السودان بين أنقاض الحرب ومسارات السلام

ناصر السيد النور
ما شهدته التحركات والتطورات المتسارعة على المستوى الدولي والإقليمي بشأن الأزمة السودانية في منعطفاتها العسكرية والإنسانية، وزيادة الضغط الدولي باتجاه تحقيق السلام، أو هدنة «إنسانية» على ما يجري التصريح به، والتمدد العسكري لقوات الدعم السريع، في تراجع واضح لقوات الجيش في أكثر من جبهة، يشير إلى مسار متناقض باتجاه السلام، أو الاستمرار في الحرب المدمرة. فقد سيطرت قوات الدعم السريع على حقل هجليج النفطي جنوبي البلاد، وما ترتب عليه من اتفاق بعد انسحاب الجيش منه إلى دولة جنوب السودان، بين الأطراف الثلاثة رئيس المجلس السيادي الجنرال البرهان، وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، ورئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت، في اتفاق خارج المألوف في مسار الحرب منذ اندلاعها بين الطرفين.
وبدا أن الاتفاق جنّب تفسير ما جرى من قبل الجيش، الذي لم يصدر بيانا بشأن الموقف الذي أدى إلى وجود قوات من دولة جنوب السودان لحماية المنشأة النفطية. فما يشكله النفط كمورد استراتيجي للبلدين، خاصة لدولة الجنوب، يفهم في الإطار العام، دون أن يجيب على التساؤل حول كيفية التوصل لاتفاق نادر، مراعاة لضمان تدفق النفط، دون أن تكون للآثار الأخرى للحرب أي تأثير في الاقتراب من أدنى مقاربات الاتفاق!
ورغم التداول الواسع للأزمة السودانية بين أطراف دولية وإقليمية متعددة، مع الإشارة إليها في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة مؤخرا، كأحد صراعات العالم الثالث التي تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى تسويتها؛ إلا أن الموقف الميداني لا يزال مستمرا بوتيرته العسكرية المتصاعدة، دونما تأثير واضح مما يجري من تداول حول الحل، أو الوقف المؤقت لإطلاق النار. ونتج عن الانتظار، الذي طال أمده لإنهاء أسوأ كارثة إنسانية، تتجدد دورتها بالطريقة نفسها التي بدأت بها حين اندلع الصراع في الخامس عشر من أبريل 2023 خارج كل التوقعات، بين طرفين أو أطراف أرادت أن تحقق بالحرب ما عجزت عنه بالسياسة. والنتيجة كارثة إنسانية على مستوى غير مسبوق في القتل والتدمير والانتهاكات وتقسيم للبلاد، وبهذه الصورة المكلفة لم تزل الأطراف الفاعلة في الحرب تزداد تشددا يوما بعد آخر، في مواصلة محرقة الحرب دون مراعاة للتبعات المعنوية والأخلاقية والتاريخية.
إن العملية السياسية لإدارة الحرب كملف سياسي وخطط عسكرية، لم تقم على تبني خطة واضحة تسمح بتقديم التنازلات، استجابة لإرادة وطنية في وقف نزيفها، وإنما حرب على طريقة الثأر القبلي. وهذا الانحراف في توجهات الحرب يعد سياقا منطقيا يعود إلى جذور الصراع العميقة ومدى تصور قادتها من الطرفين لأهداف الصراع، أو تفسيرهم لما سيؤول إليه، وكانت هذه النتائج بتداعياتها الكارثية، بما يتجاوز ميدان الحرب إلى تقسيم البلاد، وخروج جزء أو أجزاء منها إلى جغرافية سياسية جديدة. وهذا الواقع الجديد على الخريطة السياسية فرضته الحرب في آخر دوراتها، حيث لم يعد من بديل في ظل صراع محتدم تأخر الوقت فيه لتجنب النتيجة المحتومة.
وما يهم الآن في ظل التطورات المتسارعة على مستوى التداول الإقليمي والدولي للأزمة، فقد بدأ الموقف الأمريكي متمسكا بما تطرحه الآلية الرباعية، التي يرفضها الطرف الحكومي وتقبل بها قوات الدعم السريع. ومع أن حالة من التناقض دارت حول الموقف الحكومي، بين رفض صريح واستجابة سرية، عبر وسطاء يشكلون أطراف الآلية، ولأن القبول بما ورد من بنود مبادرة الرباعية قد يكون له علاقة بتغيير موازين القوة بين الطرفين، وحالة السلطة القائمة التي تدعمها جماعات الحركة الإسلامية، ما خلق حالة الجدل داخليا بين مراكز قوى السلطة، مع تصاعد الضغط الدولي وتعدد الموقف المتأزم بين أطراف الحكومة المتعددة في اتجاهاتها. فأي توقيع أو اعتراف بمبادرة الرباعية، في نظر قادة الحرب العسكريين والمدنيين من الطرف الحكومي ستكون تبعاته غير مرغوب فيها، على الأقل فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية والتحول الديمقراطي. وتبقى المسافة الحرجة بين الرفض والقبول في تطور الموقف الإنساني والعسكري للحرب، رهينة بحسابات أصبحت خارج يد الطرفين، ما يلزم بالضرورة تغيرا في المواقف، إن لم يكن اعترافا بحقائق نتائج الحرب على الأرض فسيكون بالضغوط الممارسة على الطرفين من قبل دول المبادرة.
وما قام به الفريق البرهان من زيارات مكوكية لها مؤشراتها التي لا تخفي إلى المملكة العربية السعودية ومصر بدعوة من ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، وما سبقها من زيارة الرئيس الإريتيري أسياس أفورقي. وتعد المملكة من أبرز المحاور في مفاوضات السلام السوداني منذ انطلاق منبر جدة في يوليو 2023. وتأتي الجهود السعودية الرامية إلى الحل التفاوضي على تنسيق ثنائي بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، التي تزامنت مع زيارة مبعوث رئيسها مسعد بولس للرياض، الذي التقى البرهان. والزيارات خارج التصريحات الرسمية يفهم من سياقها البحث في صميم الوضع القائم، والاتجاه نحو حل دائم للصراع على أسس مبادرة مطروحة بالفعل ببنودها المتحفظ عليها من طرف حكومة البرهان، في وقت ينفد ولا يسمح بالتمسك بمواقف وحسابات تلك المواقف وسريتها. وإن الجهود الدولية في سلام السودان، تنبثق كما هي العادة عن مخاوف استراتيجية بعيدة المدى في تأثيرها على المحيط، وحدود الأمن القومي، حسب تقديرات كل دولة. وهنا يقف السودان على محور جيوبوليتيكي يتقاطع ومصالح دول عدة، بما يفوق أزمته الداخلية. وإذا كان نصيب الأزمة السودانية على مدى استمرارها الممتد زمنيا، التعثر الدائم على طريق التفاوض، منذ أن بدأت مرورا بكل المبادرات على المستويين الإقليمي والدولي. وهذا يفسر مدى التباعد بين أجندة الطرفين حول الموقف والتفاهم حول بنود السلام، وما يعنيه في واقع تجاوزت الحرب فيه كل حدود المعقول، وعلى فرض أن الحل العسكري فشل في حسم نتيجة الحرب لأي من طرفيها، فإن الإصرار على مواصلتها على الاستراتيجية ذاتها، لم يعد ممكنا بحكم ظروف الواقع الدولي، الذي التفت أخيرا إليها، بعد أن وصلت الأزمة الإنسانية ذروتها، ولم يعد من الممكن استمرارها رغبة لأهداف طرفيها.
فالبحث عن السلام وسط ما خلفته الحرب من أنقاض متراكمة، ليس حصرا على الانهيار المادي الذي طال كل المرافق السكنية والحكومية على السواء، ولكن على التحطيم المعنوي الذي احدثته الحرب، والتي لم تعد حربا بالإمكان وصفها حربا قابلة للحل العسكري مهما استمر القتال وتضاعفت قوة السلاح. فالحرب الدائرة موصولة بعوامل خارجية تدخل مباشرة في عمق الصراع بقوة تأثيرها اللوجستي، وإدارة الصراع على المستوى الدولي في مواقف المنظمات والهيئات، بما يبرر هذا التدخل، ويحشد المواقف الدولية لصالح الطرف الذي يقف وراءه. وهذا التركيب الهجين بين تناقضات الداخل وتدخل الخارج جعل الأزمة السودانية بكل ما تحمله من صفات الحروب والصراعات، أزمة متعددة الأوجه وبالتالي أصبح حلها في تعقيد حالتها المتشابكة نفسها.
يواجه العالم اليوم موقفا مأساويا، في حرب لم تعد تجدي معها تقديرات الموقف القائمة على موازنات دولية وإقليمية، تقدم المصالح على الجانب الإنساني، الذي يستدعي تدخلا مباشرا لحل الصراع بعيدا عما يبديه الطرفان من مواقف توسع من دائرة الحرب. وإزاء حالة الإحباط السائدة وسط المكونات السياسية السودانية، إلا أن التحول الذي طرأ على الخطاب السياسي للمكونات المناوئة لاستمرار المطالبة بوقف الحرب، في اصطفاف سياسي مدني على محدودية تأثيره في الداخل، إلا أنه يشير إلى إرادة وطنية مستقلة عن تجاذبات الأطراف الدولية.
نشر بالقدس العربي اللندنية# 2 يناير 2026

كاتب سوداني

nassyid@gmail.com

عن ناصر السيد النور

ناصر السيد النور

شاهد أيضاً

استراتيجية الأمن القومي الأمريكي… أوهام أم استراتيجية الأمن القومي الأمريكي… أوهام أم حقائق؟

ناصر السيد النوركشفت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاستراتيجية، «استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية» …