السودان على حافة الهاوية- حينما يتزيّن الخراب بربطة عنق عسكرية

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد تغييرات في قمة الجيش أو إعادة ترتيب الكراسي بين جنرالات اعتادوا التنقل بين المكاتب والقصور العسكرية. المشهد أعمق وأكثر عبثية من ذلك بكثير.
البرهان يحاول أن يعيد رسم صورة “الرجل القوي” في لحظة لم يبق فيها من الدولة سوى ركام الرماد.
يبدو وكأنه طبيب يضع مساحيق على جثة سياسية متعفنة، أو كمن يعلّق ستارة حريرية على نافذة بيت تهشّم بالكامل. إنها محاولة يائسة لإيهام الداخل والخارج بأن ثمة نظامًا قائمًا، بينما الواقع يفضح انهيارًا لا يملك حتى القدرة على التنكر.

المؤسسة العسكرية نفسها لم تعد مؤسسة بالمعنى المعروف، بل أقرب إلى سوق عكاظ للسلاح والولاءات. هناك أجنحة الإسلاميين القدامى الذين ما زالوا يحلمون ببعث دولتهم، وميليشيات وُلدت بالأمس لكنها صارت تملك من السلاح ما يفوق
ما تملكه الدولة، وقادة ميدانيون خرجوا من رحم الحرب يملكون نيرانًا أعلى من أي رتبة أو نجوم على الكتف. محاولة إخضاع كل هذه الفسيفساء لقانون الجيش تشبه محاولة جمع مياه الفيضان في كف اليد.
العنف لم يعد مركزيًا ولا منضبطًا، بل صار سلعة معروضة بالمزاد، تُباع وتُشترى حسب اللحظة السياسية وحجم الغنيمة.

ولأن السياسة في السودان منذ سنوات لم تعد تُصاغ للداخل بقدر ما تُسَوَّق للخارج، جاءت قرارات البرهان الأخيرة مصممة بخط أنيق كي تُقرأ في القاهرة وأبوظبي وواشنطن والرياض.
الرسالة واضحة: “أنا السد الأخير في وجه الفوضى”. لكن الواقع يكشف أن الرجل نفسه أحد أكبر مهندسي تلك الفوضى.
يستعمل ورقة “مكافحة الإرهاب” كعملة صعبة، يبيعها في البورصة الإقليمية، ويعرض نفسه بوصفه الحارس الوحيد الذي يمكن الوثوق به. إنها سياسة قديمة: صُنْع الأزمة ثم تسويق القدرة على منعها
لعبة ابتزاز تُمارس على مسرح دولي يعرف جيدًا أنها مجرد خدعة، لكنه أحيانًا يتواطأ معها لأنها تخدم مصالحه.

أما اتفاق جوبا للسلام الذي لطالما احتفى به الساسة باعتباره بوابة الاستقرار، فقد سقط قناعُه أخيرًا.
رفض الحركات المسلحة لقرارات البرهان ليس سوى شهادة وفاة رسمية لذلك الاتفاق.
لقد كان الاتفاق منذ البداية صفقة لتوزيع الغنائم، أكثر منه مشروعًا لبناء وطن. دمج المسلحين في الجيش لم يكن اندماجًا حقيقيًا بل كان أشبه بخلط الزيت بالماء.
على الورق كان يبدو جميلاً، لكن على أرض الواقع ينفصلان بمجرد أول هزة. اليوم، يعود الجميع إلى القاعدة الأولى: السلاح هو الحكم الوحيد، ومن يملك القوة يملك الشرعية.

وإذا أردنا أن نفهم عبثية خطاب الدولة فلننظر إلى الخرطوم، العاصمة التي تحولت إلى مختبر حي لانهيار الدولة الحديثة.
المسؤولون يحدثوننا عن “أهلية الخرطوم للعودة” بينما المدينة أصبحت أشبه بمتحف للرعب.
الكهرباء تخرج وتدخل كضيف ثقيل لا يعرف مواعيد الزيارة، والمياه إما مقطوعة أو مسمومة، والمستشفيات تحولت إلى مقابر مؤجلة.
الأوبئة تسير في الشوارع بحرية أكثر من البشر: الملاريا والضنك والتيفوئيد والكوليرا، كلها وزراء في حكومة الظل التي تحكم العاصمة.
لا يحتاج المواطن إلى رصاصة كي يموت، يكفيه كوب ماء ملوث أو لسعة بعوض ليجد نفسه جثة جديدة تُضاف إلى الإحصاءات الصامتة.

وفي قلب هذه المأساة الاقتصادية يقف الجنيه السوداني، ذلك الورق الذي فقد قيمته حتى صار يُعامل كما يُعامل الورق التالف.
الأسعار تقفز كل صباح مثل مهرج في سيرك عبثي، الرغيف صار رفاهية، المواصلات مغامرة مالية، والدواء أشبه بحلم مستحيل.
حينما تفقد العملة الوطنية وزنها، فهي لا تسقط وحدها، بل تسقط معها هيبة الدولة ورمزيتها.
المواطن الذي يقف عاجزًا أمام بائع الخبز لا يفكر في “إصلاحات البرهان” ولا في “الرباعية الدولية”، بل يفكر في كيف ينجو من جوع هذا اليوم.

البرهان ومعاونوه يتحدثون عن الاستقرار وكأنهم يتحدثون عن سلعة معروضة في متجر خارجي.
الاستقرار عندهم هو صورة لجنرالات يجلسون بزيّهم الأنيق على طاولة مفاوضات في جنيف أو القاهرة، يتحدثون عن “جيش موحد” و”انتقال سياسي”.
لكن الاستقرار الحقيقي ليس هنا. الاستقرار الحقيقي هو أن يجد المواطن كهرباء في بيته، ومياه صالحة للشرب، ودواءً متاحًا، وطريقًا آمنًا يوصله إلى عمله.
هذا الاستقرار غير موجود، ولن يوجد طالما أن الدولة تصرف مواردها على شراء السلاح بدلًا من شراء الحق في الحياة لمواطنيها.

النتيجة أن السودان يعيش اليوم مسرحية عبثية عنوانها “الاستقرار”، لكن ديكورها من ورق مقوى. القصر يُرمم من الخارج بينما أساساته تتهاوى.
الخرطوم المظلمة، العملة المنهارة، الأوبئة الطليقة، كلها شواهد دامغة على أن استقرار السلطة ليس سوى كذبة معلّقة في الهواء.
لم يعد السؤال إذن: هل ينهار السودان؟ فالانهيار حدث وانتهى. السؤال الحقيقي هو: كم طبقة أخرى من الانحدار تنتظرنا قبل أن نصطدم بالقاع؟
وهل سيبقى هناك قاع أصلًا، أم أن القاع نفسه قد انكسر وصار سقوطنا بلا نهاية؟

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

بين الأمس وبكرة – الحزب الشيوعي السوداني.. الرسالة تمت ولا الحكاية يادوب بدت؟

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com ثمانين سنة في “سكة” السياسة السودانية ما رقم ساهل ولا كلام ساكت , …