السودان بين الفشل الذاتي والحاجة إلى وصاية دولية انتقالية

م.جعفر منصور حمد المجذوب
Gaafar.hamad@gmail.com
منذ دخول الحكم التركي–المصري إلى السودان في مطلع القرن التاسع عشر، مروراً بالمهديّة ثم فترة الحكم الثنائي (الإنجليزي–المصري)، لم يعرف السودان استقراراً مؤسسياً أو نهضة حقيقية إلا في حقبة الإدارة البريطانية. في تلك الفترة، رغم كونها استعمارية، بُنيت مؤسسات الدولة: المدارس، المستشفيات، السكك الحديدية، الخدمة المدنية المنضبطة، والنظام الإداري الرشيد. أما ما تلا الاستقلال عام 1956 فقد كان سلسلة من الانقلابات العسكرية، النزاعات الحزبية الضيقة، وتوظيف الدين في السياسة حتى انفرط عقد الدولة وتحوّلت إلى ساحة صراع دائم.
اليوم، وبعد اندلاع الحرب المدمرة بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، تكشّف بوضوح أن القوى السودانية، سواء كانت إسلامية أو عسكرية أو حزبية، بل وحتى قطاعات واسعة من المجتمع، عاجزة عن تقديم مشروع وطني جامع. الغلبة دائماً للمصالح الضيقة، الأنانية، وغياب الأخلاق العامة. السودانيون – إلا من رحم الله – يجتمعون على الجعجعة الفارغة وادعاء المعرفة بالسياسة والتاريخ، بينما الوقائع تثبت فشلهم الذريع منذ المهديّة وحتى اليوم.
من هنا تبرز قناعة تزداد رسوخاً: لن ينتهي الصراع ولن تقوم للسودان قائمة دون تدخل دولي جاد، غربي بالأساس. فالسودان لا يملك اليوم نخبة سياسية قادرة، ولا جيشاً وطنياً منضبطاً، ولا مجتمعاً مدنياً مستقلاً. ما يملكه فقط هو تاريخ طويل من الفشل وإعادة إنتاج الأزمات.
قد يعترض البعض على فكرة “التدخل الغربي” بدعوى السيادة الوطنية أو رفض الاستعمار الجديد. لكن السيادة الحقيقية تُبنى على المؤسسات القوية، والاقتصاد المنتج، والعدل، وليس على الخراب والحرب والفوضى. ما جدوى السيادة إذا كان الوطن محطماً والشعب مشرّداً؟
نماذج مقارنة
ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية: لم يكن لهما أن تنهضا دون الوصاية الأميركية والغربية، التي فرضت إعادة بناء شاملة للدولة والاقتصاد.
البوسنة وكوسوفو: لم يتحققا ككيانات مستقرة إلا بعد تدخل مباشر من الأمم المتحدة وحلف الناتو، وإدارة انتقالية دولية.
تيمور الشرقية: بعد عقود من الدم، لم تنجُ إلا بتدخل الأمم المتحدة وإدارة البلاد مؤقتاً حتى استقرت المؤسسات.
هذه النماذج تؤكد أن التدخل الخارجي – إذا كان مدروساً وذا رؤية طويلة المدى – يمكن أن ينقذ الدول الفاشلة ويعيد بناءها من الصفر.
نحو خطة عملية للوصاية الدولية في السودان
إذا أُخذت فكرة الوصاية الدولية على محمل الجد، فلا بد من تصور عملي يوضح ملامحها، حتى لا تبقى مجرد شعار. ويمكن طرح الخطة على النحو الآتي:

  1. الجهة المشرفة:
    تكون تحت رعاية الأمم المتحدة وبقيادة مباشرة من الولايات المتحدة و بريطانيا الهدف هو ضمان توازن بين الشرعية الدولية والفاعلية التنفيذية.
  2. المدة الزمنية:
    وصاية انتقالية مدتها 7.الى 10 سنوات، قابلة للتجديد حتى يتمكن السودان من استعادة عافيته المؤسسية والاقتصادية.
  3. الأمن ونزع السلاح:
    نشر قوات حفظ سلام دولية قوية قادرة على فرض وقف إطلاق النار.
    تنفيذ برنامج شامل لنزع السلاح والتسريح ودمج الميليشيات.
    إعادة هيكلة الجيش السوداني ليصبح جيشاً وطنياً مهنياً تحت إشراف خبراء دوليين.
  4. إعادة بناء مؤسسات الدولة:
    إصلاح الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والشفافية.
    إعادة هيكلة القضاء وضمان استقلاليته.
    مراجعة القوانين والدستور بما يتوافق مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان دون أى تمييز عرقي أو دينى أو قبلى أو جندرى.
    وضع قانون للأحزاب يحقق ويضمن ديمقراطية الأحزاب وذات هوية سودانية بعيده عن اى تحالفات خارجية.
  5. المشروع الاقتصادي والتنموي:
    إطلاق برنامج عاجل لإعادة تأهيل البنية التحتية (كهرباء، مياه، طرق، مستشفيات).
    استثمار ثروات السودان الزراعية والمعدنية عبر شراكات شفافة مع المجتمع الدولي واستقطاب احدث التقنيات فى كل المجالات.
    تمويل برنامج واسع للتعليم والتدريب المهني، باعتباره المدخل الحقيقي لنهضة السودان.
  6. التسليم للشعب:
    في نهاية فترة الوصاية، يتم تنظيم انتخابات حرة بإشراف دولي، تُسلَّم بعدها المؤسسات للسودانيين وقد أصبحت أكثر صلابة وقابلية للاستمرار.
    كلمة أخيرة
    قد يعتبر البعض أن هذا المشروع “عودة للاستعمار”، لكن الحقيقة أن ما يعيشه السودان اليوم أسوأ من الاستعمار نفسه: حرب، فوضى، انهيار، وغياب كامل لمؤسسات الدولة. فإذا كان الدواء مرّاً، فإن ترك المرض بلا علاج أشد مرارة.
    إن وصاية دولية مدروسة قد تكون المخرج الوحيد لإنقاذ السودان، بعد أن أثبت السودانيون – نخباً وأحزاباً وجيشاً وميليشيات – عجزهم المتكرر عن إدارة وطنهم، واكتفوا بتدميره جيلاً بعد جيل.

عن جعفر منصور حمد المجذوب

شاهد أيضاً

تقديس الأفراد في السودان… المسكوت عنه منذ دولة سنار إلى اليوم

بقلم: م. جعفر منصور حمد المجذوبGaafar.hamad@gmail.comمنذ قرون طويلة ظلّ المجتمع السوداني أسير ثقافة تقديس الساسة …