السودان في امواج الـخليج

د. عزيز سليمان أستاذ السياسة والسياسات العامة
quincysjones@hotmail.com
يشهد الإقليم تحولات متسارعة تعيد رسم خريطة التحالفات وموازين النفوذ، لا سيما في مناطق التماس البحري والتجاري. وفي خضم هذه التحولات، يبرز السودان بوصفه دولة تقع في قلب المعادلة، لا على هامشها، بحكم موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، وامتداده الطبيعي نحو العمق الأفريقي، وما يتيحه ذلك من أدوار اقتصادية وأمنية محتملة.
أولًا: مدخل دبلوماسي – السودان في زمن إعادة تشكيل الإقليم
التحولات الجارية في العلاقات بين القوى الخليجية لا يمكن فصلها عن سياق إقليمي ودولي مضطرب، تُعاد فيه صياغة مفاهيم الأمن القومي، وتتغير فيه أولويات التجارة والطاقة، وتُعاد هندسة أدوار الموانئ والممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي. وفي هذا المشهد، لم يعد السودان مجرد ساحة تفاعل ثانوي، بل بات جزءًا من معادلة الأمن والاقتصاد الإقليميين.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطاب السياسي المتصاعد أو المتباين بين أطراف إقليمية لا ينبغي أن يُقرأ في الخرطوم بوصفه دعوة لانحياز عاطفي أو رد فعل متسرع، بل كإشارة واضحة إلى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى. وهي مرحلة تحمل في طياتها فرصًا حقيقية للسودان لإعادة صياغة شراكاته الاستراتيجية على أساس المصالح الوطنية، لا العواطف، وعلى قاعدة احترام السيادة والخيارات المستقلة.
ثانيًا: السعودية… سند تاريخي وفرصة لشراكة مؤسسية
ترتبط المملكة العربية السعودية بالسودان بعلاقات ممتدة، شملت دعمًا سياسيًا واقتصاديًا في مراحل مختلفة، وهو دعم لا يصح اختزاله في بعده المالي فقط، بل ينبغي النظر إليه كإطار علاقة قابل للتطوير نحو شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
في أوقات التوتر الإقليمي، يميل الفاعل السعودي إلى مقاربة تجمع بين الحزم والسعي للاستقرار، وهو ما ينسجم مع حاجة السودان إلى محيط إقليمي أكثر هدوءًا، يساعده على تجاوز أزماته الداخلية وجذب الاستثمارات. ومن هنا، فإن استثمار اللحظة السياسية الراهنة يتطلب من صانع القرار السوداني التعامل مع الرياض بوصفها شريكًا في بناء الاستقرار والتنمية في البحر الأحمر، لا مجرد داعم ظرفي في أوقات الأزمات.
هذا المسار يستدعي الانتقال بالعلاقة من المجاملات السياسية إلى مستوى أكثر مأسسة، عبر اتفاقات واضحة في مجالات الموانئ، والزراعة، والطاقة، وربط البنى التحتية، بما يحفظ للسودان قدرًا معقولًا من الاستقلالية، ويعزز في الوقت ذاته ثقة الجانب السعودي في جدية الالتزامات السودانية.
ثالثًا: البحر الأحمر والموانئ… من ساحة تنافس إلى رافعة استراتيجية
يمثل البحر الأحمر مسرحًا محوريًا للتنافس والتفاهم بين القوى الإقليمية والدولية المعنية بأمن التجارة والطاقة والملاحة. وفي ظل الحديث المتزايد عن الضغوط أو الاستهداف الذي يطال بعض الموانئ في الإقليم، يصبح من الضروري أن ينظر السودان إلى موانئه وسواحله باعتبارها أحد أهم أوراق قوته الاستراتيجية.
بدل أن يُختزل دور السودان في كونه بديلًا مؤقتًا لميناء متعثر أو مهدد، يمكنه بلورة رؤية شاملة لتطوير موانئه، وعلى رأسها بورتسودان، ضمن شراكات متوازنة تقوم على أسس واضحة، من بينها:

  • عقود شفافة تضمن السيادة الكاملة للسودان على أصوله البحرية.
  • شراكات في الإدارة والتشغيل تركز على نقل الخبرة وبناء القدرات، لا الاكتفاء بضخ رأس المال.
  • ربط تطوير الموانئ بمناطق لوجستية وصناعية داخل السودان، بما يخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
    بهذه المقاربة، تتحول التحولات الخليجية من مصدر قلق أو منافسة إلى فرصة استراتيجية تتيح للسودان تقديم نفسه كحليف موثوق في تأمين البحر الأحمر وتنميته.
    رابعًا: أفق العلاقات مع الخليج في الخمسين عامًا القادمة
    إن التفكير في العلاقة مع دول الخليج، والسعودية على وجه الخصوص، لا ينبغي أن يظل أسير ردود الفعل الآنية، بل يجب أن ينطلق من تصور استراتيجي بعيد المدى، يمتد لعقود قادمة. هذا التصور يفترض بناء سياسات جوهرية تحكم العلاقة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، على قاعدة واضحة تقوم على تقديم المصالح السودانية أولًا، ثم تعزيز التعاون المشترك ضمن أطر الندية والاحترام المتبادل.
    خامسًا: من الرؤية إلى السياسات العملية
    حتى لا تبقى هذه المقاربة حبيسة التحليل النظري، يحتاج السودان إلى ترجمتها في شكل سياسات عامة قابلة للتنفيذ، من خلال جملة خطوات عملية، من أبرزها:
  • إنشاء آلية وطنية عليا لملف البحر الأحمر
    تضم وزارات الخارجية، والدفاع، والنقل، والمالية، والاستثمار، وتُعنى بوضع رؤية متكاملة لعلاقة السودان بالقوى الخليجية في هذا الحيز الجغرافي، مع تحديد المصالح والخطوط الحمراء بوضوح.
  • التفاهم مع السعودية على رؤية مشتركة للبحر الأحمر
    تركز على حماية الملاحة، وتنمية الموانئ، وربط الاستثمارات البحرية بالزراعة والطاقة داخل السودان، مع الانفتاح المدروس على شراكات خليجية أخرى، بما يمنع تضارب المصالح على الأرض السودانية.
  • بناء خطاب سياسي وإعلامي متزن
    يتجنب الانجرار إلى اصطفافات حادة أو لغة استقطاب في توصيف الخلافات الخليجية، ويركز بدلًا من ذلك على ثوابت السياسة السودانية: دعم الاستقرار الإقليمي، الانفتاح على الجميع، ورفض تحويل الأراضي أو المياه السودانية إلى منصة لاستهداف أي طرف.
    خاتمة
    إن اللحظات التي تعيد فيها القوى الإقليمية ترتيب أوراقها، هي نفسها اللحظات التي تستطيع فيها الدول متوسطة الحجم، مثل السودان، إعادة تعريف موقعها ودورها. والتعامل الرصين مع ما قد يظهر من تباين في المقاربات بين الرياض وأبوظبي يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية مفادها أن السودان ليس تابعًا، بل شريكًا محتملًا، يمتلك من المقومات ما يؤهله للعب دور فاعل.
    وفي هذا الإطار، تظل المملكة العربية السعودية مرشحة لتكون سندًا محوريًا للسودان، شريطة أن تُدار العلاقة ضمن رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، وخطاب دبلوماسي متوازن، يحفظ المصالح الوطنية، ويفتح أمام السودان أفقًا أوسع للحضور والتأثير في الإقليم.

عن عزيز سليمان

شاهد أيضاً

معاداة السامية: الدرع السحري الذي يحمي الأكاذيب ويصمت الأصوات

بقلم: د. عزيز سليمان، أستاذ السياسة والسياسات العامةquincysjones@hotmail.com في عالم السياسة المعاصر، حيث تتشابك الخيوط …