السودان ؛ العنف المقيم من تمكين الأيدولوجيا إلى تفكك المجتمع

د. محمد عبدالله
ليس من اليسير على المراقب أن يفصل بين اللغة والدم في السودان اليوم. فالكلمات، التي كان يُفترض أن تكون جسراً للتفاهم، أخذت تتحول تدريجياً إلى وقودٍ للحرب، أو إلى ما يشبه التمهيد النفسي للعنف. ولم يعد خطاب الكراهية مجرد انفعال عابر في فضاء عام محتقن، بل صار، كما يلاحظ بعض الباحثين، أداة تعبئة تُستخدم بوعي، قبل أن تتسرّب إلى الحياة اليومية وتستقر فيها كسلوك مألوف.

في التجارب الإنسانية، نادراً ما يبدأ العنف من فوهة البندقية. غالباً ما تسبقه لغة تعيد تعريف الآخر، تجرّده من إنسانيته، وتختزله في هوية ضيقة: إثنية أو جهوية أو دينية. في السودان، اتخذ هذا الخطاب أشكالاً متعددة؛ قبلية حيناً، ومناطقية حيناً آخر، وأحياناً بملامح عنصرية صريحة. وقد أظهرت دراسات قانونية أن خطاب الكراهية لا يقف عند حدود التعبير، بل يشكّل أحد أخطر محرّكات الحروب، لأنه يمهّد لتحويل جماعات كاملة إلى أهداف قابلة للإقصاء، بل للإبادة. عند هذه النقطة، لا يعود الانتقال من التحريض إلى الفعل سوى مسألة وقت.

العنف في السودان ليس وليد الحرب الراهنة وحدها، بل هو عنف مقيم، له جذوره العميقة في بنية الدولة والمجتمع. فمنذ عقود، عاشت البلاد على إيقاع نزاعات متكررة، من الجنوب سابقاً إلى دارفور، حيث تراكمت مظالم قائمة على التهميش الاقتصادي والتمييز الإثني. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، انفجرت هذه التناقضات دفعة واحدة. وتشير تقارير أممية إلى تصاعد مروّع في العنف ضد المدنيين، كثير منه يحمل طابعاً عرقياً، بما يعكس عمق الشرخ الاجتماعي. غير أن الأخطر ربما هو تمدد العنف خارج أطرافه التقليدية، ليصل إلى المجتمع نفسه، مع تسليح المدنيين، وتراجع سلطة القانون، وصعود منطق “الحماية الذاتية” الذي يعيد إنتاج العنف في دوائر لا تنتهي.

ويزيد من تعقيد المشهد غياب إطار قانوني واضح يجرّم خطاب الكراهية بصورة حاسمة، ما يترك المجال مفتوحاً لتداوله بلا رادع فعّال. وفي هذا الفراغ، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتحريض، حيث تنتشر الشائعات والخطابات الشعبوية بوتيرة تفوق قدرة المجتمع على احتوائها. وهكذا تكتمل الحلقة: خطاب يولّد عنفاً، وعنف يفرز خطاباً أشد تطرفاً.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الدور الذي لعبه الإسلاميون في تشكيله. فمنذ استيلائهم على السلطة عام 1989، عملت الحركة الإسلامية على إعادة صياغة الدولة والمجتمع ضمن مشروع “التمكين”، وهو مشروع تجاوز السياسة إلى إعادة تشكيل الوعي نفسه. خلال تلك الحقبة، جرى تسييس الدين على نحو كثيف، وعسكرة المجتمع عبر تشكيلات مثل “الدفاع الشعبي”، إلى جانب إقصاء الخصوم وتصنيفهم خارج الجماعة الوطنية. هذا التداخل بين العقيدة والسياسة أنتج خطاباً إقصائياً بطبيعته، يقسم المجتمع إلى “نحن” و“هم”، ويمنح العنف، في لحظات معينة، غطاءً معنوياً. ولم يتلاشَ هذا الإرث بسقوط النظام في 2019، إذ لا تزال بعض امتداداته حاضرة، بشكل أو بآخر، في بنية الصراع الراهن.

تتعدد الأسباب التي تغذي هذا المسار، وهي أسباب متشابكة يصعب فصلها. فسياسياً، هناك غياب واضح لفكرة الدولة الجامعة، مقابل صعود مشاريع أيديولوجية متنازعة. واجتماعياً، تتراجع الهوية الوطنية لصالح هويات فرعية أكثر ضيقاً. أما اقتصادياً، فيظل التهميش والتفاوت وقوداً دائماً للاحتقان. ويضاف إلى ذلك ضعف الخطاب الثقافي النقدي، وتراجع دور التعليم والإعلام المستقل، إلى جانب انتشار السلاح وتفكك مؤسسات الدولة. في مثل هذه البيئة، لا يعود خطاب الكراهية طارئاً، بل يصبح جزءاً من الحياة اليومية.

وثمّة بُعد آخر أخذ يتضح أكثر مع استمرار الحرب، يتمثل في تحوّل خطاب الكراهية إلى مادة تُستثمر سياسياً وإعلامياً. فقد رُصد تورط منصات إعلامية وصفحات رقمية في بث محتوى تحريضي مباشر، يصل أحياناً إلى تخوم الدعوة للعنف الإثني. في هذه الحالة، لا تعود الكلمة مجرد انعكاس للصراع، بل تتحول إلى أداة فاعلة فيه، تستهدف الخصم في الميدان، وتضرب في الوقت نفسه ما تبقى من نسيج اجتماعي، بما يعقّد أي محاولة مستقبلية لإعادة ترميمه.

ولا ينفصل ذلك عن البعد الاقتصادي للأزمة. فخطابات الكراهية تجد تربة خصبة في بيئات الفقر والبطالة والشعور المزمن بالغبن. وغالباً ما تُستخدم هذه الخطابات لصرف الغضب الشعبي عن مساراته الطبيعية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، نحو صراعات هوياتية أكثر سهولة في التعبئة. في هذا السياق، لا يبدو التهميش الذي عرفته مناطق مثل دارفور أو شرق السودان مجرد إخفاق تنموي، بل جزءاً من سياق أوسع تداخل فيه الاقتصادي بالسياسي، وتعزز فيه الشعور بالإقصاء عبر خطاب رسمي وغير رسمي.

ورغم قتامة الصورة، لا تخلو الساحة من أصوات تحاول مقاومة هذا الانحدار. فقد برزت مبادرات مجتمعية ودينية تدعو إلى التهدئة، وتتمسك بلغة أقرب إلى التعايش منها إلى التحريض. اللافت أن هذه المبادرات لم تقتصر على النخب، بل امتدت إلى قيادات أهلية تقليدية، تدرك بحسّها العملي أن الانزلاق إلى خطاب الكراهية يعني تقويض ما تبقى من روابط اجتماعية. غير أن تأثير هذه الجهود يظل محدوداً ما لم يجد سنداً سياسياً أوسع.

مواجهة خطاب الكراهية، في هذا السياق، لا يمكن أن تُختزل في دعوات أخلاقية. هي مسألة ترتبط بإعادة بناء الدولة نفسها: قانونياً، عبر تجريم واضح للتحريض؛ ومؤسسياً، عبر تفكيك البنى المليشياوية؛ وسياسياً، عبر بلورة مشروع وطني جامع. كما تفرض مراجعة نقدية لإرث الإسلام السياسي، بما انطوى عليه من توظيف للدين في الصراع. وإلى جانب ذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى عمل طويل النفس على مستوى التعليم والإعلام، وإلى تفعيل مسارات العدالة الانتقالية، بما يشمل ليس فقط مرتكبي العنف، بل أيضاً من مهّدوا له وخططوا له خطابياً.

في السودان اليوم، لا تكمن المعضلة في السلاح وحده، بل في اللغة التي تمنحه مبرراته. فعندما يُختزل الآخر إلى عدو في الذهن الجمعي، يصبح العنف قابلاً للتبرير، بل ومقبولاً أحياناً. لذلك، قد يكون التحدي الأعمق هو استعادة إنسانية الخطاب نفسه، قبل أي شيء آخر. فإعادة الاعتبار للكلمة، بوصفها أداة تواصل لا أداة إقصاء، هي الخطوة الأولى نحو سلام لا ينهار عند أول اختبار.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

مرايا الثورات: ماذا تعني 1789 للسودان اليوم؟

تمر علينا في عام 2026 الذكرى الـ237 للثورة الفرنسية، ذلك الحدث الذي هزّ أركان الحكم …