د. علي عبدالقادر
استمرار الحرب في السودان منذ 15 أبريل 2023م وحتى اليوم، أي لمدة تقارب ثلاث سنوات، يدل على تعثر او ابتعاد مسار السلام ، ويؤكد وجود أزمة مركبة لا يمكن تفكيكها وحلها من خلال صفقات ثنائية بين الأطراف العسكرية او الأطراف المدنية فقط ، ويعود ذلك إلى الازدياد المتسارع في التعقيدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل السودان، بالإضافة للتعقيدات العسكرية والسياسية داخل الإقليم.
إذا نظرنا إلى التعقيدات السياسية وهي الأهم باعتبارها المحرك الأساسي للصراع يتبين أنه ما بين مدينتي بورتسودان والخرطوم، وتحت إمرة السلطة العسكرية، توجد حكومة برئاسة الدكتور كامل إدريس، لكنها تفتقر الى وضوح الصلاحيات، وفوق ذلك فاقدة للاعتراف الدولي الصريح من قبل القوى الدولية الفاعلة ، فموقف الأمم المتحدة منها هو التعامل معها باعتبارها سلطة أمر واقع لا سلطة شرعية حقيقية أي دون تقديم دعم مطلق لها، بل تمارس عليها ضغوطًا للوصول إلى إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية كبديل للحسم العسكري. وعلى النسق نفسه جاء موقف مجلس الأمن، إذ ينتقد الانتهاكات من جميع أطراف النزاع، ويشجع الحكومة على التعاون مع التحقيقات الدولية والانخراط في مفاوضات سلام.
أما الولايات المتحدة، فهي ترى أن حكومة الخرطوم يمكن أن تكون جزءًا وليس شريكا حصريا في الحل الشامل لإنهاء الحرب، والدليل رفضها لمبادرة رئيس الحكومة د. كامل إدريس التي قدمها أمام مجلس الأمن الدولي لوقف شامل لإطلاق النار مع شرط نزع سلاح الدعم السريع، وكذلك إصرار الولايات المتحدة عبر مبادرة الرباعية المتمثلة في الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر على الوصول إلى تسوية سياسية شاملة وتشكيل حكومة مدنية شرعية تبدأ بهدنة إنسانية فورية تسمح بوصول المساعدات الإنسانية ووقف شامل لإطلاق النار. وعلى المنوال نفسه تأتي مساعي الاتحاد الأوروبي، إذ يدعو إلى تسوية سياسية شاملة ومشاركة المدنيين في العملية السياسية والانتقال للحكم المدني، ويدعم الجهود الأممية لإنهاء الحرب.
أما الاتحاد الإفريقي، فهو يعترف بسلطة الحكومة المدنية في الخرطوم باعتبارها خطوة إيجابية نحو الاستقلال عن النفوذ العسكري، مهددًا بتجميد عضوية السودان إذا لم يتم الأمر. كما تسعى دول الإيقاد إلى الوساطة بين الأطراف السودانية لإيجاد أرضية تفاوض وإنهاء الحرب. وبصورة عامة، تتعامل الدول الإفريقية مع الحكومة السودانية كسلطة أمر واقع مع دعوتها إلى وقف الحرب وتثبيت ضرورة الانتقال السياسي للحكم المدني. أما جامعة الدول العربية، فتدعو إلى وقف القتال والحفاظ على وحدة السودان والوصول إلى حل توافقي، ونجد أن غالب الدول العربية داعمة للحكومة المدنية دعمًا للاستقرار الإقليمي، خاصة أمن البحر الأحمر.
ومن ضمن التعقيدات السياسية الداخلية أيضًا قيام قوات الدعم السريع وحلفائها بتشكيل حكومة في إقليم دارفور، ولكن لم يُعترف بها رسميًا أو دوليًا. وقد بررت قوات الدعم السريع تشكيلها لهذه الحكومة بسبب انسحاب الأجهزة الإدارية التابعة لحكومة الخرطوم من دارفور، وضعف سلطة المركز وتوقف الخدمات الإدارية من إدارات محلية وقضاء وغيرها، وأنها اضطرت لإنشاء سلطة مدنية بديلة. لكن الجميع يعلم أنه بعد التموضع العسكري والسيطرة الميدانية لقوات الدعم السريع والسيطرة على إقليم دارفور وأجزاء من إقليم كردفان، جاءت هذه الخطوة السياسية كخطوة استراتيجية لإضفاء شرعية محلية ودولية مستقبلية على كيانها، وربما تكون خطوة للمطالبة بالحكم الذاتي، وقبل ذلك وسيلة ضغط على حكومة الخرطوم لإرغامها على تقاسم السلطة والثروة معها.
أما التعقيدات الاجتماعية للحرب وآثارها فتتمثل في الصدمة النفسية المجتمعية الجماعية التي أدت إلى فقدان الشعور بالأمان وانتشار الخوف المستمر لدى المواطنين، إضافة إلى النزوح الجماعي والفردي لملايين السودانيين، مما أدى إلى تشتت الأسر وفقدان مصادر الدخل وحرمان ملايين الأطفال من التعليم، كما جاء النزوح للأقاليم والقرى كمحاولةً للاحتماء بالجهوية أو القبيلة، مما أدى إلى تصاعد الولاء القبلي والجهوي على حساب الولاء الوطني ونشر خطاب الكراهية، وهكذا انهارت الثقة بين فئات المجتمع، فأصبحت كل جهة تخوّن الأخرى حتى داخل الأسرة الواحدة، وتم! تقسيم الناس إلى فئتين: مؤيدي النظام السابق- حكومة البشير ثم البرهان – ويُسمَّون “الفلول”، أو مؤيدي الدعم السريع ويُسمَّون “المتعاونين”، وهكذا حدث شرخ نفسي مجتمعي أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي وإضعاف الوحدة الوطنية.
وعلى صعيد الواقع المعيشي للشعب، وبسبب الحرب وعدم الاستقرار الأمني، ظهرت تعقيدات اقتصادية كبيرة، كان أولها انهيار مؤسسات الدولة الاقتصادية والمالية وتعطل دولاب العمل في اغلب الوزارات والمؤسسات، مما تسبب في فوضى اقتصادية وتوقف المصانع والشركات وتعطل الإنتاج والتجارة وانهارت الزراعة، وحدوث خسائر كبيرة في البنية التحتية من طرق وشبكات كهرباء وخاصة في العاصمة الخرطوم، و قاد ذلك لانهيار العملة وارتفاع التضخم، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار ونقص الغذاء والوقود والأدوية، وبالطبع إلى زيادة معدلات البطالة والفقر.
وكان من الطبيعي في ظل هذه الظروف ظهور اقتصاد الحرب والتهريب، خاصة الذهب والوقود والسلاح، وظهور مستفيدون من الحرب أي “تجار الحرب”، وهم شبكات متسلسلة على شكل هرمي مقلوب تبدأ من مستوى الدول والحكومات التي تبيع السلاح والوقود والمواد الغذائية – رسميًا أو عبر وكلاء في السوق السوداء – مروراُ بالوسطاء ونزولًا إلى مستلمي السلاح والبضائع ومورديها لمن يدفع أكثر. وهذه الجهات الانتهازية ستفعل كل ما بوسعها لعدم إيقاف الحرب.
ما سبق توضيحه، إضافة إلى الأوضاع السياسية في الإقليم التي تزداد تعقيدًا كل يوم، ولا سيما التهديد الأمريكي لإيران، والتنافس الجيوسياسي على البحر الأحمر، يوضح جليًا عدم وجود حل جذري قريب للحرب السودانية، وأنه في أحسن الأحوال ستكون هناك هدنة إنسانية مؤقتة مفروضة من الخارج وليس اتفاق سلام شامل ، وهذه الهدنة ستستغلها القوات المسلحة السودانية كاستراحة تكتيكية لإعادة تنظيم صفوفها وإعداد استراتيجية عسكرية أكثر فعالية للتقدم نحو أقاليم كردفان ودارفور واستعادتها من أيدي قوات الدعم السريع، في حين ستحاول قوات الدعم السريع استجلاب المزيد من السلاح مقابل تهريب الذهب، ولا سيما عبر دول الجوار مثل ليبيا وتشاد، او تضطر مكرهة للقبول بشروط القوات المسلحة السودانية لإنهاء الحرب.
رغم ضبابية المشهد بل سوداويته، يظل هناك أمل في قلوب السودانيين بأن تقود الهدنة الإنسانية إلى مزيد من المرونة في روح التفاوض بين حكومتي الخرطوم ودارفور عبر عملية تفاوضية تقودها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، مع وجود ضغط سياسي مستمر من الولايات المتحدة على دول الإمارات وتشاد وقوات حفتر الليبية لقطع الإمدادات عن قوات الدعم السريع، وكذلك تشجيع القوات المسلحة السودانية وحكومة الخرطوم لقبول عقد حوار مائدة مستديرة لكل الأطراف السودانية والاتفاق على تشكيل حكومة تراضٍ وطني مدنية انتقالية، وعندها يمكن للإرادة الشعبية أن تستبشر باقتراب حدوث سلام دائم.’
abdelgadir@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم