السودان: حكومة «تأسيس» ومحدودية الخيارات

يأتي الإعلان عن حكومة تحالف تأسيس، التي أدى أعضاء المجلس الرئاسي فيها، القسم القانوني أمام رئيسه قائد الدعم السريع محمد حمدان «حميدتي» في مدينة نيالا غربي السودان، عن أخطر تحولات الحرب ونتائجها غير المتوقعة، وإن تكن نتاج أحد الانقسامات التي أحدثتها خطابات الحرب، وبعض من شعارات قديمة جددتها الحرب نفسها.
وأيا يكن الموقف، أو التوصيف لهذا الجسم السياسي، ومدى فاعليته وشرعيته، وإمكانية استمراره، إلا أنه يعد خطوة غير مسبوقة على مدى الحروب الأهلية، التي شهدها تاريخ السودان الطويل. فإن تكون حكومة موازية، أم انفصالية في مناطق سيطرة الدعم السريع، تظل الخطوة الأكثر جرأة، وهو ما لم يتسن لمجموعات سياسية حملت السلاح ضد الدولة المركزية (دولة 56) منذ وقت مبكر.
وبهذا تكون حكومة «تحالف تأسيس» التي أطلق عليها حكومة السلام بنظام فيدرالي علماني، أول تنظيم سياسي يعلن عن دولة خارج المحيط التقليدي للسلطة، حملت معها النتيجة المباشرة للحرب وسردياتها في خطاب الهامش والمركز. فما الذي يعنيه قيام حكومة في مناطق وأقاليم بالمعنى الجغرافي، تشغلها مساحات واسعة من أقصى غربي البلاد، رغم أن هذه المناطق، تعد نقاط انطلاق، خاصة في دارفور، لقوات الدعم السريع، أو حواضن بالمفهوم الاجتماعي الجديد للحرب لتلك القوات، بما يشمل الكيانات القبلية المنتمية إليها. وبغض النظر عن مكونات «تحالف تأسيس» إلا أن قوات الدعم السريع هي من يسيطر عليها، بحكم القوة وتجربة الحرب نفسها، ولأن المجموعات الأخرى داخل هذه التحالف، التي شملت وفق الترسيم الجغرافي كل ولايات السودان في صورة رمزية، تشرّع بها وجودها الافتراضي أو الحقيقي كحكومة وطنية. والشاهد أنه منذ خروج قوات الدعم السريع من المناطق التي كان يسيطر عليها في أجزاء واسعة من البلاد، وتقهقره إلى غرب البلاد، لم يعد أمامه إلا مواصلة القتال بوسائل أخرى ومن بينها كما اتضح، الواقع السياسي الجديد، بميلاد حكومة بهياكلها الدستورية. فهل تعد هذه الحكومة انزلاقا مندفعا نحو نهايات يؤمل في تحقيقها سياسيا، بعد أن استعصى الحل العسكري على قوات الدعم السريع؟ ومن جانب آخر الجيش الذي تمثله حكومة الواقع بقيادة الجنرال البرهان، ومن خلفه الحركة الإسلامية، التي تتهم على نطاق واسع بسيطرتها على القرار في الدولة والحرب، كيف يمكنها التعامل مع واقع أفرزته حرب، وهو واقع لا يمكن تجاهله وتركه بالتالي وفق سير العمليات العسكرية، التي لم تحسم موقفا بتحقيق انتصار حاسم لأي من الطرفين. وإذا كانت الحرب على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات تكون نتيجتها دولة تغيب فيها معطيات إدارة الدولة بالمعنى السياسي والحالة العسكرية القائمة، ما يعني استمرار وتيرة الحرب والمواجهة.
وبالعودة إلى السياسات العامة للحكومة، كما ورد في خطاب رئيسها حميدتي، بأن تكون حكومة فيدرالية ومهامها إيقاف الحرب التي أنهكت السودانيين، وغيرها من مهام كانت دائما في تصورات كل الحكومات والانقلابات التي شهدتها البلاد، وهي مهام يصعب التنبؤ بنجاحها قبل تنفيذها، خاصة أن قوات الدعم السريع لم تزل تشن حربا وحصارا على مدينة الفاشر في دارفور، حيث الموقع الإقليمي للحكومة الجديدة، ما أوجد واقعا إنسانيا مأساويا. وهنا تكمن المعادلة ما بين الفعل العسكري في الواقع والتصورات السياسية لما يراد له أن يكون تجسيدا سياسيا لأهداف الحرب.

الاعتراضات على قيام حكومة تأسيس الموازية، وما يعقبها من واقع انفصالي، سيكون من الصعب التعامل معه، أو الحد من تداعياته، لأنه يعرض البلاد‭ ‬للتقسيم‭ ‬فيما تبقى من وحدتها الترابية إلى دويلات عدة‬‬

إن الموقف الدولي بمعناه التقليدي أبدى مخاوفه من قيام حكومة موازية في البلاد، قد تهدد وحدة السودان، كما جاء في موقف مجلس السلم والأمن الافريقي التابع للاتحاد الافريقي، ومجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه لا يمكن عزل الموقف الدولي الآخر المشارك تدخلا غير معلن في مجريات الحرب، بالوقوف وراء الطرفين وتأثيره في سياق التشكيل السياسي الجديد. فالدعم الذي ظل مستمرا في الحرب لا يغفل دوره في المنحى السياسي الجديد في قضايا تشكل أحد اهداف الحرب الخفية. فمن التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة موقعها وتعريفها بين دولة وإقليم انفصالي، أو إدارة محلية، لا تجد اعترافا يمنحها مساحة للتحرك وفق النظم المتعارف عليها، ما يجعل خياراتها محدودة، ولكن الأهم ما يحدثه هذا التكوين السياسي على الصعيد الداخلي، خاصة في تبنيها لقضايا ومظلوميات المناطق، التي تقيم فيها ما تعرف في أدبيات السياسة السودانية بمناطق الهامش، وما أصابها جراء الحرب من استهداف بالطيران وغيرها من انتهاكات طالت المدنيين، مما زاد من حدة التمييز الذي يستشعره مواطنو تلك المناطق. وطالما ظلت هذه الحكومة المفترضة بعيدة جغرافيا، وربما إثنيا عن مركز دائرة القرار التاريخية للدولة السودانية، فقد لا ترى في الحكومة الوليدة أهمية تستدعي تدخل عسكريا يستنزف ما تبقى لها من موارد، إن لم تتركها تذهب انفصالا على حدود مناطق سيطرتها الحالية. ومع الفشل الذي صاحب التفاوض منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، واستمرت حربا مفتوحة استخدمت فيها كل الأسلحة، بما فيها المحرمة دوليا، وتمدد نطاق العمليات العسكرية بين الطرفين سيكون قيام كيانات موازية بقوة السيطرة، واقعا ستفرضه الأحداث أكثر من مقترحات التصورات السياسية المطروحة على موائد التداول السياسي العام. وفيما تبنت حكومة «تأسيس» دستور السودان الانتقالي لسنة 2025، الذي صاغه تحالف تأسيس كإطار تكيفي لحكومتها المنبثقة، والذي احتوى على ما يجيء عادة في مقترحات الدساتير السودانية من إدارة التنوع، ووقف الحروب، وغيرها من تعميمات؛ تظل العناصر العملية والنظرية لتشكيل الدولة، غائبة في وجود مهددات امنية قائمة ووضع عسكري غير محسوم. ولا شك أن الاعتراضات على قيام حكومة تأسيس الموازية، وما يعقبها من واقع انفصالي، سيكون من الصعب التعامل معه، أو الحد من تداعياته ولأنه يعرض البلاد فيما تبقى من وحدتها الترابية إلى دويلات عدة، وستستعد كل المكونات القبلية والجهوية على المضي على هذا الاتجاه، ما يعني عمليا تحول السودان، دولة وشعبا، إلى انقسامات أكثر حدة مما هي عليه الآن. ومن ثم فإن هذه المناطق التي تبسط قوات الدعم السريع سيطرتها عليها وبما أحدثه التحول في الموقف العسكري للجيش، بدخول الحركات المسلحة الدارفورية، بما يعرف بالقوات المشتركة التي تقاسم إثنيا مجموعات الدعم السريع مناطق السيطرة نفسها لن تخضع لحكومة تأسيس.
وبقدر التحدي الذي تفرضه هذه الحكومة الموازية داخليا، من مخاطر محتملة الوقوع، فإن ردة الفعل الدولية في حال التعامل معها، أو تجاهلها سيؤسس لوضع لا يمكن إلا الاعتراف في نهاية المطاف. فالمسافة الزمنية على قصرها بين إعلان التحالف في نيروبي فبراير الماضي، وإعلان الحكومة في يوليو، وإعلانها رسميا في نهاية أغسطس، أكدت أثر الحروب الداخلية في الحالة السودانية، كصراع مسلح على السلطة التي باتت منقسمة في بلد واحد، ما يشير إلى إمكانية تجربتها وسط إقليم ملتهب بالصراعات الداخلية ذات البعد الإقليمي. ولأن السيطرة القائمة على الحرب ستنتج واقعا سياسيا أبعد ما يكون عن تداول للسلطة، يرتكز على آلية ديمقراطية، على النقيض مما يدعو له تحالف تأسيس، وهو مكون من تحالفات عسكرية لم تختبر السلطة المدنية. فإذا فشلت تجربة الحكومة الموازية بشكلها السياسي وتشكيلها العسكري الحالي، أو نجحت افتراضا فإن صيغة جديدة قد تفتح الطريق أمام المزيد من الحكومات، ولو على النمط الفيدرالي أو الكونفدرالي في بلد تتنازعه صراعات محتدمة وقابلة للتفجر والتوظيف السياسي في واقع مجتمعي ينقسم جهويا.
كاتب سوداني
نشر بالقدس العربي اللندنية# الأربعاء 3 سبتمبر 2025م

nassyid@gmail.com

عن ناصر السيد النور

ناصر السيد النور

شاهد أيضاً

السودان بين أنقاض الحرب ومسارات السلام

ناصر السيد النورما شهدته التحركات والتطورات المتسارعة على المستوى الدولي والإقليمي بشأن الأزمة السودانية في …