الرواية التاريخية السودانية- من “تلميع” الماضي إلى “مشرط” المساءلة وين نحن

زهير عثمان

هو التاريخ دا حق منو؟
التاريخ في السودان عمره ما كان مجرد حكاوي قديمة أو “ونسة حبوبات”، ده منطقة ألغام حقيقية وميدان معركة على شرعية الحاضر والرواية التاريخية عندنا ما بس بتفتش في الفات، دي بتكشف لينا كيف السلطة
بتركب فوق رقاب الناس بفرض “رواية رسمية” واحدة؛ ما بين صراع المركز والهامش، وكله محبوس في فجوات التاريخ الرسمي وصدور المثقفاتية الما دايرين يمرقوا النصيحة والكلمة الصاح
والحرب اللي قاعدة تدوّر دلوقتي في السودان وتنهش في لحمنا، بتثبت لينا إنو التاريخ ما انتهى، ده لسه بيعيد في نفسه بدم وخراب وشردة , الرواية اللي بتفتح الملفات دي هي اللي بتساعدنا نفهم ليه
وصلنا للمحطة الضلمة دي، وكيف جينات العنف والظلم الهيكلي لسه بتتحكم في البوت وفي بنية الدولة
عشان كدة، الرواية التاريخية هي مدرسة أسئلة عميقة أكتر من إنها إجابات جاهزة، وهي المحك اللي بيورينا كيف السلطة “المعاصرة” قاعدة تستخدم نفس أدوات الماضي عشان تسيطر وتهمش وتفرّق
أولاً مدرسة نبش وحفر في المسكوت عنه
لو عاينت للروايات الجادة، بتلقاها شغالة مرآة مزدوجة؛ بتعكس الماضي وبتختبر وعي القارئ الليلة تجاه الهوية والسلطة لكنها نست دورها التحليلي والرسالي للمستقبل
حمور زيادة – شوق الدرويش ما كتب عن المهدية عشان يكسر ليها تلج أو يذمها، هو فكك الاستبداد الديني وممارسة الرق، و ورانا إنو الغبش والهامش دايماً هم الضحية وهم الوقود لكل المحارق
الطيب صالح – موسم الهجرة إلى الشمال حطم أسطورة المستعمر النضيف صاحب الاذي الثقافي القاتل ، و ورانا تاريخ الصدمة اللي لسه حاكمة وعينا السياسي لليلة
منصور الصويم غطس في قاع المدينة والريف وورانا كيف جينات العنف والظلم الهيكلي قاعدة تتوارث من جيل لجيل زي الوجع المقيم وهو كاتب مجنون العبارة ولكين بايضاح بليغ جدا
ثانياً أحمد ضحية ومشرط الجراح الدامي بالحقائق المره
الناقد والروائي أحمد ضحية وضع يده في الجرح؛ وقال إنو الرواية الناجحة هي اللي بتخون رواية السلطة
ضحية بيشوف إنو الرواية لازم تفكك بنية “الأفندية” والنخبة اللي خايفة تلمس المسكوت عنه وتعريه عشان ما تفقد امتيازاتها
وبصراحة، زي ما أحمد ضحية بيفكك سلطة النص” في الأدب، إحنا في الصحافة والتحليل السياسي بنحاول نفكك سلطة البوت والماكينة العسكرية اللي عايزة تفرض علينا تاريخ مشوه وحاضر مفروض علينا فرض.
ثالثاً عماد البليك – الرواية السياسية كـجراح معرفي عميق المعارف
في الرواية السودانية المعاصرة، عماد البليك عنده مكانة خاصة كأديب سياسي بامتياز , و أعماله كلها تشريح للبنية الاجتماعية والسياسية
شاورما، دماء في الخرطوم، القط المقدس أعمال بتضرب في عصب الهيمنة الدينية والاجتماعية والاستبداد الثقافي اللي بيفرز العنف
قارسيلا، الإمام الغجري وجع دارفور وفضح الخطاب الرسمي الكضاب اللي بيغطي على المآسي بالهتافات
البحث عن مصطفى سعيد (2025) رجوع لشخصية (مصطفى سعيد ) الأسطورية لمساءلة الهوية السودانية وسط التمزق والخراب الحالي، وإعادة قراءة الموسم في سياق أزمة الوجود السوداني المعاصر
وحش القلزم حتى في “الخيال العلمي”، البليك ظل متمسك بالخط النقدي-السياسي، مثبتًا إنو مختبر نصي غرضه الأول كشف أصل الألم الاجتماعي
رابعاً البقية المارقة – البحث عن العدالة والثقة
حامد الناظر – نبوءة السقا / الطاووس الأسود هو زي مشرط الجراح اللي فتح ملفات تداخل القبيلة مع السلطة وصراع القوميات في شرقنا الحبيب، وورانا كيف التاريخ بيتم طبخه في الغرف المظلمة
طارق الطيب – مدن بلا نخل / بيت النخيل أسئلة الهوية والشتات، السوداني التائه بين الانتماء والرحيل، وتفكيك مفهوم الوطن لما يبقى سجن كبير يطرد أولاده للخارج
أمير تاج السر – توترات القبطي، وإبراهيم إسحق – ود الغرب: كلهم على خط واحد؛ تفكيك التاريخ الرسمي، وتحويل “المسكوت عنه لـمكتوب عنه
الرواية كمعركة وعي مستمرة
ديل ما كتبوا عشان نكون فخورين ساكت ونقعد نترحم على الماضي، ديل كتبوا عشان نكون فاهمين و الرواية هنا بتتحول لـعدالة انتقالية ثقافية، ملفات تحقيق في الماضي عشان ما نكرر نفس المهزلة في الحاضر
الرواية دي مش بس جبهة خلفية، دي السلاح الأقوى في معركة الوعي و الزول اللي بيقرأ شوق الدرويش أو قارسيلا أو نبوءة السقا، ما بيطلع زي ما دخل؛ بيطلع بأسئلة جديدة، وبقدرة أكبر على مقاومة الرواية الرسمية والشيءاللي عايزين يفرضوها علينا بالقوة والضجيج
المعركة واحدة؛ سواء بالقلم الروائي أو بمشرط التحقيقات الصحفية، الهدف كشف بنية السلطة وحقائق السيطرة والقوة , لأنو ببساطة، الزول اللي ما عارف حقيقة ماضيه، مستحيل يقدر يقرر في مستقبله أو يبني وطن حقيقي.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

ماشين وين في الجوطة دي؟ السودان بين عناد الرؤوس وضياع الهوية

زهير عثمانخلونا نتكلم بصراحة موجعة، السودان اللي قدامنا ده ما البلد الكنا بنختلف فيها ونتصالح …