كتبت : د. علوية علي حسين
- يعكس الواقع السياسي في السودان اليوم غياب السردية العقلانية كإطار موحد للعمل الوطني، وهو غياب يجعل القرارات والتوجهات السياسية متفرقة ويصعب تحقيق توافق بين القوى المختلفة، سواء كانت سياسية، مدنية أو مجتمعية. هذا الفراغ الفكري يزيد من مخاطر الانقسامات ويضعف قدرة البلاد على مواجهة التحديات الراهنة. في هذا السياق، يصبح التوافق الوطني ضرورة أساسية لوضع أسس بناء الدولة، وإطلاق مسار التحول المدني الديمقراطي الذي يضمن مشاركة الجميع ويضع مصلحة الوطن والمجتمع في صدارة الأولويات.
- التوافق الوطني كمدخل لبناء الدولة :
_التوافق الوطني ليس مجرد اتفاق بين النخب السياسية، بل هو إطار شامل يجمع كل القوى السياسية والمدنية والمجتمع على رؤية مشتركة حول مستقبل السودان. إنه الشرط الأول الذي يتيح إمكانية بناء الدولة، لأنه يخلق أرضية مشتركة لتحديد الأولويات الوطنية، ويقلل من مخاطر الانقسامات والصراعات على السلطة. بدون هذا التوافق، تصبح أي خطوة لإصلاح الدولة أو إطلاق مسار التحول المدني الديمقراطي معرضة للفشل، إذ يظل كل طرف يعمل وفق مصالحه الضيقة، بينما يبقى الهدف الوطني مشوشاً ومبعثراً. - المشاركة الفردية والمسؤولية المجتمعية :
_لكل فرد في المجتمع، ولكل قوة مدنية أو سياسية، دور ومسؤولية في هذا المشروع الوطني. فالمشاركة ليست خياراً، بل التزام تجاه الوطن وأجياله القادمة. إن الطريق نحو السودان المستقر والديمقراطي يبدأ اليوم، بالوعي، بالتحرك المشترك، وبالإيمان بأن المستقبل يُبنى عبر التوافق والعمل المؤسساتي والمشاركة الشعبية. - المؤسسات: الجسر بين التوافق الوطني وبناء الدولة:
_التوافق الوطني يضع الأساس، لكن المؤسسات القوية هي التي تحول هذا التوافق إلى واقع ملموس. فهي التي تترجم الاتفاقات الوطنية إلى سياسات فعالة وقوانين مطبقة، وتضمن أن القرارات تتخذ وفق مصلحة الوطن والمجتمع. يشمل ذلك إدارة الدولة ومؤسساتها التنفيذية والقضائية، الجيش المهني، والأطر القانونية التي تحمي مدنية الدولة وتضمن التداول السلمي للسلطة.
عندما تعمل المؤسسات وفق قواعد واضحة ومستقرة، فإنها تصبح حاجزاً ضد الفوضى والانقسام، وتحوّل أي توافق سياسي إلى مشروع بناء دولة مستدامة قادر على التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء. - التحول المدني الديمقراطي ومسار المشاركة المجتمعية :
بعد تحقيق التوافق الوطني ووضع الأسس المؤسسية، يصبح التحول المدني الديمقراطي الهدف الطبيعي للعمل الوطني. هذا التحول لا يتحقق إلا بمشاركة واسعة من المجتمع، بما يشمل القوى المدنية، الشباب، النقابات، القيادات المهنية، والنساء، الذين يمثلون عموداً فقرياً لمدنية الدولة واستدامة الديمقراطية. كما يلعب الإعلام والوعي الجماهيري دوراً محورياً في دعم هذا التحول، من خلال توعية المجتمع بمبادئ الديمقراطية، نشر ثقافة المشاركة، وتعزيز الحوار البناء بين المواطنين والدولة. فالمشاركة المجتمعية والإعلام الفاعل معاً يضمنان أن يكون التحول شاملاً ويعكس مصالح جميع فئات المجتمع، ويخلق ثقافة وطنية راسخة وثقة مستدامة بين الدولة والمواطنين، مما يجعل البناء الوطني متيناً لا يهتز مع تغير الحكومات أو النخب. اخلص الى : إن بناء السودان كدولة مدنية ديمقراطية لا يبدأ بالأشخاص أو بالوعود، بل يبدأ بالسردية العقلانية التي تحدد أولويات الوطن، وبالتوافق الوطني الذي يجمع كل القوى حول رؤية مشتركة. المؤسسات هي الأداة التي تحول هذا التوافق إلى واقع ملموس، والمشاركة المجتمعية والإعلام الفاعل هما الضمان لاستدامة هذا التحول وخلق ثقافة وطنية ديمقراطية حقيقية.
dr.alawia.ali.21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم