السودان بين عفو المقاتلين وإعدام المتعاونين: أين تستقيم العدالة؟

دكتور محمد عبدالله

في خضم صراع لا يرحم، تختلط فيه الدماء بالشعارات، تبرز اسئلة جوهرية حول معنى العدالة في زمن الحرب. منذ الخامس عشر من ابريل 2023 لم يعد المشهد في السودان مجرد مواجهة بين جيش ومليشيا، بل تحول الى سردية معقدة تتكاثر تناقضاتها كل يوم. فبينما تتوالى اخبار صدور احكام بالاعدام بحق مواطنين بتهمة التعاون مع العدو، تصدر في المقابل قرارات عفو عن مقاتلين حملوا السلاح وقاتلوا فعليا في صفوف قوات الدعم السريع، بل ويعاد تقديم بعضهم الى الرأي العام كابطال عادوا الى حضن الوطن، وقد علقت على صدورهم الرتب والنياشين.

المفارقة هنا ليست قانونية فقط، بل اخلاقية ايضا. فهي تمس صورة الدولة التي قد تخرج من هذه الحرب، وتحدد ملامح العدالة التي ستسود بعدها.

في الحروب تصبح الكلمات اكثر قابلية للتمدد والتأويل. تهمة التعاون اليوم واحدة من اخطر هذه الكلمات. ما المقصود بها على وجه الدقة؟ هل هي تقديم معلومات عسكرية منظمة؟ ام دفع مال تحت تهديد السلاح؟ ام ارشاد مسلحين الى منزل تحت وطأة الخوف؟ في بلد انهارت فيه مؤسسات الدولة وتلاشى فيه الامن، قد يتحول السعي الى النجاة الى شبهة.

لا خلاف على ان التعاون الاستخباري المنظم مع قوة مسلحة معادية جريمة جسيمة. لكن الاشكال يكمن في العدالة الاجرائية والشفافية. هل تم التحقق من عنصر الاكراه؟ هل اخذت المحاكم في الاعتبار ظروف المدنيين الذين عاشوا تحت تهديد مباشر؟ هل ميزت بين من بادر بالفعل ومن اضطر اليه؟ حين تغيب الاجابات الواضحة، تتحول التهمة من مفهوم قانوني محدد الى مظلة واسعة قد تفتح الباب لتصفية حسابات سياسية او شخصية، في مناخ مشحون تسمح فيه الدعاية بان تحل محل الدليل .

السؤال الذي يتردد في الشارع السوداني بسيط وصادم في آن واحد: كيف يحكم بالاعدام على متهم بالتعاون، بينما يمنح العفو لمن حمل السلاح وشارك في القتال؟

حتى لو قبلنا جدلا ان بعض المقاتلين كانوا مغررا بهم، فهل ينتفي هذا الوصف عن مدني عاش تحت سطوة السلاح؟ اليس الخوف والجوع والحاجة دوافع اكثر حضورا في حياة المدني الاعزل؟ العدالة في جوهرها تعني الاتساق. لا يمكن للقانون ان يكون مرنا مع فئة وصارما حتى الموت مع فئة اخرى وفق معايير سياسية متغيرة. والاخطر من ذلك ان يمنح العفو في الحق العام من دون تحقيق جاد في الحقوق الخاصة، اي حقوق الضحايا الذين قتلوا او نهبت بيوتهم او انتهكت حرماتهم.

يتنامى شعور في اوساط سودانية واسعة بان الحرب وفرت غطاء لبعض شبكات النفوذ لتصفية حسابات قديمة مع نشطاء وثوار. قد يختلف الناس حول دقة هذا الشعور، لكنه في حد ذاته مؤشر مقلق. فالعدالة لا يكفي ان تكون عادلة، بل يجب ان تبدو كذلك. في اجواء تعبئة وحشد، يسهل ان يتحول الرأي العام الى منصة للمطالبة بالعقاب لا بالتحقيق. غير ان الشعبوية لا تصنع قضاء مستقلا، والهياج لا يعوض غياب المعايير الصارمة.

عقوبة الاعدام تحديدا تقتضي اعلى درجات اليقين والعدالة الاجرائية. فهي عقوبة نهائية لا تحتمل التراجع اذا انكشف خطأ او فساد او تأثير سياسي. وفي زمن حرب تتداخل فيه المصالح والروايات، يصبح الحذر مضاعفا.

الحروب تنتهي مهما طال امدها، لكن اثر الاحكام الجائرة يبقى في الذاكرة الوطنية. السودان الذي يطمح الى الاستقرار لا يمكن ان يبنى على ازدواجية المعايير. اما دولة قانون تسري قواعدها على الجميع، او دولة انتقام تدار فيها العدالة بميزان السياسة.

ليس المطلوب تعطيل القضاء، بل تحصينه من الضغوط. وليس المطلوب تعميم البراءة، بل ضمان محاكمات عادلة شفافة تراعي الظروف والملابسات وتفرق بين الجريمة والاكراه.

تبقى حقيقة اساسية: المدنيون العزل هم الضحية الاولى لهذه الحرب. والدولة التي تختار العدل حين يكون الانتقام اسهل، هي وحدها القادرة على لملمة الجراح وفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

الفقر… حين يصبح الخصم في القصور لا في الأزقة

muhammedbabiker@aol.co.uk دكتور محمد عبداللهفي قصيدته “حوارية عن الفقر” ينجح الشاعر اليمني الكبير الراحل عبدالعزيز المقالح …