منتدى الإعلام السوداني: الخرطوم، 12 مارس 2026 (شبكة عاين)- في عام 2025، شهد السودان مسارًا حادًا من النزاع العنيف، حيث تضاعف عدد القتلى المدنيين بمعدل ضعفين ونصف مقارنة بالعام السابق، وسُجّلت 500 حالة عنف جنسي، إلى جانب تصاعد الإعدامات الموجزة والاحتجاز التعسفي واستهداف البنية التحتية الحيوية. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المأساة الإنسانية، بل تمثل أيضًا مؤشرات قانونية تستدعي فحصًا دقيقًا وفق قواعد القانون الدولي، وتثير تساؤلات حاسمة حول ما إذا كانت هذه الانتهاكات مجرد أحداث متفرقة فرضتها فوضى الحرب، أم أنها تمثل نمطًا منهجيًا قد يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز السؤال حول العناصر القانونية التي تجعل العنف الجنسي أو الإعدامات الموجزة جريمة حرب، ومتى يمكن أن تتحول هذه الأفعال إلى جرائم ضد الإنسانية من حيث المنهجية والانتشار الواسع. ويشير المحامي والقانوني عبد الباسط الحاج إلى أن هذه الأفعال تُعد من أخطر الجرائم الدولية، موضحًا أن النية الجنائية يمكن استنتاجها من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، ونوعية الأسلحة المستخدمة، إضافة إلى استهداف المناطق المأهولة بالسكان.
ومع استمرار النزاع، تبرز كذلك تساؤلات حول مسارات المساءلة الممكنة، سواء عبر توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، أو إنشاء آليات تحقيق دولية مستقلة، أو اللجوء إلى مسارات العدالة الانتقالية التي قد تُطرح في مرحلة ما بعد الحرب.
العنف الجنسي: أرقام وشهادات
في هذا السياق، قالت المديرة الإقليمية للمبادرة الاستراتيجية للمرأة في القرن الأفريقي، هالة الكارب، لـ(عاين) إن الرقم الذي أعلنه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، والمتمثل في توثيق 500 حالة عنف جنسي خلال عام واحد في السودان، لا يعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات. وأوضحت أن التوثيق الذي أجرته المبادرة خلال الفترة من 2023 وحتى ديسمبر 2025 يشير إلى ما يقارب 1900 حالة في مناطق مختلفة من السودان.
وبحسب الكارب، بدأ توثيق هذه الجرائم في الخرطوم التي شهدت موجة واسعة من العنف الجنسي، قبل أن تمتد إلى ولاية الجزيرة، ثم إلى مناطق أخرى، وصولًا إلى دارفور بعد سقوط مدينة الجنينة، حيث تفاقمت هذه الجرائم بشكل كبير.
وأكدت أن هذه الانتهاكات لا تقتصر آثارها على النساء والفتيات فقط، بل تمتد لتطال الأسر والمجتمعات المحلية بأكملها، سواء في المناطق الحضرية أو الريفية، مشيرة إلى أن الاعتداء على النساء غالبًا ما يُستخدم كوسيلة للاعتداء على المجتمع نفسه. كما تترك هذه الجرائم آثارًا نفسية واجتماعية عميقة طويلة الأمد، تشمل حالات ولادة نتيجة حمل قسري، وصدمات نفسية قد تمتد عبر أجيال.

الطابع المنهجي للانتهاكات
وفي ما يتعلق بالطابع القانوني لهذه الانتهاكات، أشارت الكارب إلى أن العنف الجنسي في السودان لم يكن مجرد جرائم فردية متفرقة، بل تم توثيقه في أنماط منظمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية. ولفتت إلى أن دارفور شهدت استهدافًا عرقيًا واضحًا لمجموعات محددة بشكل متكرر، وتحت إشراف قيادات من قوات الدعم السريع، فيما تعرضت مناطق شرق الجزيرة لنمط مشابه من الجرائم المنظمة.
وأضافت أن أكثر من 70 في المئة من حالات الاغتصاب التي جرى توثيقها وقعت في سياق اغتصاب جماعي، بما في ذلك حالات اغتصاب لنساء داخل حافلات مليئة بالركاب أو في الشوارع وأمام المارة، الأمر الذي يعكس الطابع المنهجي لهذه الجرائم ويبعدها عن كونها أفعالًا فردية معزولة.
التوثيق وحماية الضحايا
وعن التحديات المرتبطة بحماية الضحايا والتوثيق، أوضحت الكارب أن بيئة الصمت والخوف والوصمة الاجتماعية تجعل من عملية التوثيق مهمة بالغة الصعوبة. كما أشارت إلى أن التهديدات لا تتوقف عند خروج قوات الدعم السريع من بعض المناطق، إذ تتعرض النساء في أحيان أخرى لانتهاكات جديدة من مجموعات عسكرية مختلفة، تشمل الاسترقاق الجنسي والإهانة والاعتقال واتهامات كاذبة بالتعاون مع أطراف النزاع.
وترى الكارب أن هذه الظروف تعقّد عملية إثبات “الطابع المنهجي” أو “السياسة المنظمة” لهذه الجرائم دون تعريض الضحايا لمزيد من الأذى، ما يستدعي تطوير استراتيجيات متكاملة للحماية والتوثيق.
وفي ما يخص المسؤولية القانونية، شددت الكارب على أن المسؤولية لا تقع على المنفذين المباشرين فقط، بل تمتد إلى القيادات التي سمحت بهذه الانتهاكات أو تغاضت عنها أو فشلت في منعها، بما يشمل مستويات عسكرية وسياسية مختلفة.
أما على مستوى العدالة للضحايا، فأكدت أن النساء والرجال في السودان ما زالوا محرومين من الوصول إلى العدالة، سواء من حيث الاعتراف الرسمي بما تعرضوا له أو من حيث التعويض وجبر الضرر، وهو ما يفاقم الآثار النفسية والاجتماعية للانتهاكات.
كما لفتت إلى أن الوضع الصحي للضحايا يتأثر بشكل مباشر، بما في ذلك انتشار الأمراض المنقولة جنسيًا، إضافة إلى وفيات غير مبررة بين الشباب والشابات، مشيرة إلى أن الاستثمار في الاستجابة لهذه الجرائم ما يزال ضعيفًا، سواء من قبل الجهات الدولية أو السلطات المحلية، الأمر الذي يعكس غياب استراتيجية واضحة لمعالجة هذه الكارثة الإنسانية.
متى تصبح الانتهاكات جرائم دولية؟
واستنادًا إلى التعريفات الواردة في نظام روما الأساسي، قال عبد الباسط الحاج، المحامي والمهتم بقضايا العدالة، لـ(عاين) إن العنف الجنسي فعل مجرم بطبيعته، لأنه يمثل اعتداءً مباشرًا على أمن وكرامة الإنسان، ويترك آثارًا نفسية عميقة على الضحايا، خاصة النساء والفتيات اللواتي يعدن من أكثر الفئات تعرضًا لهذا النوع من العنف.
وأضاف أن العنف الجنسي عندما يقع في سياق نزاع مسلح قد يأخذ تصنيفين قانونيين مختلفين؛ إذ يمكن اعتباره جريمة حرب إذا ارتُكب ضد المدنيين دون تمييز بينهم وبين المقاتلين، أو إذا وقع ضمن هجوم متعمد عليهم. أما إذا كان الهجوم واسع النطاق ومنهجيًا في مناطق مختلفة، وثبت أن العنف الجنسي يمثل سياسة متبعة من قبل جماعة مسلحة، فإنه يتحول إلى جريمة ضد الإنسانية، مؤكدًا أن كلا التصنيفين يندرجان ضمن الجرائم الدولية الخطيرة.
وحول استنتاج النية الجنائية، أوضح الحاج أن ارتفاع عدد الضحايا المدنيين يمكن أن يشير في حد ذاته إلى وجود نية إجرامية، كما أن استخدام أسلحة تسبب ضررًا غير مبرر أو استهداف مناطق مأهولة بالسكان يعد دليلًا إضافيًا على تعمد استهداف المدنيين، ما لم تكن هناك ضرورة عسكرية واضحة.
مسؤولية القيادة ومسارات المساءلة
وفي ما يتعلق بمسؤولية القيادة، أشار الحاج إلى أن هذا المبدأ يشمل القيادات العسكرية التي تتخذ القرارات الميدانية المباشرة، وكذلك القادة الأعلى الذين يملكون سلطة إصدار الأوامر أو إيقافها ويشرفون على العمليات العسكرية بشكل مباشر أو غير مباشر. وأضاف أن المسؤولية قد تمتد إلى الفاعلين السياسيين إذا ثبت تورطهم في التحريض أو التشجيع على ارتكاب جرائم مخالفة لقواعد الحرب والقانون الجنائي الدولي.
أما بشأن المساءلة الدولية، فقال الحاج إن توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في السودان يمثل خطوة مهمة، لكنه يرتبط أيضًا بمدى استعداد الدولة السودانية للتعاون مع المحكمة، واستكمال دور القضاء الوطني الذي يظل حجر الأساس في تحقيق العدالة. وأكد أن المحكمة الجنائية الدولية لا يمكنها التعامل مع جميع الانتهاكات، ولا يمكن أن تحل محل النظام القضائي الوطني.
وأشار كذلك إلى وجود تدخلات دولية وإقليمية عبر لجان تحقيق أنشأتها هيئات دولية وإقليمية للتقصي حول الانتهاكات المرتكبة في السودان، في حين تمثل العدالة الانتقالية، عبر دور المنظمات الوطنية ومجتمعات الضحايا، مسارًا مهمًا يركز على المصالحة ومعالجة جراح الماضي بما يسهم في تحقيق التعايش السلمي مستقبلًا.
الطائرات المسيّرة واستهداف البنية التحتية
في سياق النزاع المسلح في السودان خلال عام 2025، لم تقتصر تأثيرات الحرب على المدنيين والجرائم المرتكبة ضدهم، بل شملت كذلك التحولات التكتيكية في العمليات العسكرية وأدواتها. وفي هذا الإطار، أشار مدير المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، محمد بدوي إلى الدور المتصاعد للطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الحديثة في توجيه العمليات العسكرية، وتأثيرها المباشر على المدنيين والبنية التحتية الحيوية، إضافة إلى انعكاساتها على المجتمع المدني وثقافته العسكرية.
وأوضح بدوي في حديثه لـ(عاين) أن استخدام الطائرات المسيّرة مثل تحول مهم في طبيعة العمليات العسكرية في السودان خلال عام 2025، مشيرًا إلى أن هذه الطائرات كانت تُستخدم سابقًا في مجالات مدنية مثل الزراعة والأبحاث، لكنها أصبحت اليوم أدوات متعددة الأغراض في النزاعات المسلحة.
وأضاف أن المسيّرات يمكن إطلاقها عن بُعد، ما يسمح بمراقبة وتحريك العمليات العسكرية على مسافات بعيدة، وقد ظهرت في مناطق مثل الجنينة ونيالا، بينما اقتصرت في الفاشر على أعداد محدودة خلال المراحل الأولى من النزاع.
ورغم أن هذه الطائرات لا تحسم الصراع بشكل كامل، إلا أنها تساهم في إنهاك الطرف الآخر وفتح عدة جبهات في وقت واحد، كما تحد من قدرة الخصم على التحرك في مناطق معينة. كما ساهمت التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الأقمار الصناعية واستخدام خرائط دقيقة مثل “جوجل ماب”، في تحديد أهداف الضربات بدقة أكبر، ما يسمح بتوجيه العمليات العسكرية بصورة أكثر فاعلية.
استهداف البنية التحتية وعسكرة المجتمع
وفي ما يتعلق باستهداف البنية التحتية الحيوية، أشار بدوي إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة وسّع نطاق الضربات ليشمل محطات الكهرباء والمياه والموانئ والمرافق الاقتصادية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حياة المدنيين وعلى أسواق الطاقة والموارد الأساسية.
وأوضح أن هذه الاستهدافات قد لا تكون مجرد أضرار جانبية للحرب، بل قد تُستخدم كتكتيك ضغط استراتيجي لإضعاف الطرف الآخر وتقويض قدرته على الاستمرار، مشيرًا إلى أن أنماطًا مشابهة ظهرت في مناطق أخرى من العالم، حيث أدى استهداف مرافق الطاقة والمياه إلى تعطيل الخدمات وارتفاع الأسعار عالميًا، ما يكشف عن التأثير العسكري والاقتصادي المتزامن لمثل هذه الهجمات.
أما في ما يتعلق بعسكرة المجتمع وتجنيد الشباب، فأوضح بدوي أن هذه الظاهرة ليست جديدة في السودان، إذ تعود جذورها إلى فترات الحرب في جنوب السودان خلال أواخر ثمانينات القرن الماضي، لكنها تعززت بشكل ملحوظ خلال النزاعات الأخيرة.
وأضاف أن عسكرة المجتمع تؤدي إلى تحول في الثقافة العامة من ثقافة مدنية إلى ثقافة عسكرية، حيث يصبح الأطفال والشباب أكثر تقبلاً لفكرة السلاح والعنف، ويتشكل لديهم قاموس عسكري يحل محل المصطلحات المدنية.
وأشار إلى أن هذا التحول يضعف الرغبة في الحياة السلمية، ويجعل الوصول إلى الخدمات الأساسية مرتبطًا بالقوة أو بالانضمام إلى القوات المسلحة أو الميليشيات، وهو ما يقوض استقرار المجتمع المدني ويمهد لتوسع النزاع إقليميًا.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة إعداد (شبكة عاين) لتعكس الازدياد الكبير في عدد القتلى المدنيين لهذا العام، حيث تضاعف عدد القتلى بمعدل ضعفين ونصف مقارنة بالعام السابق 2025.
وتتناول المادة تأثيرات الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع على المدنيين والجرائم المرتكبة ضدهم، والتحولات التكتيكية في العمليات العسكرية وأدواتها، مثل الدور المتصاعد للطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الحديثة في توجيه العمليات العسكرية، وتأثيرها المباشر على المدنيين والبنية التحتية الحيوية، إضافة إلى انعكاساتها على المجتمع المدني وثقافته العسكرية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم