السودان: رئيس وزراء حكومة الحرب

من تطورات دولة الحرب في السودان بكل ما تعنيه الحرب من في العقل الرسمي للدولة وأي تكن مشروعيتها يأتي تعيين رئيس وزراء مدني في منصب ظل شاغراً لثلاث سنوات عقب انقلاب الجنرال البرهان على الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك أكتوبر 2021 تطورا جديدا في المسار السياسي للحرب أكثر من البعد الهيكلي للمنصب. ويأتي هذا التعيين في ظرف تواجه البلاد حربا ضروسا على عامين ويزيد بين طرفي صراع يتنازعان بلا هدف سوى الحرب في اقصى حدود للتدمير. إن تعيين الموظف الأممي السابق في منصب رئيس الوزراء فمن المرجح أن يكون بمثابة إضفاء وجه مدني بواجهة دولية من وراء قبضة حكومة عسكرية فتحا لمسارات اغلقتها انتهاكات الحرب على الصعيد الدولي بما فيها عقوبات لم تزل تتنزل على أطراف الحرب تباعا. وقد سبق خلق منصب شبيه بمسمى وزير شؤون مجلس الوزراء ورئاسة الحكومة لم يدخل حيز التنفيذ ودارت حوله التكهنات إلا أن تم نسيانه في خضم التقلبات السياسية والعسكرية.
فالرجل الذي أدى القسم رئيسا للوزراء في منصب مشكوك في تنفيذ ما يعد به المنصب قبل شاغله. ولم يعرف في الداخل السوداني على نحو ما يتطلبه المنصب في حلبة الصراعات السياسية السودانية. فالدكتور كامل إدريس المدير السابق العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) من التكنوقراط الذين وضعتهم حظوظهم أو أقدار التاريخ على مسار سياسي لم يكن مستعد له بالخبرة أو التجربة وإن يكن بالطموح الشخصي. ذلك الطموح الذي قاده في السابق إلى خوض السباق الرئاسي منافسا للبشير في انتخابات 2010 مسبقة النتيجة لم يتردد في قبول منصب لم يسبق له من قبل أن شغله في بلاده وإن كانت مناصبه الأممية التي تذخر بها سيرته المهنية ولو أن المناصب الأممية غير تلك الداخلية بدء من الأولويات إلى السياسات إن لم تكن بطبيعة الحال الظروف ومنها الحرب كظرف استثنائي التي لم تعد ظرفا طارئا على السودان بل من الممارسات اليومية. ولكن على ماذا راهنت حكومة الأمر الواقع من تعيين شخصية مثيرة للجدل لا في غموض خلفيتها السياسية والمهنية؟ فإذا كان تعيينه يشير إلى تحولات تكتيكية وفراغ في سياساتها الخارجية تأمل في استغلال علاقات الرجل الخارجية أو كما تظن الدوائر المقربة التي تدير تسير الدولة والحرب.
فانسداد قنوات الاتصالات الدولية مع العالم ومنظماته وعضوية السودان المعلقة في الاتحاد الافريقي منذ انقلاب الجنرال البرهان والصورة التي برزت بها بشاعة الحرب وما تبع ذلك من تبعات قانونية (جرائم الحرب) والعقوبات الاقتصادية كلها تشكل ملفات ثقيلة لن يكون أمام الرجل ما يتاح من تفويض أو صلاحيات أو قدرة بحكم السياسة المتبعة لحلها. فما هي قدرة الرجل على التعامل مع واقع داخلي وهو المغترب عن الواقع السياسي السوداني، وصلته بالعالم الخارجي لن تكون كما كانت قبل توليه المنصب في حكومة تواجه عزلة دولية. فالواجهة الفردية لشخص رئيس الوزراء لن تحل محل المؤسسات المعترف بها كما يعتقد قادة السلطة في السودان ولأن الخروج من عزلة نتجت عن سياسات لم تحسن تقدير سياساتها ما بين داخل يعاني من حرب وسلطة فردية وخارج يرصد تناقضات الممارسات التي لا توافق مبادئه أو مصالحه.
فالمنصب (رئيس الوزراء) لا تمكن أهميته في الدور السيادي او السياسي الذي يمثله للحكومة التي ظل وزراؤها يعملون بالتكليف طوال فترة الحرب وما قبلها لن يضيف جديدا أو يضع حدا لما صرح به شاغل المنصب وبالتالي ينفذ ما يتطلبه واقع الحال أكثر ما يطلبه من أتوا به للمنصب. على الرغم من الصلاحيات الكاملة الممنوحة له بحسب المرسوم الدستوري التعيين، فإن حدود تحركاته لن تكون تتجاوز ما سيرسم له من سياسات تحقق أهداف ليس بحاجة إلى منصب رئيس الوزراء. فالحرب التي أوجدت جماعات سياسية وشبه عسكرية في منظومة الدولة وجهازها المنهار ستعقد من مهمة المنصب ودوره في جهاز الدولة. فالدور الثنائي بين المسرح السياسي الداخلي والخارجي الذي ترغب فيه الجماعات المتحكمة بسلطة القرار أن يلعبه الرجل لا يتيح له بمنطق الضرورة لعب الدور او تقمصه. تكن المعايير الاقتصادية القياسية وتطبيقاتها في السياسية التنظيمية لمؤسسات الدولة التي سينتهجها الوزير المدني في ضمن حزمة سياسات يتطلبها الواقع الاقتصادي الأشد الحاحا للدولة المتعثرة لا يملك لها حلولا وبما يتناقض خبرته الأممية في مجالات أبعد عن الاقتصاد.
لم يحظ الدكتور كامل رئيس الوزراء الجديد مثل نظيره السابق عبد الله بإجماع وطني سياسي يجعل منه شخصية يؤمل منها تحقيق تحولات اقتصادية أو سياسية في إعادة المسار الديمقراطي، فالأخير قد الرجل قد حقق اختراقاً على المستوى الدولي وأعاد السودان إلى دائرة منظومة الاقتصادي الدولي بعد عقوداً من الحظر، والأبرز بطبيعة الحال ما قادته اليه جهوده في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حسب التصنيف الأميركي. فمن مرشح مستقل سابق لرئاسة الجمهورية يحمل مشروعا لإنقاذ بلاده إلى وزير مدني في نظام عسكري تتنازعه الصراعات مثل كل الحكومات العسكرية السابقة التي اقتطعت من تاريخ السودان السياسي. وفي ظل حرب بهذه الاتساع وما تمتصه من موارد شحيحة لا يمكن أن تخضع لسياسات مدنية من منصب يراد له أن يكون واجهة لامعة أكثر من سلطات فاعلة في القرار السيادي والذي لا يعني في هذا التوقيت غير الحرب وضروراتها. ثمة حرج تاريخي تعددت فيه التفسيرات من حيث انه لم يأت في خطابه على ذكر ثورة 19 ديسمبر التي اسقطت النظام السابق وجاءت بالبرهان رئيسا لمجلس السيادة وحكومة تعمدت إعادة انتاج النظام السابق بوسائل أخرى وانتهت إلى ما انتهت إليه من حكومة تعمل خارج إطار مؤسساتها ومقارها كلجنة تسيير طارئة.
فما شكل الحكومة المتوقع أن يشكلها بعد حلها تلك التي كانت قائمة وخاصة أن تكونيها يعكس محاصصات الحرب وما أدى إليها من خلاف حول اتفاقيات مثل اتفاقية جوبا للسلام 2021 التي جاءت بفصائل دارفورية للحكم وما عرف بالوثيقة الدستورية وما احدثته من شرخ في مسار السياسية السودانية؟ فأي تشكيل قادم من المحتم أن يتصادم مع واقع الحرب التي ألقت بتأثيراتها الكثيفة على إدارة الدولة وقسمة المناصب بين شتيت التحالفات التي أبرمها الجيش مع مجموعات مسلحة لتقف إلى جانبه في حربه ضد الدعم السريع. فالأطراف التي سيشملها التكوين الوزاري الجديد لن تكون كافة الكيانات السياسية خلافا لما صرح به الوزير المعين بانه يقف منها على مسافة واحدة. وبالتالي فإن تصوراته الطموحة في كتابه (السودان 2025: تقويم المسار وحلم المستقبل) لن تكون قابلة للتطبيق أكثر مما تفرضه تحديات الواقع بكل تناقضاته السياسية والعسكرية. وتدخل قسمة السلطة (المناصب) في دائرة التشكيل الوزاري الحكومي. وابديت بعض الفصائل امتعاضها من حذر يشوب توقعاتها وحساباتها في قوائم تعيينات الوزير المرتقبة.
قد يجد رئيس الوزراء نفسه في موضع لا يستطيع التحكم وإدارة حكومة مدنية ولو جاءت بطاقم تكنوقراطي كما تشير التقارير الإعلامية بعيدا عن مناورات السياسيات المتبعة في شغل المناصب في الإطار الوظيفي السوداني. فالمنصب الذي يجمع بين طموح شخصي جامح وتحديات سياسية معقدة وإشكالات دستورية معلقة وتوقيت غير مناسب من غير المحتمل أن يحقق ما يراد له ولو صدقت النوايا. ففي وجود ما يشبه الحكومات الموازية على امتداد مناطق خارج سلطة الدولة وسيادتها والتي بحكم الفعل ستكون خارج صلاحيات المنصب ونطاق تأثيره ستكون متروكة للعامل العسكري وحده التعامل معها فلا خيار يبقى أمام شاغل المنصب وحدود صلاحياته إلا باتباع ما تميله القيادات العسكرية وتقديراتها لا السياسية. فإي تكن حدود التوافقات التي سيحدثها المنصب المعين ستظل أسئلة تدور حول المنصب وشاغله وعن مدى ما يمكن أن يحققه على المدى الزمني الذي تتطلبه مجريات الحرب أكثر من قرارات التعيينات الوظيفية.

عن ناصر السيد النور

ناصر السيد النور

شاهد أيضاً

السودان بين أنقاض الحرب ومسارات السلام

ناصر السيد النورما شهدته التحركات والتطورات المتسارعة على المستوى الدولي والإقليمي بشأن الأزمة السودانية في …