مختار العوض موسى
مع اقتراب نهاية الحرب، يدخل السودان مرحلة التفكير الجاد في إعادة الإعمار، في ظل مؤشرات إيجابية بدأت تلوح في الأفق. فقد أعلنت مؤسسة بريطانية رغبتها في صيانة القصر القديم ومتحفه وسياراته الكلاسيكية التاريخية، كما أعلن البرلمان الألماني “البوندستاغ” إدانته لجرائم وانتهاكات المليشيا بحق المدنيين، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام الأوروبي بالشأن السوداني. يضاف إلى ذلك ترحيب القاهرة بدعم مشاريع إعادة الإعمار، فضلاً عن وعود من عدد من الدول بالمساهمة في هذا المسار.
لكن عندما تنتهي الحروب، لا يكون السؤال الأهم: من انتصر ومن خسر؟ فهذه الأسئلة تتلاشى سريعاً أمام سؤال أكثر عمقاً وثقلاً: ماذا سيحدث للوطن بعد أن يسكت صوت البنادق؟
نقف اليوم أمام مشهد مدنٍ كأن زلزالاً هائلاً قد اجتاحها؛ مبانٍ منهارة، واقتصاد متعثر، ومجتمع مثقل بالجراح والأوجاع. فالحرب لم تترك وراءها دماراً مادياً في البنى التحتية فحسب، بل خلّفت أيضاً تصدعات عميقة في الاقتصاد، وفي النسيج الاجتماعي، وفي الشعور العام بالأمان. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً؛ فالتاريخ يخبرنا أن كثيراً من الدول التي وصلت إلى حافة الانهيار الكامل استطاعت لاحقاً أن تجعل من الكارثة نقطة انطلاق لنهضة كبرى.
وبنظرة فاحصة إلى تجارب الدول التي خرجت من الحروب المدمرة، نكتشف أن ما يلي الحروب ليس مجرد عملية ترميم، بل تأسيس جديد للدولة. فبعض الأمم لا تعود بعد الحرب إلى ما كانت عليه، بل تعود بصورة مختلفة تماماً. وهنا يبرز السؤال الجوهري أمام السودان: هل ستكون إعادة الإعمار مجرد محاولة لإصلاح الخراب، أم يمكن أن تتحول إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة نفسها؟
الفرق بين الأمرين كبير. فإعادة البناء بالمعنى التقليدي تعني إعادة تشييد المباني والجسور والطرق كما كانت. أما إعادة البناء بمعناها العميق فتعني إعادة تصميم الدولة اقتصادياً وإدارياً ومؤسسياً، ومراجعة شاملة لكل ما كان قائماً قبل الحرب: شكل الاقتصاد، وطبيعة الإدارة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، وحتى شكل المدن نفسها.
في السودان، كانت كثير من المشكلات البنيوية قائمة قبل الحرب بسنوات طويلة: هشاشة المؤسسات، وضعف التخطيط العمراني، والاختلالات الاقتصادية المزمنة. ولذلك، فإن إعادة الإعمار إذا اكتفت بإعادة إنتاج النموذج القديم، فإنها قد تعيد أيضاً إنتاج الأزمات القديمة نفسها.
ولهذا ينبغي أن يتجاوز طموحنا مفهوم الإعمار التقليدي إلى إعادة التفكير في كيفية بناء دولة أكثر توازناً واستقراراً. فإعادة إعمار المدن المدمرة يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة تخطيطها بشكل حديث يراعي النمو السكاني وتوفير الخدمات الأساسية. كما يمكن لإعادة تشغيل الاقتصاد أن تكون مناسبة لإطلاق مشاريع تنموية كبرى في مجالات الزراعة والطاقة والتعدين، واستثمار موارد البلاد بصورة جادة تضع السودان في مصاف الدول المؤثرة اقتصادياً وتنموياً.
فنحن نمتلك بالفعل مقومات اقتصادية هائلة إذا ما أُديرت برؤية رشيدة: أراضٍ زراعية واسعة وخصبة، وموارد معدنية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين إفريقيا والعالم العربي. وكلها عوامل يمكن أن تجعل من مرحلة الإعمار مشروعاً اقتصادياً ضخماً لا يقتصر على إعادة البناء، بل يفتح الباب أمام دورة تنموية جديدة.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في حجم الموارد أو الأموال المطلوبة، بل في طبيعة إدارة عملية الإعمار. فالتاريخ مليء بأمثلة لدول حصلت على مليارات الدولارات لإعادة البناء، لكنها لم تحقق استقراراً حقيقياً، لأن مؤسساتها كانت ضعيفة، أو لأن الصراع السياسي ظل كامناً تحت السطح.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحروب هو أن يُعاد بناء الحجر، بينما تبقى أسباب الانهيار كما هي. فالدولة التي لا تعالج جذور أزماتها السياسية والاجتماعية قد تجد نفسها، بعد سنوات قليلة، أمام دورة جديدة من الأزمات المدمرة.
لذلك، فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تُختزل في المشاريع الهندسية وحدها، بل يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني أوسع يقوم على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإرساء مؤسسات حكم رشيدة، وخلق بيئة سياسية تسمح بالتنافس دون أن تهدد استقرار الوطن.
إن الأمم التي نجحت في التحول بعد الحروب لم تفعل ذلك بفضل الأموال أو المساعدات الخارجية وحدها، بل لأنها امتلكت رؤية واضحة للمستقبل وإرادة سياسية قادرة على تحويل لحظة الانهيار إلى لحظة تأسيس.
السودان اليوم يقف أمام مفترق طريق تاريخي: فإما أن تتحول إعادة الإعمار إلى عملية ترميم بطيئة لما تهدم، أو أن تصبح بداية لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة الدولة على أسس أكثر صلابة وعدلاً واستقراراً.
وهنا لا يكون السؤال الحقيقي: كم سيكلف الإعمار؟
بل: أي وطن نريد أن نبنيه بعد أن تنتهي الحرب؟
mokhtaralawad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم