القوة في تحديد العلاقة بين الأصل والفرع، وبين النص المؤجل والنص الذي ينبغي أن يصبح فاعلًا في العصر , وهنا لا تكمن المشكلة في كون الاجتهاد فرديًا؛ فالفكر يبدأ غالبًا من أفراد، ولا يمكن إلغاء دور العقل الفردي في التجديد. المشكلة تكمن في حجم السلطة التأويلية التي يصبح الفرد حاملًا لها عندما تتوقف عليها إعادة ترتيب المجال التشريعي بأكمله -فإذا كان المجتهد هو الذي يحدد أي النصوص أصول وأيها فروع، ويحدد مستوى نضج المجتمع، ثم يستخرج من ذلك الحكم الجديد، فإن السؤال يصبح- ما الذي يمنع الاجتهاد من التحول إلى سلطة شخصية لا تملك آلية كافية للمراجعة؟ , هنا تظهر قيمة التراكم الجماعي لا باعتباره عصمة من الخطأ، وإنما باعتباره آلية لتوزيع السلطة التأويلية ومقاومة احتكارها- ومن هذه الزاوية، فإن مشروع طه يحتاج إلى حوار أوسع مع فكرة الإجماع والتراكم الفقهي، لا لكي يعود إلى التقليد، وإنما لكي يجيب عن سؤال السلطة- من يراجع المجتهد عندما يصبح اجتهاده أساسًا لإعادة بناء التشريع؟
بين عبقرية الفكرة واختبار المنهج
ربما تكون هذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا , فمحمود محمد طه امتلك جرأة نادرة في إعادة ترتيب العلاقة بين النص والتاريخ , لكنه، في الوقت نفسه، ترك لنا سؤالًا لم يُحسم بما يكفي: كيف نضمن ألا يتحول الاجتهاد في النص إلى سلطة شخصية للمجتهد؟
فالقول بأن المستقبل أقدر على استيعاب آيات الأصول يفتح أفقًا هائلًا أمام التجديد، لكنه يحتاج إلى معيار يحدد متى يبدأ هذا المستقبل , والقول إن التشريع المدني كان مناسبًا لمرحلة معينة يحرر التفكير من أسر التاريخ، لكنه يحتاج إلى منهج يحدد حدود هذا الارتباط التاريخي- والقول إن الحرية والمساواة هما من روح الرسالة المكية يمنح المشروع بعدًا إنسانيًا بالغ القوة، لكنه يحتاج إلى بيان كيفية ترجمة هذه القيم إلى أحكام قانونية محددة- هنا تحديدًا ينبغي أن نقرأ طه بعينين معًا– عين ترى الجرأة الفكرية، وأخرى ترى المشكلة المنهجية , من الحكم على طه إلى اختبار مشروعه , ربما يكون من غير المفيد أن نواصل السؤال التقليدي: هل كان محمود محمد طه على صواب أم على خطأ؟
السؤال الأكثر إنتاجًا هو: كيف بنى صوابه كما رآه؟ , فالفكر لا يُختبر فقط بنتائجه، وإنما بالطريق الذي سلكه للوصول إليها.
وهذه النقلة مهمة أيضًا في قراءة أعمال الدكتور عبد الله فكي البشير حول محمود محمد طه – إذ لا يكفي أن نعرف ماذا قال طه، ولا أن نعرف كيف حكم عليه خصومه أو أنصاره؛ بل علينا أن نختبر البناء الداخلي للفكرة- مقدماتها، ومفاهيمها، وعلاقاتها بالنص، وقدرتها على إنتاج أحكام قابلة للفحص, وعند هذه النقطة يصبح الحوار مع طه أكثر جدية من مجرد الدفاع عنه أو مهاجمته- فإذا كان مشروع (الرسالة الثانية) قد حاول أن يعيد الإنسان الحديث إلى مستوى من النص كان قد أُرجئ العمل به، فإن التحدي الحقيقي أمام هذا المشروع ليس إثبات جمال الفكرة، وإنما إثبات قابليتها للضبط المنهجي والتطبيق المؤسسي والمراجعة الجماعية , وهذا لا يقلل من قيمة طه؛ بل على العكس، إنه يضع مشروعه في المكان الذي يستحقه- مشروعًا فكريًا كبيرًا يمكن أن يُختلف معه، ويمكن أن يُنقد، ويمكن أن يُطور، لكن لا ينبغي اختزاله في الحكم الذي صدر عليه، ولا في المشنقة التي أنهت حياته , لقد مات محمود محمد طه في يناير 1985، لكن السؤال الذي تركه وراءه لم يمت معه , هل يمكن أن نقرأ النص الديني بحيث يصبح قادرًا على إنتاج تشريع يستجيب لتطور الإنسان، من دون أن نفقد النص، ومن دون أن يتحول المجتهد إلى مصدر نهائي لمعناه؟ -وهنا ربما ينبغي أن نذهب أبعد من السؤال التقليدي عن حدود النص والتأويل _ فالتأويل قد يكون أداة لتحرير النص من أسر قراءة تاريخية واحدة، لكنه قد يتحول، في الوقت نفسه، إلى أداة لإعادة أسره داخل سياق المفسر نفسه
ومن ثم فإن المسألة ليست في وجود التأويل من عدمه، وإنما في السلطة التي يمارسها التأويل، والضوابط التي تمنع هذه السلطة من التحول إلى امتلاك حصري لمعنى النص _ وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر حدة – هل يمكن أن يكون التأويل أداة لتحرير النص، أم أنه دائمًا مهدد بأن يصبح أداة لإعادة أسره ضمن سياق المفسر؟
بين هذين الاحتمالين تقع المسافة الحقيقية بين قراءة محمود محمد طه وإعادة إنتاج محمود محمد طه , ولعل هذه المسافة هي التي تجعل مشروعه جديرًا بأن يُقرأ من جديد، لا بوصفه عقيدة مكتملة، ولا بوصفه خطأ تاريخيًا انتهى بانتهائه، وإنما بوصفه سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل العلاقة بين النص، والإنسان، والتشريع – فالقيمة الفكرية لمشروع (الرسالة الثانية) لا تُقاس فقط بقدرته على تقديم إجابات، وإنما أيضًا بقدرته على إجبارنا على إعادة صياغة الأسئلة التي ظننا أن الفكر الإسلامي قد حسمها , وهنا تحديدًا تكمن قيمة محمود محمد طه— ليس لأنه أغلق باب السؤال، وإنما لأنه فتح بابًا ظل مفتوحًا بعده.

zuhair.osman@aol.com

Author
زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
انهيار الجنيه السودانى: دروس وعِبَر من جمهورية الكونغو
منبر الرأي
الحوار ليس معياراً خارج التاريخ .. في نقد د.الواثق كمير النور حمد
منبر الرأي
جيش الكيماوي هو الأقوى في العالم!
منبر الرأي
الرسالة الثانية وتطوير التشريع- قراءة تحليلية في فكر محمود محمد طه من داخل النص
منبر الرأي
خُطب البرهان ورائحة الكلور

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

إبراهيم الشيخ فارس من هذا الزمان!! .. بقلم: تيسير حسن إدريس

تيسير حسن إدريس
منبر الرأي

وكأنهم يجهضون برنامجهم الإصلاحي .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

الإسلامويون السودانيون:عودة العنصرية والحرب الصليبية .. بقلم: د. حيدر إبراهيم علي

د. حيدر إبراهيم
منبر الرأي

حول أزمة الإسكان في ولاية الخرطوم .. بقلم: شهاب الدين عبدالرازق عبدالله

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss